اراءاهم الاخبار

إستثمار العدوان أولى من الإدانات التقليدية

 

نادرا ما يبرز عدوان إرهابي في أيامنا هذه هويته كاملة صوتا وصورة ورؤية فكرية موثقة بمثل ما حدث مع الهجوم الغادر الذي شنه الإرهابي الاسترالي يوم الجمعة المنصرم على مسجدين في نيوزيلندا وأودى بحياة خمسين مسلما وهم في حالة صلاة عدا المجروحين وبذلك قدم هذا السفاح خدمة مزدوجة إذ أراح ضحاياه من نصب البحث عن هوية القاتل ودوافعه كما فوّت فرصة لذيذة على سماسرة حقوق الإنسان من كثير من المتصهينين والصليبيين من الذين يختارون التستر خلف زاوية ما من زوايا المشهد الإرهابي لتشويش الصورة بحثا عن إدانة البريء المغدور سيما إذا كان مسلما. لم يترك هذا السفاح لأولئك السماسرة مثقب إبرة إذ حرص على تصوير المشهد الإرهابي الذي ينفذه على أنغام الموسيقى صوتا وصورة بكل وضوح وجلاء بل إنه قدّم لذلك بكتاب كامل يحوي أزيد من سبعين صفحة ضمنه رؤيته الفكرية حيال الإسلام وتاريخ الأمة الإسلامية مثيرا أحقابا تاريخية خالية. وبذلك لم يكن من مناص للعالم بأسره عدا استنكار العملية وإدانتها بدءا من الرئيس الأمريكي الذي يعدّه هذا السفاح مثالا والرئاسة الفرنسية التي برهنت على شحّ مريب في إدانة الإرهاب عندما يكون ضحاياه مسلمين. أما الدولة النيوزلندية فقد فاجأت العالم بأسره والمسلمين خاصة بمسلك حضاري مدني لم نعهده من قبل قطّ في مواساة الضحايا ناهيك أنهم إفتتحوا لأول مرّة في تاريخ البلاد جلسة رسمية لبرلمانهم بآيات من الذكر الحكيم وهو سلوك لو دنا منه حكام أوربا حيث يكون مسرح الإرهاب نشيطا من الجانبين لساهموا في إزالة كثير مما علق بالأذهان من آراء مسبقة وفي الجانبين كذلك ولكن غلب إرث هؤلاء الحكام في الجملة من الفلسفة الغربية القائمة إبتداء على الإرهاب والعنف والمركزية العنصرية الأشد بغضا وسيادة الرجل الأبيض وإعادة إنتاج القالة الإسرائيلية التقليدية ( شعب الله المختار ) على إرثهم من ثورتهم الأخيرة قبل عقود حيث جيء بالعلمانية والديمقراطية والمساواة لستر عورة غربية فكرية شائنة وبذلك غلبت عليهم النزعة العنصرية وظلت الحركات الحقوقية شبه نشاز كلما تعلق الأمر بعدوان يكون ضحاياه مسلمين

مشهد إرهابي على غرار كارثة سبتمبر 2001 جدير بالاستثمار

كما يندر أن يكون عدد الضحايا في المشاهد الإرهابية السالفة بمثل ما هو في هذا المشهد أي خمسون شهيدا عدا الجرحى ويندر كذلك أن يكون المسجد هو مسرح الجريمة وبذلك يكون عدوان نيوزيلندا الأخير قريبا جدا من كارثة الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 بقيادة تنظيم القاعدة عدا أن الإعلام الغربي وأذنابه نجحوا في استثمار تلك الكارثة بأجود ما يكون الاستثمار في إتجاه تلبيس الإسلام نفسه بالإرهاب وهي الفرية التي كادت أن تعصف بإنجازات نصف قرن كامل من العمل الإسلامي في أوروبا. السؤال هو : هل ينجح المسلمون والأصوات الحرة في إستثمار العدوان الراهن أم نظل نلوذ بالصمت القبوري كالعادة معتصمين بالإدانات التقليدية التي لم نكن فيها هذه المرة نشازا فهي مربع مشترك بين الناس كلهم في الأرض؟

من أهداف الإستثمار

المقصود من الاستثمار هو الشاهد الدولي الذي يضم مليارات ممليرة من الناس من مختلف الأديان والحضارات والثقافات والألسنة ممن لا يصل إليهم الصوت الحرّ والصادق في مثل هذه الأحداث الأليمة فيظلون أسرى البوق الغربي الأوحد وهو بوق يتخذ الإسلام عدوا بكل فجاجة ومجاجة. المقصود من الاستثمار هو ترسيخ صورة لدى ذلك الشاهد الدولي في عالم مزدحم قوامها أن الإرهاب لا دين له ولا لسان وله ووطن له إذ أثبتت التجربة أنه ينبجس من اليهودي والمسيحي والمسلم والبوذي واللاديني وهذا مكسب أعظم إذ غلب عليهم بسبب حماقات (القاعدة وداعش وغيرهما ) أن الدين الذي ينتسبون إليه ـ أي الإسلام ـ هو مبعث العدوان سيما أنه لا صوت يعلو فوق صوت الكلمة المصورة والملونة في العقود الأخيرة ( عقود الفضائيات والإنترنت والأثير العابر للقارات شرقا وغربا ) ولنا أن نصدق حقا نظرية الشيوعي المصري المعروف سمير أمين ( المركز والأطراف )ذلك أن المركز اليوم هو أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وهو صاحب الصوت الأعلى بكلمته وقوته وماله معا وأن الأطراف التي تكتنز مليارات ممليرة من الناس الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الصراعات لا يسمح لها عدا بنافذة واحدة ورؤية واحدة فأنى لنا أن نعول على عقولهم أو تمييزهم حتى نبرئ أنفسنا من قعود عن الجهاد بالكلمة في زمن عاد بنا إلى الزمن الأول أي زمن الجهاد بالكلمة وليس عدا الكلمة ( وجاهدهم به جهادا كبيرا). هي منحة لا نظير لها فرضت علينا الجهاد السلمي بالكلمة والصورة واللون ولكن آثر بعضنا القعود والتخلف وآثر آخرون إمتشاق السيف لفرط حماقتهم

ماذا لو علم غير المسلمين أننا مطالبون بحماية عقائدهم الباطلة؟

بل قل لي : ماذا لو علم المسلمون أنفسهم أن عليهم حماية العقائد الباطلة مادامت مسالمة؟ لست مجانبا للصواب البتة لو قلت أن أكثر المسلمين اليوم لا يفقهون آية الحج التي تأمرهم بأن يحموا العقائد الباطلة مادات مسالمة بمثل ما يحمون مساجدهم. في آية الحج يقول الحق سبحانه ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها إسم الله كثيرا). ولم يختلف على معناها قط أن الأمة مأمورة بتيسير أسباب التدافع الحضاري وهو مفض بالضرورة إلى صدامات إبتلاء وإختبارا وأن الأمة في تلك الحقبة مأمورة بحماية المعابد التي يتعبد فيها أهل العقائد الباطلة حتى وهم في أرض إسلامية تحكم بالإسلام ماداموا مواطنين مسالمين لهم ما لنا وعليهم ما علينا وطنيا كما عبر عن ذلك الفاروق عليه الرضوان. أظن أنه لو علم المسلمون فحوى هذه الآية ومقتضياتها ـ بل مفهوم المخالفة منها بالتعبير الأصولي ـ لتغيرت أشياء كثيرة أما لو ترجموها عملا وليس قولا إلى غير المسلمين لتغيرت أشياء أكثر. ماذا لو علم غير المسلمين أن الإسلام وأمته كانوا في الأعم الأغلب ضحية الإرهاب الديني وليسوا ربانه؟

من وسائل الإستثمار

الحديث عن الوسائل عادة ما يحتل المؤخرة لأنه لا عبرة به في ميزان الحديث عن مقاصد الإستثمار والحاجة إليه. ومن وسائل الإستثمار التي لا تحصى إنشاء جبهة دولة من الأحرار ومن كل الديانات رسميا وأهليا تقوم على صياغة ميثاق عالمي يحمي الأقليات الدينية والعرقية ويقدم لاحقا إلى المنظمات الدولية لعله يعضد ما لديها من مواثيق أكلتها أدراج المؤسسات فلا تفعّل إلا إذا كان الضحية غير مسلم. ومن تلك الوسائل كذلك إنشاء مؤسسات إعلامية فضائية وإلكترونية كبرى بألسنة أروبا خاصة تقوم على تجهيز حوارات بناءة إيجابية تستوعب الآراء المختلفة ومن خلالها لا يعدم المشاهد الأروبي إستيعاب الصورة الحقيقية للإسلام ولتاريخ الإسلام وإنه لمن نكد الزمان ألا يعرف الناس من التاريخ الإسلامي عدا المربعات السوداء والحال أن الحضارة الأروبية المعاصرة بترسانتها الحقوقية ورؤيتها العالمانية ما قامت إلا بعد ما سماه المؤرخون الأربيون أنفسهم حرب الثلاثين أي الحرب الدينية التي دامت ثلاثين عاما كاملة وسحقت فيها أرواح بالملايين المملينة ولما عزّ النصر على هؤلاء من أولئك تواضعوا على النظام العلماني ضمانا لحقن الدماء. من المسؤول عن هذا الجهل. ألسنا نحن؟ ومن تلك الوسائل كذلك عقد مؤتمر سنوي دولي يحصي الناس من خلاله فكرة وتاريخا من هو الإرهابي الحقيقي وما علاقة الإسلام وأمته بالإرهاب. ومن ذلك كذلك القيام على تشييد كتب أو ترجمة أخرى لتصحيح الصورة المشوهة عند أكثر الناس من غير المسلمين عن الإسلام وجمع شهادات غير المسلمين في الإسلام نفسه من مثل الشاعر الألماني الكبير ( قوته ) ومستشرقون آخرون بالعشرات منهم ( سغريد هونكة وآني ماري شمل) وغيرهم كثير. أعرف أن سبيل المعترضين على هذا لا يعجزهم أن يتذرعوا بالمال. ومن أين نأتي بكل هذه الأموال التي تسير فضائيات ومواقع إلكترونية ومؤتمرات وكتب وترجمات؟ وأين تذهب زكاة أموالنا؟ أليس هذا العمل اليوم أولى بالصرف من مال الزكاة نفسها؟ لنا في الزكاة نفسها ـ دون غيرها ـ مصرفان مخصصان للحوار والدعوة : المؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله. من يتذرع بالمال يريد لنا القعود لا الجهاد بالكلمة وديننا في عيون الناس في الأرض كلها دين الإرهاب. بنا من اليسر ما به نسير فضائيات ومواقع وأفلاما وأعمالا فنية عظمى وترجمات ومؤتمرات ولكن قعد بنا عدم الإهتمام ظنا منا أن قضيتنا ـ وهي قضية الحرية ولا شيء عدا الحرية ـ معلومة عند الناس والحقيقة أننا مجهولون وديننا مجهول بل مشوه ملطخ. وأظن أن إستثمار مثل هذه الحماقات الإرهابية ونحن ضحاياها يفعل فعله عند الشاهد الدولي وبالفكرة وبالتراكم والعمل والإنفاق والتعاون والصبر على ذلك تجفف منابع الإرهاب وتصحح الصورة أما بالقعود والتعويل على الرؤى والأحلام والبركات والمعجزات فهو سبيل القاعدين والبطالين والعاطلين

الأستاذ الهادي بريك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق