اراءاهم الاخباررأي رئيسي

رائد مسلّيني : حافظ جديد لكتاب الله

 

رائد مسلّيني : طفل ألمانيّ المولد ذو إثني عشر ربيعا فحسب. منّ الله عليه بحفظ كتاب الله العزيز سبحانه في وقت قياسيّ. إذ لم يستغرق ذلك منه عدا ثمانية شهور تحت ضغوطات هذا الوباء (كورونا) وإكراهاته المسلّطة على أمّه الكريمة (نادية) التي أصرّت على تقحّم هذا التحدّي في مدينة ميونيخ الألمانية الجنوبية. إستبدّت بهذه الأمّ المكافحة هذا الهمّ أن يلتحق ولدها ـ وهو تلميذ بالعام الدّراسيّ السّابع في النّظام الألمانيّ ـ بقافلة حفظة القرآن الكريم. و لعلّها إمتلأت من قبل ذلك إشرئبابا إلى هذا الأمل الذي بشّر به النّبيّ الأكرم عليه السّلام أمّتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه
فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن بريدة – رضي الله تعالى عنه – أن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: من قرأ القرآن، وتعلّمه، وعمل به، ألبس يوم القيامة تاجًا من نور، ضوؤه مثل ضوء الشمس، ويكسى والداه حلّتين، لا تقوم بهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن. لم يكن أبوه (الكيلاني) سوى من المستورين الكادحين ليل نهار وصباح مساء سائقا لسيّارة أجرة داخل المدينة (تاكسي) حتّى إنّ زوجه طلبت منه أن يبخل عليهم بما يسدّد مصاريف تعليم القرآن الكريم. إذ أنّه يؤدّي زهاء مائتي يورو مع مطلع كلّ شهر جديد. بدأت هذه الرّحلة المليئة مزيجا من الألم والأمل يعتلجان في صدر الأبوين عندما إلتقت الأمّ (نادية) سيّدة تركية روت لها أنّ مسجد الميراج بميونيخ (مسجد تركيّ) بدأ في تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن الكريم منذ سنوات قليلات. فلم يهدأ لهذه الأمّ الشغوفة بالكتاب العزيز أوار حتّى ذهبت بنفسها إلى إدارة المسجد وقابلت الشّيخ عليّ ممثّلا عن الإدارة. ولكن رجعت خائبة إذ ليس لإبنها مكان هناك بسبب الإكتظاظ. وظلّت تلحّ حتّى فتح الله عليها بتسجيل إبنها. كان ذلك في شهر نوفمبر 2019 وإجتاز مرحلة الإختبار بنجاح رغم ما يبدو عليه لأوّل وهلة من إنقباض. ثم بدأ في تعلّم القراءة من المصحف على أيدي شيخين من شيوخ هذا المسجد المبارك وكلاهما يحمل إسم : الشّيخ عثمان (الشّيخ عصمان باللّكنة التّركية). كانت هذه الأمّ الولوعة بالقرآن الكريم خلف إبنها تتعهّده بالبيت وتعزّره وتغدق عليه بما أوتيت من لطف ورحمة وحنان. ثمّ إجتاز هذا الولد النّابه بما ورث من أمّه الإختبار الثّاني الذي به يكون مؤهّلا لدخول مرحلة الحفظ على أيدي هذين الشّيخين الكريمين اللّذين رتّبا هذا المسجد وحلقات التّحفيظ على أساس عصري فيه فقرات الجزاء والثّواب والتّرغيب تارة بالمال رمزيا وتارة بكلمات التّشجيع والشّكر. وكذلك بتوفير مساحات للّعب وأخرى لتناول ما تيسّر من الأكل. كان هذا المسجد المبارك بحسب النّمط التّركيّ عموما في أوروبا. أي مركّبا شاملا يلبّي أكثر من حاجة من حاجات المسلمين. وليس معبدا فحسب. ومن فقرات الجدّ كذلك تلازما مع فقرات اللّهو واللّعب أنّ هذين الشّيخين كانا صارمين على معنى الجدّية والمثابرة وتعهّد الحافظ. هذه المعاناة التي خاضها هذا الثّلاثيّ المتكافل (الكيلاني أبا ونادية أمّا ورائد طالب حفظ) لا تغنيها رواية واحدة ولا مقال. وقديما قالت العرب : ليس من رأى كمن سمع. وكثيرا ما تكون المعاناة لأجل قطف هدف عظيم من باب ما يعاش وليس من باب ما يحكى ويروى. من ذلك أنّ هذا الطّالب النّاجح المثابر ظلّ لعام كامل بشتائه البارد الممطر في ألمانيا وبصيفه الذي لا وجود له ساعيا بين أروقة المدرسة ومحضن المسجد لاهثا يخطف أنفاسه خطفا فلا يجد أيّ مجال لطعم قوت إذ لا يعود إلى بيته. إنّما يحزم متاعه ليكون في موعد التّحفيظ. ظلّ صائما أو شبه صائم لعام كامل لا يجد ما يشبع به بطنه إذ أنّ دوام التّحفيظ خمس ساعات كلّ يوم. فإذا عاد إلى بيت أبويه يظلّ ـ كما يروي لي أبوه ـ لساعات أخرى طويلة منكبّا في زاوية من زوايا البيت على درسه المزدوج : درس المدرسة الألمانية ودرس شيخه بمسجد المعراج. إنّها حيوية الطّفولة التي لا يستعصي عليها شيء وإنّها لهفة القرآن الكريم الذي يحرم أهله دوما لذّة النّوم ودفء الدّعة. رحلة العذاب اليومية ذهابا وإيّابا يتجشّمها أبواه معه مع مطلع كلّ فجر جديد. ومع إكراهات هذا الوباء (كورونا) فإنّ له واجب اللّقاء مع شيخه كلّ يوم لساعات أخرى عن بعد. أي عبر التّواصل الإلكترونيّ. قال ذات مرّة لأمّه وقد أثقله الرّهق في نبرة حزينة : أمّي أين طفولتي؟ تميّز هذا الولد الكريم بالطّاعة لوالديه. وهو خلق عزّ في ناشئتنا هذه الأيّام. وعندما ينشأ طفل على الطّاعة لأبويه في بلد أوروبّيّ مثل ألمانيا التي تحرّض تعاليمها الأطفال على آبائهم بإسم الحرّية ـ حتّى إنّها تمكّنهم من هواتف التّواصل بإدارة الطّفولة لبثّ شكواهم من آبائهم ـ فإنّ هذا لا يعني سوى أنّ البيت الذي يؤسّس من أوّل يوم على قيم الإسلام ويدار عليها ويعالج بها لا سلطان عليه لأيّ قيم أخرى مهما عربدت وتبجّحت. يوم الثّاني من شهر أبريل المنصرم 2021 أتمّ هذا الولد الكريم ختم كتاب الله سبحانه ونظمّت للحافظين حفلة يوم 25 من الشّهر نفسه وهو رابع طفل يحفظ القرآن الكريم في هذا المسجد الذي يعتمد طريقة جديدة مبتكرة آتت أكلها. تقوم على أساس أنّ الصّفحة من المصحف هي وحدة الحفظ وأسّه الأوّل كما تقوم على جمع عجيب متواز بين الحفظ الجديد والمراجعة وبطريقة ليس هنا يسيرا شرحها. وهي شبيهة بمعادلة رياضية. ناهيك أنّ هذا الطّالب المتميّز يحفظ يوميّا أربع صفحات جديدة ويراجع على شيخه في الآن نفسه عشر صفحات أخرى سبق حفظها. كما ترقّت حافظته القوية ـ التي كانت دون ريب سببا من أكبر أسباب حفظه في زمن قياسيّ ربّما غير مسبوق ـ إلى درجة أنّه يحفظ الصّفحة الواحدة في عشر دقائق. تبارك الله ما شاء الله وإنّا نعوذه بكلمات الله التّامّات من شرّ كل هامة وسامة وكلّ عين لامة. الذي دفعني إلى الكتابة عنه هو إبلاغ رسالة إلى مسلمي أوروبا قوامها أنّ الهوية الإسلامية إنّما تحفظ هنا بالقرآن الكريم وليس بغيره إبتداء. وأنّ كلّ طفل مؤهّل لحافظة قوية. بسبب أنّ الطّفل صفحة بيضاء. وأنّ أبويه هما من (يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه) كما قال النّبيّ الأكرم عليه السّلام. أمّا هو فهو مولود على فطرة الإسلام الذي فطرنا عليها جميعا في عالم الذّرّ الذي أخبرنا عنه في الكتاب العزيز. حقّ الطّفل هو الحفظ وليس الفهم. وحقّ الشّاب والكهل هو الفهم وليس الحفظ. إذ كلّ ميسّر لما خلق له. مخّ هذه الرّسالة هي أنّ البيت هو الحاضنة الأولى ـ وربّما تكون الأخيرة مع تطوّرات جديدة وغزوات مديدة ـ لهوية النّاشئة. وأنّ أوهاما كثيرة نحملها جميعا مفادها أنّ طاقة الطّفل الإستيعابية محدودة. الأبوان هما من يكتشفان مؤهلاّت أولادهم وهما من يستثمران فيها وهما من يوجّهانهم إلى الخير.

أمّا خارج البيت فلا وجود إلاّ لداع نحو سبل منحرفة آفاقها التّدخين والمخدّرات والجنس والسّرقة والعدوان وأصحاب السّوء والجريمة والسّجن أو العنف بإسم الإسلام إرهابا. أمّا القرآن الكريم فهو يملأ فؤاد صاحبه ليكون دوحة أمن وأمان وسلم وسلام وإيجابية وعطاء وإستقامة. ولعلّ دور الأمّ هنا أوكد بسبب إنشغال الأب عادة بلقمة العيش. أيّ رأسمال لأسرة مسلمة عدا خلفها وولدها وخاصّة في أروبا وفي غزوات العولمة ووسائل التّواصل الإجتماعيّ الذي ذهبت بلبّ أطفالنا؟ أليس يكون هذا الطّفل النّاجح (رائد) إماما للمسملين والمسلمات في ألمانيا وأروبا إن شاء الله تعالى في قابلات الأيّام واللّيالي؟ وعندما ينضج رشدا يتسنّى له التّفقه في الدين والدّنيا بيسر. هل هناك من كسب أعظم أو من غنم أكبر؟ اللهمّ لا. ماذا لو لم يكن هذان الوالدان ـ أبوا رائد ـ لا يعتمدان العربية في البيت؟ هل سيكون (رائد) مؤهّلا لمثل هذه الجائرة العظمى؟ أليست سقطت كلّ حصون المسلمين اليوم حصنا من بعد حصن ولم يبق لهم عدا حصن الأسرة؟ الأسرة وحدها لكفيلة بهدم كلّ غزو عولميّ. ولكنّا كثيرا ما لا نعي هذا حقّ وعيه. لا يطيب لي في خاتمة هذا المقال المتواضع إلاّ أن أجدّد تهانيّ القلبية لهذا الطّفل الكبير ذي المستقبل الواعد إن شاء الله. ولأبويه كليهما بما صبرا على شظف عيش ورحلة عذاب يومية لعام كامل فأنالهما الله من كرمه وفضله. ولشيخيه الكريمين سائلا الله أن يبارك لهما وفيهما وأن يخرّج على أيديهما مزيدا من أهل القرآن. وداعيا في الآن نفسه أبناء المسلمين وبناتهم في أوروبا إلى دفن كثير من الأوهام التي تسلّلت إلينا وتقحّم مواطن القرآن الكريم وإنشاء المؤسّسات لذلك والأوعية تحفيظا للصّغار وتفقيها للكبار لعلّهم يؤمّنون من بعد الموت صدقة جارية إسمها : ولد صالح يدعو لهم. بل ومعها علم يبثّه الولد المتعلّم في صدور النّاس. ذلك هو التّقاعد الحقيقيّ الذي لا ينفد. خير هدية في شهر القرآن الكريم من لدن هذا الطّالب المثابر (رائد) لأبويه هي حفظ الكتاب العزيز أمّا العذابات والمعاناة فما خلقنا لغيرها. إذ الحياة معركة شرسة ضارية سلاحها الهمّة والتوكّل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق