اراءاهم الاخباررأي رئيسي

يوم الباب المفتوح في ألمانيا : سنة حسنة

يكون يوم الباب المفتوح في ألمانيا يوم الثالث من أكتوبر من كل عام وذلك إحتفالا من جهة بالعيد الوطني وهو إستعادة ألمانيا ما قبل ( هتلر) والحرب العالمية الثانية لألمانيا ( أي لشقها الشرقي وعاصمتها التاريخية برلين ) ما بعد تلك الحرب التي فرضت إستحقاقاتها ( إنتصار الحلفاء على المحور ) على ألمانيا حياة برزخية دامت عقودا حتى أذن لها لأول مرة بالمشاركة العسكرية في قوات ( إيساف ). كانت تلك الإستعادة في عهد المستشار الألماني الراحل ( هلموت كول ) أحد أبرز قيادات الحزب التاريخي القائد لألمانيا أي الإتحاد المسيحي الديمقراطي. يعد الألمان حكومة وشعبا ذلك العيد أكبر عيد وهو كذلك فعلا لأن البلاد لم تكن محتلة أو مستعمرة حتى تتحرر فيحتفل الناس بعيد الإستقلال ولكن كانت تحت ما يشبه وصاية دولية وهي العقود التي أحسن الألمان إستثمارها في الظل إذ لمّا عادوا إلى المشهد الدولي كانوا قوة إقتصادية دولية عظمى لم تتردد في المساهمة في بعث الإتحاد الأوربي ثم في المساهمة في توحيده نقديا ثم تقحموا مغامرة اليورو في خضم أزمات إقتصادية دولية كادت تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية نفسها لولا إسعافات عربية سخية ( الإمارات العربية المتحدة في تقرير العدد السنوي لمجلة ” جون أفريك ” الفرنسية باللغة الفرنسية لعام 2008 ) ثم تصدروا قائمة الدول المصدرة في المرتبة الأولى في العقدين الأخيرين. ومن جهة أخرى فإن هذه المبادرة إلتقطها المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا إذ أنتج ( يوم المسجد المفتوح ) وأبقى على اليوم نفسه أي العيد الوطني الألماني أي الثالث من شهر أكتوبر من كل عام جديد ويرجع تاريخ المبادرة إلى عام 2007

يوم الباب المفتوح : سنة حسنة

أجل. يحسب لقيادة المجلس الأعلى للمسلمين إختراع هذه السنة الحسنة بل يحسب له كذلك حسن إختيار تاريخها تناسبا مع العيد الوطني الألماني الأكبر وهي رسالة إسلامية إلى الأمة الألمانية أن الإسلام دين الإنفتاح والمشاركة وليس دين الإنعزال والتشفي. هي سنة حسنة ينطبق عليها قوله عليه الصلاة والسلام بالتمام والكمال أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. كذلك يكون التفكير الإسلامي راشدا ناضجا لا يفكر في الحياة الدينية فحسب بل يغذي الحياة بالتعليمات الإسلامية لتكون السنة ( وهي المنهاج لغة) عامة في الحياة وليست خاصة بالحياة الدينية. أرشد عليه السلام إلى السنة الحسنة بغرض التضييق على التوسع في وسم الأعمال بالبدعة وبذلك يضع لنا قاعدة عظمى في التدين عنوانها : الإتباع في الدين والإبتداع في الدنيا ومن يبتدع الأفكار ويجترح الوسائل في الحياة يصب من فضل السنة الحسنة ما يصيب ولو تردد الناس أو أحجموا خشية الوقوع في البدعة فإن الحياة تأسن ويتعطل هذا الحديث نفسه ( سن السنة الحسنة ) ومن ذا فإن المطلوب من قادة العمل الإسلامي بصفة خاصة فتح الذرائع لسن السنن الحسنة

المسجد في أوربا غير المسجد في العالم الإسلامي

المسجد في أوربا هو من ناحية مؤسسة أوربية قانونية إذ ينضوي تحت جمعية ثقافية ومن ناحية هو مؤسسة شعبية أهلية يحدد روادها نظامها الداخلي ومن ناحية ثالثة هو مؤسسة إجتماعية ـ مثل مثل الكنيسة وسائر دور التعبد لكل أهل ملة ودين ـ خاضعة للدستور الأوروبي والقانون الألماني مثلا في صورة الحال. المسجد في أوربا عادة ما يكون النادي العام للمسلمين في ذلك الحي أو القرية أو المدينة وذلك بسبب أن كل المشكلات ذات الطابع الديني التي تعترض المسلمين لا مكان لمعالجتها عدا في المسجد ولذلك يتعزز الشعور عند مسلمي أروبا أن المسجد ليس دارا للتعبد فحسب كما هو الحال في البلاد الإسلامية وإنما هو ـ مع ذلك ـ منتدى يجتمع فيه الناس تداولا في شؤونهم وكلما قويت حركة التدين والإقبال على الإلتزام تعبأ المسجد بمسؤوليات جديدة (في ألمانيا مثلا لوحظت الحركية المسجدية من بعد وفود زهاء مليون سوري على ألمانيا قبل سنوات قليلات). ومما يزيد من أعباء المسجد ما يثار حوله من حملة ألوية التخويف من الإسلام ولمن شاء نبذة من ذلك عليه بقراءة كتاب الإسلام من الداخل باللغة الألمانية لصاحبه قسطنطين شرايبر وقد صدر منذ عام أو عام ونيف تقريبا

الإنفتاح فريضة شرعية وضرورة واقعية

رسالة اليوم المفتوح هي أن الإسلام وأهله منفتحون على الآخر تحت سقف التعايش المشترك وخاصة في دولة علمانية مثل ألمانيا حيث يكون هذا الشعار مناسبا لنا ( لكم دينكم ولي دين والوطن لنا جميعا على قدم المساواة). مثل هذا الشعار كان في السبعينات وبعدها بقليل وخاصة في البلاد العربية والإسلامية يحيل إلى العلمانية وهو كذلك تفكيرا وثقافة ولكنه غير كذلك واقعا وخاصة في البلاد الغربية حيث يقاوم المسلمون مقاومات لأجل بلوغ هذا المقعد الكبير أي المساواة بينهم وبين غيرهم في الحقوق والواجبات من جهة وإحتفاظ كل صاحب دين بدينه إن شاء. الإنفتاح في الإسلام فريضة شرعية أساسها أن الإسلام هو آخر دين جاء يخاطب الناس كلهم أجمعين وأن المسلمين مطالبون شرعا ببثه وعرضه والدعوة إليه بالمنهاج الإسلامي الذي قوامه اللين والكلمة ومشتقاتها صوتا وصورة والجدال بالتي هي أحسن نشدانا للدليل وكسبا للقلوب أما المواقف فليس هناك أيسر من كسبها والموعظة الحسنة والحكمة وغير ذلك. ومما يغذي ذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما أرسل بعض من يحيون حفل زفاف بالموسيقى والغناء في المدينة لأجل أن ( الأنصار قوم يعجبهم اللهو ) كما قال عليه السلام ـ في مقابل أهل مكة المتأثرين بغلظة الجبال السود ـ قال معللا ذلك : حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة. أكثر المتدينين اليوم أشربوا فقها لا يستوعب هذا الهدي النبوي إذ يرون أن مثل هذا إستعطاف للآخر ولزوم للهوان والدونية ومهما حاورتهم فإنهم يصرون على إتباع شيوخ الضلال الذين غرسوا فيهم هذا ولا يجدون حرجا في الآن نفسه أنهم يعلنون إتباعهم للسنة. ليت شعري أي سنة؟ أليست هذه سنة؟ وفي تعليم آخر يعلمنا عليه الصلاة والسلام أنه إستقبل وفدا عن نصارى نجران ـ عام الوفود ـ مع وفد آخر من المشركين وظل يوفر لهم الغذاء والمسكن وكل ظروف الإقامة الهنيئة لزهاء أسبوع أو أكثر وذلك بغرض إجراء حوارات مطولة معهم نزلت بسببها الآيات الثمانون الأولى من سورة آل عمران. إستقبل أولئك جميعا ـ نصارى ومشركين ـ في مسجده الكريم في المدينة إذ يحاورهم نهارا ويخصص لهم المسجد نفسه للمبيت ليلا ولما لم تفض الحوارات إلى مشتركات عاد القوم إلى أهليهم آمنين سالمين مبجلين مكرمين. وفي تعليم آخر نقرأ في السنة أنه عليه السلام إستقبل إبن رمز الكرم في العرب ( عدي إبن حاتم الطائي ) الذي تنصر في بيته وأكرم وفادته وأعز رفادته وطاب له في الكلام والمجاملات وناوله متكئا وظل يحاوره لوقت طويل في أدق التفاصيل المسيحية ومما قال له بلين خطاب : إنكم ـ أي رجال الدين ـ تأخذون المعشار وهو لا يحل لكم في دينكم. ولما إنتهى الحوار عاد الرجل إلى بيته سالما آمنا مطمئنا شاكرا له عليه السلام كرم الضيافة. من تلك التعاليم وكثير منها لا يتسع له هذا المجال في القرآن والسنة والسيرة ـ بل وسيرة الخلفاء الراشدين ـ نتعلم أن الإنفتاح منا على الآخر كائنا ما كان دينه أو حتى لا دينه أصلا فريضة تقتضيها الدعوة إلى الله وهي اليوم ضرورة واقعية لا مناص منها وليس مجرد فريضة

أنتم مجهولون وإنفتاحكم معالجة ذكية

ليس أعجب من العجب عدا أن بعض المسلمين يحترزون من الإنفتاح تاركين لخصومهم يتحدثون عنهم بما يريدون في فنونهم وكلماتهم ومجالسهم وفضائياتهم والعقل الرشيد الحصيف يقضي أن الضعيف يجترح كل مناسبة ولا يفوت أي فرصة لتصحيح ما يشاع عنه. إذا صمتنا ونحن مستضعفون فمتى نتحدث؟ نحن مجهولون في قضايا كثيرة وكبيرة وخطيرة عليها يتحدد مستقبلنا ومنها قضية الحريات والديمقراطية والقبول بالتعددية والتنوع فهل أثبتنا أن ديننا فيه فسحة لذلك بل هو من أسس لذلك؟ أم أننا مازلنا في العقلية الخمسينية المتخلفة قوامها أن الإنفتاح والتحرر لا يأتي إلا بالفسوق والكفر وبذلك منعنا المرأة من التعلم لأنها إن تعلمت فحشت؟ ومن تلك القضايا قضية المرأة فهل أثبتنا أن المرأة فينا كائن بشري إنساني مساو بالتمام والكمال للرجل له ما للرجل وعليه ما على الرجل ويكون ذلك بالمعروف وليس بالقسوة والمشاححة وأن المرأة مكلفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمثل الرجل بالتمام والكمال؟ أليس كل ذلك مبثوث في سور مثل البقرة والتوبة وغيرهما؟ ومن تلك القضايا كذلك أننا نعمل للجهاد والقتال وإكراه الناس على الإسلام كما نكره المرأة على إرتداء الخمار أو النقاب أصلا فهل أثبتنا أن ديننا هو دين السلم والسلام والأمن والأمان وأن القتال ـ وليس الجهاد ـ هو مخرج من مخارج الطوارئ نشغله عندما يهجم علينا وليس إكراها على الإسلام؟ هذه التنظيمات الإسلامية ( القاعدة وداعش وغيرهما ) لم تدخر جهدا لعرض الإسلام على غير الصورة الحقيقية ولم يتردد خصوم الإسلام في إستثمار ذلك أحسن إستثمار ورغم ذلك مازلنا حيال العنف والإرهاب مترددين هيابين. بالخلاصة فإن الناس ـ في أغلبيتهم الكاثرة ـ يجهلون عنا أكثر مما يعلمون وأن خصومنا نجحوا في تسويق صورة سيئة عن الإسلام والمسلمين ونحن بحاجة ماسة إلى تصحيح الصورة وتأصيلنا هو قوله عليه السلام : حتى تعلم يهود أن في ديننا فسحة. أجل. حتى يعلم الناس اليوم في زمن الأثير الهادر والصورة الهائجة أن الإسلام هو دين السلم والأمن والعمل والحرية والكرامة والمشاركة والعدل والمساواة والعلم والبحث وغير ذلك من القيم التي تعلقت بها البشرية في هذه العقود الأخيرة. لن يقوم بالنيابة عنا أحد في ذلك ولن يتأخر الخصوم عن مزيد من الإساءات للإسلام فما حيلة الشاهد الدولي أي الناس الذين يسمعون عنا عقودا ولا يسمعون منا يوما واحدا؟

مقترحات عملية لتطوير اليوم المفتوح

أوّلا : تعبؤ المساجد كلها في ألمانيا وأوربا إحتفالا بهذه المناسبة

ثانيا : تجهيز المساجد بجناح خاص بها يكون مفتوحا يوما واحدا معينا معروفا في الأسبوع

ثالثا : تزويد ذلك الجناح بما يمكن أن يلتقطه الزائرون من كتب ومطويات ومعروضات صوتية وبصرية

رابعا : إستقبالهم على أنهم ضيوفنا إكراما بما تيسر من أكل خفيف وشرب وهدايا رمزية

خامسا : تبادل بطاقات الزيارة وتعهدهم بالتهاني والمكالمات والتواصلات

سادسا : دعوة الرسميين في كل حي أو جهة أو قرية أو مدينة دعوة خاصة ورفع مقاماتهم بمثل ما فعل عليه الصلاة والسلام مع أبي سفيان أملا في إسلامه فأسلم بإذن الله

سابعا : دعوة رجال الدين من كل ملة ونحلة وطائفة ودين ومذهب في المدينة لشهود الحفل نفسه وإنزالهم منازلهم كما فعل عليه السلام مع وفد نجران النصراني

الخلاصة

صحيح أن القلوب بيد الرحمان وحده سبحانه يقلبها كيف يشاء ولكنه يهدي من يشاء بمن شاء من عباده ويضل من يشاء بمن يشاء كذلك من عباده فلنكن أقدارا من أقداره التي بها يهدي من يشاء سبحانه والأصح من ذلك كله هو أننا بحاجة إلى التعريف بأنفسنا لأننا مجهولون ولأن خصوم الإسلام نجحوا في تسويق صورة سوداء سيئة عنا فلنكن تجارا شطارا مهررة عيونهم على بضاعة دينهم وليس في الأرض اليوم من يغنم من الإنفتاح أكثر من المسلمين

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق