اراء

واقعة تبوك : هل من عبر معاصرة؟

نحن في رجب الحرام. وهي مناسبة لإستلال ما تيسّر من العبر من آخر واقعة عسكرية خاضها النّبيّ محمّد عليه السّلام في حياته. وهي واقعة تبوك. في مثل هذا الشّهر الحرام من العام التّاسع للهجرة. هذه واقعة سجّلها القرآن الكريم في سورة مدنيّة كاملة. وهي من آخر ما نزل منه. وهي سورة التّوبة التي سمّاها بعضهم سورة تبوك وسمّاها بعضهم الفاضحة. بسبب أنّها فضحت حركة النّفاق. وهي من الواقعات القليلة التي تمحّضت لها سورة كاملة. وذلك بالرّغم من أنّها لم تشهد نزالا ولا قتالا ولا لقاء أصلا بالرّوم الذين فرّوا ذعرا ورعبا. تبوك نسبة إلى عين تبوك. وهي منطقة معروفة في وسط الطّريق بين المدينة ودمشق. وتبعد الآن بالطّريق المعبّدة عن المدينة 778 كيلومتر. خرج إليها عليه السّلام في جيش هو الأكبر قوامه زهاء ثلاثين ألفا. ولبث هناك عشرين ليلة كاملة. ظلّ يقصر الصّلاة فيها. كما سمّاها القرآن الكريم عسرة. وذلك بسبب أنّها كانت في حرّ شديد بالمدينة التي تشهد في تلك الأيّام ظلالا ظليلة وغلالا بما يرغّب عن الخروج إلى الجهاد. وبسبب طول المسافة التي إستغرقت منهم جيئة وذهابا أسابيع معدودات

من عبر تبوك ودروسها

الجهاد الإستباقيّ إرهابا لمن يريد عدوانا

معلوم أنّ الجهاد في الإسلام آلة حربية عسكرية تكلّف بها الدّولة ـ وليس الأفراد ولا الجماعات ـ لأجل حماية الحدود وتأمين طرق التّجارة وفرض السّيادة الوطنية وفتح حرّيات الإعتقاد والتّديّن بلا إكراه ولا خوف. الجهاد في الإسلام تقابلة وزارات الدّفاع والحربية في العالم المعاصر. عدا أنّ قيمة الجهاد وردت واسعة لتشمل المقاومات السّلمية كما في قوله سبحانه (وجاهدهم به) أي بالقرآن الكريم. ومن أغراضه كذلك بثّ الإرهاب النّفسيّ في صدور الذين يريدون العدوان. وهو ما يترجم اليوم بالمناورات العسكرية. وهو ذات الإرهاب الذي كان بين قطبي العالم سابقا أي الولايات المتّحدة الأميريكية من جهة والإتّحاد السّوفييتي من جهة أخرى. فيما سمّي بتوازن الرّعب. ولذلك قيل بحقّ : من أراد السّلام أعدّ للحرب عدّتها. وهي ذات القيمة التي جاء بها القرآن الكريم في قوله (وأعدّوا لهم ما إستطعتم من قوّة). ولذلك يسمّى جهادا تارة وقتالا تارة أخرى. أمّا عندما يهجم العدوّ على البلاد فإنّ فريضة الجهاد تكون واجبا عينيّا بسبب حالة الطّوارئ العامّة والتّهديد المباشر. ومن ذا كانت فتوحات التّاريخ الإسلاميّ كلّها ذات طابع دعويّ عامّ وظيفتها الإعلام بالدّين الجديد وإبلاغه بالكلمة. فإن أبت السّلطة السّياسية ذلك قوتلت ليس لكفرها. ولكن لصدّها عن سبيل الله ولإكراهها النّاس على دينها. ومن ذا كانت تلك الحركات مشاريع تحريرية. وبذا إنتشر الإسلام بحدّ الكلمة والخلق الطّيب. ولولا تلك الفتوحات الجهادية العظمى لكانت الأمّة الإسلامية اليوم عشرات أو مئات أو بعضة آلاف. ولما بزغ نور الإسلام وقيمه التّحريرية العظمى في إفريقيا وأوروبا وغيرهما. لمّا تفرّغ عليه السّلام من تخضيد الشّوكة القرشية بدء من الخندق خاصّة ونهاية بالفتح وفي أثناء ذلك وبمثله من الشّوكة الإسرائيلية المتدثّرة بالخيانات وآخرها خيبر توجّه إلى الجبهة الرّومية التي سبق أن إلتقاها في مؤتة. وهي جبهة تضمر السّوء للإسلام الذي جاء ينافسها على القيادة الدّولية في تلك الأيّام التي إنفردت فيها تلك الجبهة بالقيادة إحترابا مع الجبهة الفارسية التي سيشتبك معها النّاس في الخلافة الرّاشدة وبعدها. وفي هذا الإطار كانت تبوك حيث يبسط الرّوم نفوذهم منذ قرون طويلة ويستعبدون النّاس. العبرة من هنا أنّه على الدّولة حماية وطنها ومن فيه بغضّ النّظر عن دينهم ـ وفي المدينة يومها مئات المنافقين يلقون الحماية الأمنية ذاتها التي يلقاها أيّ مسلم ـ وهي حماية تستقرئ الحالة العسكرية على حدودها وتقدّر الأنسب لها. فإذا إلتقطت ما يهدّد الأمن القوميّ بادرت بحرب إستباقية دفاعية لأجل إرهاب أيّ عدوّ محتمل يريد الفتك أو الغدر والخيانة. فإذا تقاعست الدّولة عن ذلك وجرت الحرب داخل ترابها فإنّ الهزيمة ليست بعيدة

حركة النّفاق : حيّة مسمومة غدّارة

تمحضّت سورة التّوبة بالكلّية لحركة النّفاق النّاجمة في المدينة حتّى يسأل السّائل : أيّ حظّ لواقعة تبوك فيها؟ ذلك أنّ هذه الواقعة لم تشهد لا قتالا ونزالا ولا لقاء أصلا كما تقدّم معنا. ولكن جاء الوحي يعالج حركة النّفاق وكانت يومها بالمئات. والأخطر من ذلك أنّها كانت الوجه المسلم الدّاخليّ لبني إسرائيل : ذلك العدوّ الخارجيّ الذي آثر الخيانات بطنا في إثر بطن من بعد ما وقّع بأنامله على دستور المدينة. حركة النّفاق إذن في تلك الأيّام كلّ أعضائها من الإسرائيليين. ولم يكن ذلك صدفة. إنّما كان بتخطيط مسبق منهم توزيعا لأدوار الهدم ضدّ الإسلام. تحدّث القرآن الكريم عن تلك الحركة في مواضع لا تكاد تحصى حتّى غدت تلك الحركة ـ بمثل حركة الشّرك وحركة الإسرائيليين بل أكثر ـ أكبر تحدّ يعالجه القرآن الكريم. ومن هنا فإنّ المطلوب منّا معرفة خطاب تلك الحركة. وما تضمره لحن قول لأجل حسن معالجتها. حركة النّفاق ما لقيت كلّ ذلك الإهتمام سوى لأنّها حركة لا تموت. بل تظلّ مع النّاس حتّى يوم القيامة. وحديث القرآن الكريم هو دوما عن النّفاق الإعتقاديّ. وليس المعنى السّلوكيّ الذي يقع فيه كلّ مسلم تقريبا. فهذا يسمّى نفاقا مجازا وليس حقيقة

أركان المشروع النّفاقيّ

أوّلا : تصريم الصّف الدّاخليّ للأمّة

تمثّل ذلك في السّيرة النّبوية مرّات. منها ما وقع هنا في واقعة تبوك. إذ تجنّدت حركة النّفاق ـ وعمرها تسع سنوات كاملات ـ إلى تثبيط النّاس عن الخروج إلى مقاومة الرّوم العازمين على غزو المدينة. لم يقصر الأمر فيهم على تخلّفهم هم. إنّما تجاوزه إلى الدّعوة إلى القعود. مرّة بحجّة حرارة الطّقس (قل نار جهنم أشدّ حرّا). ومرّة أخرى بحجّة بعد المسافة (لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لأتّبعوك). وثالثة بحجّة عدم الصّبر على جمال شقراوات الرّوم (ألا في الفتنة سقطوا). والأصل أنّهم ملزمون بالدّفاع عن البلاد حماية لبيضتها من كلّ عدوان خارجيّ بغضّ النّظر عن إختلاف الدّين. فعلوا ذلك التّصريم ذاته في عدوان أحد. إذ إنسلخ ثلث الجيش كلّه. وفعلوا ذلك عندما تخابروا مع قريش سرّا وهي تحاصر المدينة لخمسين ليلة كاملة. هدف حركة النّفاق إذن في كلّ زمان هو تصريم الصفّ الإسلاميّ ليكون لقمة سائغة في بطون أعدائه

ثانيا : بغض الجهاد مقاومة عن الوجود

هذا الرّكن من أبرز مشروع المنافقين في كلّ زمان ومكان. أي تجفيف كلّ منابع القيم الجهادية في النّفوس. وهو ما عبّر عنه من لدن المحفل الماسونيّ الذي أوصى تونس ومصر كليهما بخطّة تجفيف منابع التّديّن. إذ الدّين وحده بقيمه النّفسية هو من يعبّؤ النّاس للجهاد دفاعا عن أرضهم وقيمهم. ولذلك لا يطيق المنافق مجرّد سماع كلمة الجهاد. ومن ذا سعوا بكلّ ما أوتوا ـ وهم أهل نفاذ في العادة في الدّولة العربية ـ إلى تشويه قيمة الجهاد حتّى لو كان دفاعا عن النّفس. كما يقع في غزّة وفلسطين. ولا يتورّعون عن وصف ذلك بالإرهاب والعنف. هذا ركن ثابت كمثل ثبوت ركن الإيمان بالله عند المؤمنين. لا يفعل المنافقون ذلك خوفا من الموت الذي هو ملاقيهم حتّى لو كانوا في بروج مشيّدة فحسب. ولكن كذلك تيسيرا للعدوّ الرّابض على تخوم البلاد أن يعبر بيسر وبدون أيّ خسائر. لأنّهم أذيال لذلك العدوّ تذيّلا فكريا وثقافيا وقيميا

ثالثا : السّخرية من مقدّسات الإسلام

هذا ركن ثالث من مشروع المنافقين. وهو السّخرية من المقدّسات الإسلامية. كما فعل منافقو المدينة. إذ قالوا في تلك الواقعة هزؤا بمحمّد عليه السّلام أنّه يزعم فتح قصور الشّام. كما قالوا عنه وعن أصحابه أنّهم أرغب بطونا وأجبن عند اللّقاء. فلمّا واجههم عليه السّلام بذلك قالوا : (إنّما كنّا نخوض ونلعب). فردّ الله عليهم أنّ ذلك يعدّ سخرية من الإسلام ونبيّه وأمّته ومقدّساته. وخلع عليهم أردية الكفر بسبب ذلك. (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم). العجيب أنّ منافقي اليوم أشدّ سخرية وأكثر هزوا من سلفهم الطّالح ذلك أنّهم يتجرّؤون على التّهجّم على القرآن الكريم ذاته (عصا موسى مثلا كما قال بورقيبة سابقا أنّها خرافة ومثله بصيغة أخرى القذافي) وعلى النّبيّ محمّد نفسه عليه السّلام. سيما من نخبة واسعة ثخينة تملأ الإعلام الفضائيّ ليل نهار صباح مساء. فإذا حصل عدوان عليهم من بعض الشّباب الغائر على دينه ملأت الأرض إستنكارات وإدانات. والحقيقة أنّ كلا الفعلين جدير بالنّكير : فعل السّخرية من مقدّسات الإسلام ثمّ فعل العدوان عليهم إفتئاتا من أيّ كان. إلاّ من دولة ذات سلطان. وأنّى لنا بدولة ذات سلطان تنافح عن تلك المقدّسات؟ الدّولة ذات السّلطان هي من تفتح أبواب السّخرية ضدّ مقدّسات الإسلام

رابعا : مؤسّسات الضّرار

كان ذلك لمّا بنى المنافقون في المدينة مسجدا قالوا إنّه يؤوي العجزة سيما في صلاتي الفجر والعشاء الآخرة ممّن يعسر عليه أن يصليّ في المسجد النّبويّ. ودعوه عليه السّلام إلى الصّلاة فيه كسبا لمشروعية دينية. عدا أنّه كان على عجل من أمره إعدادا لعسرة تبوك الطّويلة. فوعدهم بذلك بعد عودته. وفي أثناء عودته أخبره ربّه سبحانه أنّ المسجد الذي زعموا له ذلك إنّما هو ضرار يريدون تقسيم الأمّة به. ونزل فيه الذي نزل في سورة الفاضحة ذاتها. عدا أنّ منافقي اليوم لا ينشؤون المساجد ضرارا إلاّ قليلا. إنّما يشيّدون مؤسّسات أخرى ضرارا. من مثل الأحزاب والجمعيات والمنظّمات وغيرها. وكلّ ذلك يتمّ بإسم حرية التّعبير. ولا شكّ في قدسيّة حرية التّعبير في الإسلام الذي رفعها إلى درجة الوجوب الأعظم. وليس حرّية فحسب. ولكنّ بين الحرية والخيانة خيط رقيق دقيق تكشف عنه الأيّام الحبلى ويعرفه النّاس في لحن القول. كم من منبر إعلاميّ فضائيّ ما أنشئ في العقود الأخيرة إلاّ ضرارا لمنبر آخر يهجم على قوى الرّدة. ومثل ذلك من الأحزاب التي تحمل الإسم الإسلاميّ لتعوّق حركة الإسلام من الدّاخل وبالآيات والأحاديث ذاتها. وغير ذلك ممّا هو معلوم عند النّاس اليوم. ظاهر العمل خير وبرّ وإحسان. ولكنّ باطنه شرّ ومنكر وزور. ولذلك أجمل سبحانه أركان المشروع النّفاقيّ في قوله في السّورة ذاتها (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم). قبض اليد كناية عن عدم الإنفاق شحّا وبخلا وتعويقا لحركة الإسلام ومساهمة في تفقير الأمّة وتضخّم مديونيتها

إشتراك في العمل وإختلاف في المصير

إشترك بعض الصّحابة (ثلاثة هم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع) في جريمة التّخلّف عن الخروج إلى تبوك مع المنافقين. ولكن إختلفت مصائرهم. إذ عاقب الله سبحانه الصّحابة المخلّفين بالمقاطعة العامّة من المجتمع الإسلاميّ كله لمدة ناهزت شهرين كاملين. ثمّ عفا عنهم وتاب. ولذلك سمّيت هذه السّورة سورة التّوبة. ولكن وعد المنافقين الذين قاموا بالجريمة ذاتها ليس بالنّار فحسب. بل بدركها الأسفل. هذا مبحث قيميّ مهمّ يخطئ فيه كثير من المسلمين الذين لا يميّزون بين مسلم عاص ومنافق كافر. إذ يشترك المسلم مع الكافر في بعض العمل عصيانا لا يبرّر. ولكن يظلّ المسلم مسلما مؤهّلا للمغفرة والرّحمة. ويظلّ الكافر كافرا ليس مؤهّلا لذلك البتّة. ومن ذا وجب التّريّث والتّبيّن والتّثبت أن يرمى النّاس العصاة ـ وما منّا إلاّ وهو عاص ـ بالنّفاق فتحّل على الرّامي لعنة الله وغضبه

التّخلّف عن الأمّة جريمة ذات عقوبة

هذا ما وقع فيه أولئك الصّحابة الثلاثة. رغم أنّ الواقعة لم تشهد قتالا ولا نزالا ورغم أنّهم مسلمون مؤمنون ـ بل صحابة من ذوي السّابقة في الجهاد والإيمان والنّصرة إذ كلّهم أنصار ـ فإنّ تخلفّهم ـ حتّى لو كان بحسن نيّة وتسويفا فحسب ـ عدّ من لدن الله سبحانه ذنبا عظيما. وعوقبوا عليه بمقاطعة إسلامية كاملة. شملت النّبيّ نفسه عليه السّلام. بل شملت حتّى أزواجهم في أواخر المدّة الطّويلة. إذ أمرن أن يلزمن هنّ أيضا بمقاطعة أزواجهن. أليس في ذلك درس عظيم قوامه أنّ التخلّف عن خطّ سير الأمة إذا أجمعت على أيّ شيء من قيمة أو عمل هو مغضبة لله سبحانه؟ من أروع الأمثلة المعاصرة على ذلك : مقاطعة الإحتلال بكلّ أنواع المقاطعة الممكنة. ذلك أنّ الأمّة في عمقها الشّعبيّ كلّه أجمعت على مقاطعة الإحتلال الصّهيونيّ. ومن ذلك القبول بالعلمانية فكرة وثقافة وحكما. وليس معاملة مع أصحابها حوارا وغير ذلك. وأمثلة أخرى كثيرة معاصرة نفيد منها أنّ التّخلّف عمّا أجمعت عليه الأمّة في عمقها ـ وليس في دولها التّابعة الذّليلة للعدوّ ذاته ـ هو جريمة عليها كفّارة ثقيلة

الجهاد بالمال : ركن من أركان المشروع الإسلاميّ

كما أنّ حركة النّفاق من أركانها قبض الأيدي إمعانا في تعريض الأمّة إلى الحاجة والفاقة فإنّ من أركان المشروع الإسلاميّ المنافسة في الجهاد بالمال. سيما عندما يجدّ جدّ ذلك. حرّض عليه السّلام على المساهمة في تمويل جيش العسرة. فتنافس الصّحابة الكرام كلّ التّنافس. حتّى جاء أبوبكر بماله كلّه. هل تصدّقون ذلك؟ أجل. والله. ووالله لو لم يأت بذلك خبر صحيح لما صدّقت. وجاء الفاروق بنصف ماله. وجاء عثمان وهو الأغنى بمال كثير جهّز به كلّ الجيش تقريبا أو جلّه. فنال شهادة نبوية لم ينلها غيره تقريبا. إذ قال له عليه السّلام : ما ضرّ عثمان الذي فعل بعد اليوم. أي أنّه صكّ على بياض أن يفعل ما يشاء من غير الخير وهو مغفور له. طبعا هو مجاز. لأنّ المجاهد الذي ينفق مثل عثمان لا ييسّره الله إلاّ لليسرى

أيّ عبادة للضّعيف والفقير في الإسلام؟

جاءه عليه السّلام بعض الصّحابة ممّن ليس لهم ظهور يحملون عليها أي خيل وإبل وغيرها. ذلك أنّ المسافة مئات الأميال. ولا مناص فيها من ظهور ووسائل نقل. فردّهم عليه السّلام لأنّهم سيكونون عبئا على غيرهم. وبذلك ربّما تعرّض الرّحلة كلّها إلى الإخفاق بسببهم فرجعوا يبكون (حزنا ألاّ يجدوا ما ينفقون). سجّل القرآن الكريم هذا المشهد من مشاهد الضّعف الدنيويّ والثّريّ الغنيّ بمشاهد القوّة الإيمانية ليخبرنا أنّ العبرة بالنّيات والخواتيم سيما لمن هو فقير أو ضعيف. كما أخبر عليه السّلام النّاس في الطّريق أنّ أقواما بالمدينة يشاركونهم أجر هذا المسير. قال عنهم : حبسهم المرض ولو كانوا أصحّاء لكانوا معهم. مرّة أخرى تحضر النّية بقوّة. أمّا القوّة والقدرة فإنّهما يحضران ويغيبان إبتلاء منه سبحانه

كيف تعالج حركة النّفاق ؟

إذا عرفنا أنّ النّفاق حركة دولية لا تغيب حتّى يطوي الله سبحانه السّماوات و الأرض طيّ السّجلّ للكتاب فإنّه علينا أن نعرف كيف تقاوم؟ تقاوم بما قاومها عليه السّلام. إذ أنّه ما إن عاد إلى المدينة حتّى إستمع إلى أعذار المنافقين وهو يعلم أنّها أعذار مكذوبة ملفّقة. فما عاتبهم ولا آخذهم. وأيّ فائدة في مقابلة عذر منافق بعتاب؟ ولذلك غرّهم ذلك فظنّوا أنّه عليه السّلام أذن. أي غرّا لا يميّز بين صادق ومنافق. كما أنّه أذن لهم قبل ذلك بالقعود. ظنّا منه أنّ مسيرهم معه يزيد في التثبيط. ولكنّ الله سبحانه عاتبه على ذلك. معلّلا العتاب بأنّه حريّ به أن يعلم مند البدء المنافق من الصّادق. إذ تخلّف عن المسير صحابة صادقون. كما أنّه إتّفقت عودته مع موت رئيسهم عبد الله بن أبي بن سلول. فصلّى عليه عليه السّلام. رغم معارضة عمر. وهو يعلم أنّه هو رأس النّفاق الذي رمى زوجه هو نفسه الأمّ عائشة العظيمة بالفاحشة. وأنّه من يتولّى كبر هدم الإسلام. فما نهاه ربّه عن ذلك. حتّى جاءه النّهي من بعد ذلك. وقبل ذلك لمّا نصح عليه السّلام بقتلهم قال : أخشى أن يقول النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه. أيّ أنّه يعلّمنا الحكمة أو الميزان الذي به نحسن فهم القرآن الكريم رعاية للشّاهد الدّوليّ بالتّعبير المعاصر. حاصل المعالجة الإسلامية إذن لحركة النّفاق هي : مقاومة بالكلمة والرّفق والعظة البليغة في النّفوس. ونبذ أيّ عدوان عليهم بصفة النّفاق خاصّة. وملء الفراغات التي يمكن أن يشغلوها في المجتمع أو الدّولة تجفيفا لمنابع نفوذهم ومنعا لتأثيرهم. والحذر منهم كلّ الحذر بذكاء ودهاء. ذلك أنّهم مواطنون كاملو المواطنة والطّيش كلّه والحماقة أن يقتلوا أو يؤذوا مادّيا حتّى تنشأ حرب داخلية وهي أمنية أوليائهم في الخارج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق