اراءاهم الاخباررأي رئيسي

واضربوهنّ : هل نفقهها أم نستنكف عنها؟

هذا موضوع حرج في هذا المكان وهذا الزمان. حرجه أثقل على فرسان المقاومة في الحقول العامّة أي من يخالط الناس ويتقحّم وغاءات الحوارات والمغالبات والمشاركات. أمّا الظّليل في كهفه الآمن في عرضه الفارّ بدينه فلا خوف عليه من حرج الدنيا. أنّى لك ألاّ تستنكف عن هذه الآية والعالم ( الحرّ) كلّه ومعه إمتداداته شرقا وغربا وعربا وعجما يتبرّأ من عهود الضّرب وأيّام الرّق ويفتخر بأيام إستعادة الحقوق وإسترجاع الحرّيات؟ لا. بل قل : من يضرب من؟ ذلك هو تحرير المشكلة أي إختراق غربيّ عميق وغائر تجاوز النخبة إلى العمق من جهة وفقه بالدين من أكثرنا غير راسخ من جهة أخرى إمّا حنينا إلى عرف بائد أو إلى عقل زائف. وفي الآن نفسه فإنّ الضرب عملة غربية بامتياز شديد ولكن بعيدا عن العيون والملإ حتى إنه لك أن تقول باطمئنان شديد أنّ الضّرب ـ مثله مثل الردّة ومشكلات أخرى ـ مشكلة غربية وليس مشكلة إسلامية دون تبرئة أنفسنا من زاد علميّ في الدين طعنت فيه العادات طعنا بليغا

معالجاتنا الرديئة

معالجة المنهزمين في وجه التحديث الزّائف

دأب بعضهم ـ ومنهم من أهل العلم ـ على تتبّع الجذر اللّسانيّ لكلمة الضّرب في القرآن الكريم وفي الحديث وفي غيرهما ورصد تصريفاتها ومعانيها لينتهي به البحث إلى أنّ الضّرب المقصود في الآية لا علاقة له بما يفهمه كلّ عربيّ بالسّليقة. وقد فاته أنّ الكلمة العربية لفرط خصوبتها قد تصل إلى حدّ الدلالة على الشيء وضدّه. ويظلّ السّياق هو المحدّد. كما أنّها تتأثر كثيرا بالحرف الذي يعقبها إذ أنّ ضرب الشيء لا يعني الضرب عليه أو به أو منه أو فيه أو له أو إليه أو معه أو حوله. وغير ذلك ممّا لا يكاد يحصى. حتى ضرب الشيء نفسه يختلف بحسب السّياق إذ لا إتحاد بين معنيي قولك : ضربت الدّابة وضربت رحالي. ولا يحتاج كلاهما إلى حرف تعدية. رصد تصاريف الجذر لفقه معناه منهج علميّ دون ريب. ولكن الإحاطة بهذا اللّسان بالكلية دونه خرط القتاد كما تقول العرب. العيب عيبان : أوّلهما تقرير إتجاه فكريّ ثمّ البحث له عن متكآت وهو ما فعله المنهزمون حضاريّا. والعيب الثاني هو العزوف عن منهج علميّ آخر. هو التنبّه للظّلال الأوّلية للكلمة. إذ أنّ اللسان العربيّ لسان سماعيّ بالمقام الأوّل بسبب أمّية أهله بالكلية. ولا تؤمّن علوم اللغة كلّها من بعد تدوينها المتأخّر عشر معشار ما تؤمّنه تلك الظّلال التي تغشى الذهن الذي يستقبل الكلمة. الضرب مقدود في مبتدإه بحرف مفخّم غليظ. ومن ذا فإنّ دلالته لا مناص لها من إستصحاب الغلظة شرطا مشروطا. من المعاني الأوّلية الضرورية للضّرب الشدّة والقوّة فمن يضرب رحاله فوق أرض رملية رخوة ما له من قرار. الهزيمة في وجه الفكر الغربيّ المحنّك بالزينة التي تهفو إليها النفوس فطرة واقع لا ينكر

معالجة المنهزمين في وجه سالفاتنا العربية

عرف العرب ـ وليس وحدهم ـ بعدّ المرأة سقط متاع حتى أنّها تورث كما تورث ناقة أو بقرة حلوب. وليس عندي من ثورة أعظم في الإسلام من مثل قدرته على تأنيس العرب الأجلاف الغلاظ وتحويلهم إلى أمّة لأوّل مرّة في التاريخ منتظمة تحت سقف إمارة واحدة وبعلاقات قيمة راقية. لم أجد في التاريخ الإسلاميّ ثورة نجح فيها الإسلام مثل تلك الثورة. ومن يعرف حقّا وليس دعوى حقيقة النعرة العربية الجاهلية الأولى وتأبّيها عن الإنتظام والإجتماع يعرف حقيقة تلك الثورة. لم يكن العربيّ يلين تواضعا حتى لقرينة قوة وسيفا وغزوا فأنّى له أن يلين لمن ( ينشّأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين )؟ وهو تعبير عربيّ نقله القرآن كعادته جدلا وليس كما فهمه أكثر المفسّرين ومن خلفهم الأمة. ومن ذا ورثنا نحن النظرة الإحتقارية الدّونية للمرأة أبا عن جدّ وكابرا عن كابر. ولعمري أيّ سجن أشقى على المرء من سجن العادات والتقاليد والأعراف. ولكن لا يشعر به لفرط تشرّب النفوس له وملمسه النّاعم؟ فلمّا جاء الوحي بالضّرب كان شاقّا على النفوس التي تربّت على ذلك وظلّ عليه السلام يعالج الأمر بالحكمة والتوعية والخلق والإسوة واللطف وإعتبار الزمن جزء من العلاج. فما كاد يستوي على سوقه بين علية الصحابة ودوائر أخرى محيطة فحسب حتى دقّ الإنقلاب الأمويّ باب الإسلام ودأبت السياسة في الأمة على الفتوحات العسكرية والدعوية من جهة وعلى إحتكار الأمر والإستبداد به من جهة أخرى وإنقلب الفقهاء إلى المجتمع يحفظونه بالوعي المطلوب ولكن غلبتهم إندياحات الأمم والشعوب غير العربية المقبلة على الإسلام أن يتولّونها بالتربية والتعليم. وكانت جريمة الأمويين مضاعفة إذ أنّ إغتصابهم الأمر غرس في النفوس العربية في الأطراف بتعبير سمير أمين وفي الأمم غير العربية سيما الخراسانية أنّ قوّة الضرب سبيل مقبول. أليس ضربت حرية الأمة؟ فأيّ مانع إذن من ضرب حرية المرأة؟ ذلك أنّ الوعي تشكّله الأفعال أكثر ممّا تصنع الأقوال في علم التربية والتعليم. ثم إستحوذ الإنحطاط شيئا فشيئا على الأمة وإستعادت الجاهلية العربية الأولى بسط نفوذها فيما يتعلّق بالأسرة والمرأة. ذلك هو تحليلي لمآل الأمر ودور إنحدار السياسة وتأثيرها على المجتمع وقيمه وعوامل أخرى ثم فتحنا أعيننا على رجل يضرب زوجته وأخ يجلد أخته فلا نكير منّا بسبب تردّي الوعي

تحرير المعنى الإسلاميّ السّديد

المؤطّر الأوّل : سياق علاجيّ لا وقائيّ

صحيح أنّ الذكر ( القرآن) ميسّر للذّكر. ولكن الأصحّ منه أنّ الذّكر آلة للفقه وليس حركة لسان. وأنّ الفقه حركة عقل طويلة وتحتاج إلى ما يحتاجه كلّ علم من العلوم أي تفرّغا وولعا وصبرا. ولذلك أشيد بالعلم وأهله والفقه ورجاله والرّسوخ فيه. أمّا سلوك مسالك الخوارج الأوّلين أي تحكيم الظّاهر بادي الأمر فهو الضّلال الذي قاومه حبر الأمة بإمامة عليّ عليهما الرضوان. السّياق من أكبر مفاتح الفهم الصحيح وليس هو خاصّا بلسان العرب. سياق القول والفعل معا. سياق آية الضّرب هو سياق علاجيّ لوضع خلافيّ في الأسرة. وليس هو سياق وقائيّ. ولا شكّ أنّ مقتضيات العلاج أقسى من مقتضيات الوقاية. المشرّع هنا في مقاوم طبيب يعالج ورما خبيثا لا مناص من إخماد إندياحه بوصلات كهربائية موجعة ومؤلمة وتخلّف الأثر لا محالة. من أمثلة السّياقات الوقائية في الأسرة إيجاب التعارف ( أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما). التمييز إذن بين السياقات الوقائية والعلاجية مهمّ لحسن فقه علاج الضرب

المؤطّر الثاني : الضرب ليس أمرا بل بديل ممكن

لو سألني سائل : أيّ العلوم أدرس حتى أتهيأ لحسن فهم الخطاب القرآنيّ؟ لما تردّدت طرفة عين لأقول أنّ العلم المفتاحيّ الأعظم هو علم اللسان العربيّ. إذ يرد المبنى أمرا ولا يراد به الأمر في مثل قوله سبحانه ( وكلوا واشربوا). الصيغة أمر بالأكل والشرب ولكن المفهوم نهي عن الإسراف. إذ أنّ الوحي أكرم من أن يأمر شرعيا بما أمر به غريزيا. ألا ترى أن القرآن لم يأمر بالنكاح؟ لم؟ لأن الأمر به جاء فطرة. قوله سبحانه ( واضربوهنّ) ليس أمرا بالضرب حتى لو كان المبنى أمرا بالضرب. وهذا هو معنى الفقه. أي مخالفة المنطوق للمفهوم. ولكن أنّى لك بحيلة وأكثر المسلمين اليوم ـ وبالأمس كذلك في الحقيقة ـ لا يفهمون من آية الضرب سوى أمرا بالضرب؟ العجيب أننا لم نفهم ـ إلاّ قليلا ـ من آيات الجهاد الأمر بالجهاد أو من آيات طلب العلم الأمر بطلب العلم أو من آيات العمارة وإقامة العدل الأمر بذلك. أمرنا عجيب غريب مريب

المؤطّر الثالث : الضرب ليس مؤخّرا فحسب بل تقدير ممكن

عالج بعض الفقهاء مسألة التخيير أو لزوم الترتيب في بعض الكفّارات التي جاءت بها الشريعة ولعلّ ما إشتهر في ذلك إفتاء أحدهم أميرا بالصوم بدل التحرير بسبب أنّ التحرير المتقدّم في الكفارة يسير على أمير فلا يقضي الأمر وطره فيه. ذلك خلاف معروف. في موضع آية الضرب الوضع مختلف. ليس هو مختلف فحسب بل إنّ الضرب مؤخر تأخير العلاج بالكيّ في الحديث الصحيح. والأهم من ذلك كلّه هو أنّ الضرب ليس ضربة لازب. أي أنه لا مناص منه حتى عندما تصطدم معالجات الوعظ والهجر في الفراش بالإخفاق. أي أنه لا يعالج بالضرب حتى في هذه الحالة آليّا بدعوى لزوم النصّ. إنما يقدر الأمر تقديرا. وقد يستعاض عن هذه التراتيب كلّها لتقدير يقدره الطرف المعنيّ. وليس من ضرورة ذلك أنّه مخالف للنّص أو الشريعة. الشريعة هنا تقدّم حلولا ومعالجات غير ملزمة. ذلك هو بالضبط ما أريد قوله : ليس الوعظ ولا الهجر ولا الضرب ملزمات شرعية. إنما هي مبسوطات تقديرية تختلف من حالة لأخرى ووضع لآخر. فمن طلّق مثلا من دون المرور بتلك التراتبية لتقدير معتبر عنده والله وحده رقيب على صدره لا يؤاخذ أنه إستعجل أو خالف الشريعة. ومن قدّم التحكيم العائليّ ( حكما من أهله وحكما من أهلها ) على تلك التراتبية العلاجية لتقديره قدّره فليس مخالفا للشريعة. هذه المنظومة العلاجية في آية الضرب ليست للإتباع الفوريّ تستوي مع منظومة التعبّد مثلا أي صلاة وصيام وزكاة وحج. هذه معاملة وتلك عبادة وشتّان بينهما. المعاملة مبناها المرونة ورعاية الحالات وعدم التسوية بينها ولو عالج زوج النّشوز بالهجران في الفراش دون وعظ لا يكون مخالفا للشريعة. هذه المنظومة هل تصلح لأسرة تكون فيه العصمة بيد الزوجة؟ طبعا لا. أرجو ألاّ يكون النقاش هنا حول جواز تملّك الزوجة العصمة لأنه إجتهاد معروف. وفي حالات أخرى مثل هذه. في الغابر كان التمييز بين الشريفة والوضيعة ومن ذا جاء مهر المثل غير المسمّى فهل تخضع النّاشز للمنظومة العلاجية ذاتها حتى وهي شريفة؟ وأسئلة أخرى كثيرة تبيّن أنّ المنظومة العلاجية هنا ليست ملزمة إنما هي إستئناسية تقديرية

المؤطّر الرّابع : المقصد حفظ الأسرة وليس إذلال المرأة

هذه المنظومة العلاجية ثلاثية المراحل لها مقصد أسنى أصيل وليست مقصودة لذاتها إذ لا شيء يقصد لذاته حتى العبادة ذاتها أو التزكية والعمارة وهي عماد المنظومة القيمية الإسلامية وعنوانها الأكبر. الغافل عن الحكمة أحول العقل أعور النظر إذ هو يحدج بعينه الحكم فحسب. والشريعة حكم وأحكام ضرورة ضارّة. وما تخلفت الأمة سوى لأنّها قدمت الحكم وأخّرت الحكمة كما بيّن ذلك إبن عاشور وفرسان علم المقاصد كلّهم. أكثر المسلمين اليوم يعتقدون أنّ المرأة سعرها نصف سعر الرجل قيميا بسبب آية الدين في سورة البقرة وهي شناعة وفظاعة ورّط فيها كثير من أهل العلم الناس بعضهم خوفا من الناس وبعضهم جهلا وإستمراء للعادة. أعيد قولي السّالف أنّ الإنقلاب الأمويّ جنى على وضع الأسرة والمرأة جنيه على الأمة بأسرها إذ هو رجّة قيمية عظمى سجلت إرتدادات جانبية كثيرة مثلها مثل أيّ رجة أرضية. ومن ذا فإنّ إصلاح الأمة يبدأ ـ أجل. يبدأ ـ من السياسة والدولة وليس من تبرّج المرأة وشعرات الذقن. المقصد الأسنى لهذه المنظومة العلاجية في آية الضرب هو تدارك مؤسسة الإسلام المقدسة أي الأسرة أن تتصدّع فيتعرّض المجتمع لفقد لبنة حية وخلية عاملة ويتعرض الطّفل للخصاصة والإغتراب واليتم القيميّ قبل اليتم الحقيقيّ. هذه المنظومة تقرّره ما يقرّره الطبيب الذي يؤذي مريضه وقد يفضي به ذلك إلى تخديره لأجل إستنقاذ ما يمكن إستنقاذه وليس لإستعادة حركته السّالفة أو لأجل تعويقه. القرآن الكريم وكذا السنّة ما صحّ منها في مقام الطبيب المحلّل والصيدلانيّ الخازن للعلاجات وقاية وعلاجا في الآن نفسه. لأنّ الأسرة مؤسسة الإسلام المقدّسة فإنه يحرص عليها كلّ الحرص. وقد يفضي الحرص إلى إيلام. ومعلوم أنّ الجسم الحيّ يوقظه الإيلام فإذا مات قال الشاعر : وما لجرح بميّت إيلام. معنى ذلك هو أنّ ذلك المقصد الأسنى أي حفظ الأسرة وعدم تعريضها للتصدّع ما أمكن مع الإقرار بالطلاق حاجة ليس بالضرورة الضارّة أن يتحقق بتلك المنظومة في كلّ حالة ووضع ونشوز. ومعنى ذلك كذلك هو أنّ تلك المنظومة العلاجية وسيلة تزاول بقدر إفضائها إلى تحقيق ذلك المقصد. المتعجّل إلى الضرب بداية أو قبل أوانه مخالف للشريعة قطعا لأنه أخطأ فهم المقصد من تلك المنظومة أوّلا ولأنه حكّم هواه وليس مقصد الشريعة

المؤطّر الخامس : النّشوز تعريض الأسرة للتصدّع

من أكثر الكلمات التي ضلّ فيها أكثر الناس كلمة النّشوز. ومن الطريف أننا جميعا إلاّ قليلا من أهل العلم ينسبون النّشوز إلى الزوجة وليس إلى الزوج. والحال أنّ النّشوز حالهما معا. إذ قال سبحانه ناسبا النّشوز إليه وليس إليها ( وإن إمرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير). بالتعبير الحسابيّ نسب النّشور إليه مرّة وإليها مرّة. فلم رمي الزوجة فحسب به؟ لأننا محكومون في العقل الباطن بالنظرة الدونية للمرأة. وأخطر ما يقود الإنسان وهو لا يشعر هو العقل الباطن وليس العقل الظاهر. دأب المنهزمون حضاريّا كما مرّ بنا على رصد تصريفات كلمة الضرب حتى يظهروا للغربيين أنّ الضرب المقصود لا علاقة له بالمفهوم. ولكنهم لم يرصدوا كلمة النّشوز بمثل ذلك. ولو رصدوها في البيان القرآنيّ الكريم نفسه لوجدوا أنّ النّشوز المقصود هو العمل الذي يعرّض الأسرة للتصدّع وليس هو أيّ شيء دون ذلك ممّا يقع فيه كلّ زوجين بالضرورة. قال تعالى في سورة المجادلة في آداب المجالس ( وإذا قيل انشزوا فانشزوا). النشوز هنا هو ضدّ الإفساح ( فافسحوا يفسح الله لكم). وفيما عدا هذه المواضع الثلاثة لم يرد جذر النّشوز إلاّ في بعض القراءات حول الخلق. النّشوز إذن في اللّسان القرآنيّ هو إنفجار من بعد إلتآم مثل إنفجار الإجتماع في سورة المجادلة. النّشوز في الأسرة هو تعريض أحد الزّوجين لها إلى الفرقة والخلاف المدمّر الذي يعرّض الطفولة والمجتمع بأسره إلى ذهاب الرّيح واليتم القيميّ. وما عدا ذلك من خلافات فرعية لم يخل منها حتى أطهر بيت أي البيت النبويّ ليس نشوزا يستوعب تلك المنظومة العلاجية وخاصة الهجران في الفراش والضرب. ولكن تحوّل مفهوم النّشوز عندنا عصيانا تأتيه الزوجة والزوج مبرأ منه وتحوّل عصيان المرأة شهوة زوجها. ذلك هو النّشوز في المنظار الإسلاميّ الذي يعالج بتلك المنظومة العلاجية التي تبدأ بالوعظ وتمتد إلى الغلطة تأديبا

المؤطّر السادس : السنّة تبيّن القرآن

لحسن فقه القرآن الكريم منظومة علمية معروفة. أوّلها تبيين القرآن بالقرآن نفسه وثانيها تبيينه بالسنة. وثالثها تبيينه بعمل الصحابة سيما في إجماعهم أو تواضع أكثرهم ورابعها تبيينه بالإجماع الصحيح. وكلّ ذلك مقيّد بتحكيم اللّسان العربيّ القحّ. ذلك هو السلّم فمن خالفه فقد خالف العلم وأصوله وليخلع على نفسه من بعد ذلك كلّ حلل الإجتهاد الكاذب والتجديد الزّائف. من بيان السنة في علاج الخلافات الأسرية أنه عليه السلام نهى عن الضرب مبشّعا إياه في صورة بلاغية جميلة. إذ أنكر أن يجلد المرء زوجه أوّل النهار ويجامعها آخره. وهو على شاكلة أنّ الواقع في عرض أخيه كمن يأكل لحمه ميتا. وهو أسلوب تقعشر منه جلود العرب الأقحاح. ومن ذلك كذلك قوله عليه السلام ( ولن يضرب خياركم) ومن ذلك كذلك أنه أشار على هند ألاّ تنكح فلانا لأنه لا يضع سوطه من فوق عاتقه. أي كناية أنه يضرب النساء. ومن ذلك قوله عليه السلام ( ما أكرمهنّ إلاّ كريم وما أهانهنّ إلا لئيم ) ونصوص أخرى كثيرة في هذا الإتجاه الناّهي عن الضرب يضيق عنها هذا المجال الذي إنداح منّي بغير حول منّي على لجم عناده فأبى إلاّ أن تنثر أقتاب فؤاده. من السنة العملية وهي الأقوى أنه عليه السلام لم يضرب مرّة واحدة لا إمرأة ولا عبدا ولا إنسيّا قط ولا دابة ولا حتى هرّة أو نملة. بل إنه أنكر في الحديث القدسيّ على نبيّ من قبله حرّق نملا كثيرا لأجل أن قرصته إحداها. إذا كانت السنة تبيّن القرآن بصريح القرآن نفسه ( لتبيّن للنّاس ما نزّل إليهم ) وإذا تكافلت على ذلك السنة القولية والعملية فأنّى لنا أن نفهم القرآن الكريم خارج سياق السنة الكفيلة بتبيينه؟ أليس ذلك هو الهوى؟ الذين يسمّون أنفسهم منّا اليوم قرآنيين أليس يليق بهم ضرب النساء بسبب أنّ القرآن يتيح ذلك في الحدود المذكور بعضها فيما أنف؟ أرأيت كيف أنّ الإقتصار على أحد شقّي الوحي فحسب مربك؟ القول الأصوليّ الذي أتبنّاه هو وبكلّ وضوح وجلاء وبدون أيّ مواربة أو هوادة هو أنّ السنة وقد ثبتت هنا صحّة وصراحة وقولا وفعلا لا تقصر على الإشارة إلى مكارم الأخلاق وهو مقام معلوم من مقاماتها إنما هي هنا ناسخة نسخ تبيين وتقييد وتخصيص معا

المؤطّر السابع : الواقع نفسه يخصّص الوحي

في المؤطرين الأخيرين ولجت حمى الأصول ومشكلاته. ومن ذا فإنّ الكلام لن يكون مفهوما عند كلّ أحد. ولكن لا مناص من ذلك. السنة تخصص القرآن وتقيده وتبينه وهذا معلوم تبيينا منها له. والأمثلة عليه كثيرة. والضرب لا يندّ عن ذلك. المخصّصات في علم الأصول لا تقصر على السنة. ومن ذا جاء الإستصلاح والإستحسان وغيرهما ومن ذا فإنّ القول بتخصيص واقع معيّن بشروطه وضوابطه لبعض جوانب الوحي إلمتاحة لذلك إلاّ العقائد والعبادات والمحكمات لا المتشابهات وليس القطعيات والثابتات الرّسخات سيما من غير المعلولات هو قول درج عليه الفقهاء منذ الغابر. من ذلك مثلا شهيرا أنّ أحد مؤسّسي المالكية في تونس لمّا قيل له كيف تتخذ كلبا قال : لو كان مالكا معنا لأتخذ أسدا هصورا. أي أنّ الواقع تغيّر. كلّ ذلك في الحقول المتاحة لذلك ممّا يعرفه أهل النظر العلميّ. ولكن المجال يضيق عنها الآن. إذ الشريعة منها ما هو غير موطوء بأيّ إجتهاد. ومنها ما هو قابل لذلك بسبب علّيته أو تغير موجباته. ومن لم يميّز بين مساحات الشريعة فما شمّ من ريح الفقه شيئا. بيع السلم مثال بديع عندي إذ أنّه غير مباح في الأصل سدّا لذريعة الرّبا فضلا لا نسيئة. ورغم ذلك أباحه عليه السلام لقضاء حاجات الناس. ومثله في عهد عليّ عليه الرّضوان الإستصناع. وعقد الإجارة نفسه. وأمثلة لا تحصى. كلّها أباحها الواقع وليس الشرع بسبب أنّها معاملات وليس عقائديات أو تعبّديات. واقعنا المعاصر تشبتك فيه عوامل تتكافل على تقييد الضرب وتخصيصه. ومن أوكد تلك العوامل : عامل الدعوة إلى الإسلام وهو مقصد إسلاميّ معتبر وهو ما يسمّى اليوم حوارا أو جدالا أو تعريفا ولا تعنيني الأبنية. وهو عامل يقتضي إدراج الضرب في سياقاته التي مرّت بنا آنفا هنا وهو ليس كلّ شيء إلاّ لضيق المجال فحسب أن ينصرف الناس عن الإسلام بسبب أنه يبيح الضرب مطلقا ومعلوم أنّ الذريعة تسدّ وتفتح بحسب تأديتها لمصالح مرسلة بالتعبير المالكيّ أو لمفاسد مثلها. والقول بذلك ليس فيه مخالفة لنصّ. بل فيه تحقيق لمقصد. المصلحة دليل عند الشاطبي وغيره. العامل الثاني هو عامل الحركة الحقوقية التي تسري في الناس اليوم وفي الأرض بسبب ثورة التواصل. وهي حركة قوية من مصلحة المسلمين الإعتراف بها جملة والإنخراط فيها. إلاّ فيما يتعارض تعارضا صحيحا صريحا مع الإسلام وشريعته. وهو نادر. ومثله إلغاء تعدّد الزوجات أو المثلية الجنسية أو المساواة المزعومة في الميراث أو إلغاء وجوب الإختمار. وفيما عدا تلك الأمثلة فإنّ تلك المنظومة الحقوقية تنسجم مع الشريعة الإسلامية إنسجام مقاصد بل ونصوص أحيانا. الغرض من ذلك هو أنّ الواقع يخصّص النصّ الظاهر من الوحي سيما المعلّل منه ونصّ الضرب كما مرّ بنا ليس هو ظاهر فحسب بل هو بديل ممكن ومؤخر وعلى سبيل العلاج لا الوقاية وغير ذلك ممّا مرّ بنا. ممّا يخصّصه الواقع اليوم هو الإعتراف بالحدود الترابية لدولة مسلمة وهي حدود صنعها الإحتلال ولا مكان لها في الشريعة وتكاليفها القيمية والمادية ثقيلة. ولكن لا مناص من ذلك بسبب الغلبة وضرورة الخضوع لمستحقات الحرب العالمية الثانية. وأمثلة أخرى كثيرة يكون فيها الواقع مخصّصا للشريعة ولكن ليس في حقل الإعتقاديات والتعبديات وأكثر أحكام الأسرة

المؤطّر الثامن : الضرب والعلاجات قضية شخصية لا عامّة

هذا مؤطّر مهم ربّما كان حقّه التقديم. ذلك أنّ بعض السياقات التشريعية في الوحي الذي ليس هو منتظم بحسب الموضوعات على فقرات هي سياقات خاصة وليست عامة. ومنها سياقات عامة وليست خاصة. فمن السياقات العامة سياق الجهاد والقتال فلا يكلف به الإنسان ولكن تكلف به الدولة. ومن ذا فإن المجاهد قتاليا اليوم مفتئت على الجماعة. ومن السياقات الخاصة الفردية سياق المعالجات الأسرية ومنها آلية التحكيم التي يمكن تقديمها أو تأخيرها بل يمكن عدم إعتبارها أصلا. وكلّ ذلك خاضع للتقدير والإجتهاد. وتظلّ محمولات الصّدور متأبّية عن الإنكشاف حتى تبلى السرائر. آية الضرب موجّهة إلى العائلة فحسب وليست هي أمر عامّ يخوض فيه كلّ خائض ولذلك فهو تقديريّ إجتهاديّ ولا يبتّ فيه القضاء حتى يرفع إليه وشأنه هو شأن تقحّم خصوصيات العائلات والأسر كما فعل الفاروق ذات مرّة فلمّا نبّه تنبّه وإعتذر رغم أنّ البيت فيه منكر. ولكن الإسلام لا يمنح الدولة سلطانا على الخصوصيات ما لم ترفع إلى القضاء وما ظلّت محبوسة في دورها أو في صدورها من مثل الرّدة السلمية. ليس كّل ما هو في الوحي موجّه إلى كلّ الناس وفي كلّ وقت وحين. وهذا هو ما عرف بعلم مقامات التشريع ومقامات المشرّع نفسه. ولكنه علم قبر مبكّرا وآخر من أحياه إبن عاشور وظلّ بعده يتيما إلاّ محاولات مقصورة على الشأن السياسيّ فحسب من الدكتور العثمانيّ. أرأيت إنسجام هذه المنظومة العلاجية المتدرّجة من الوعظ إلى الهجران في الفراش وليس خارجه ثم إلى الضرب ثم إلى التحكيم العائليّ ثم إلى القضاء؟ ذلك يعني أنّها منظومة تقرّ إبتداء بالمسؤولية الفردية في شأن خاصّ أوّلا فإذا تعذّر الإصلاح هنا تدرّجت نحو الإعلان بحذر. ذلك أنّ الأمر يتعلق بعرض أزواج وبقابلات أطفال وبريح مجتمع ووزن أمة. هذا مؤطّر مهمّ جدا قوامه أنّ هذه المنظومة خاصّة بالزوجين وليس أمرا يعالجه من هبّ ودبّ أي معالجة عملية. أمّا المعالجة الفكرية فهي متاحة دون ريب. ألا ترى أنه نهى عليه السلام أن تذاع خصوصيات البيوت فيفضي الزوجان بعضها إلى بعض ثم يحدّث أحدهما أو كلاهما بما أفضي به؟ هذا من جنس ذاك حفظا لقدسية الأسرة ومؤسسة المجتمع العظمى

المؤطّر التاسع : غرض الضرب ليس الإيذاء البدنيّ

غنيّ عن القول أنّ كلّ ما يقال هنا مرتبط بعضه ببعض. فلا يذهبنّ في الرّوع لفرط تتابع الكلام ومؤطّراته أنّ الضرب مباح بالكلية أو هو محرم بالكلية أو مسنون أو مكروه. إنما هو تقدير إجتهاديّ خاصّ لا عام لخدمة غرض أسنى. تحرّي الوسط هنا والعدل بين تطرّفين ( تطرّف الهزيمة حيال الغرب وتطرّف الهزيمة حيال الشرق) ليس سهلا ولا يتسنّى لكلّ من هبّ ودبّ. الوسطية مظنة الحقّ والصواب. ولكنها مظنة الإجتهاد والجهاد معا كذلك. ورد في الأثر أنّ الضرب عندما يكون في محلّه المناسب يكون بمثل عود الأراك. كما ورد ألاّ يكون في الوجه تقبيحا. ومن كلّ تلك الآثار الصحيحة نستنبط قيمة محورية مركزية مهمّة هنا وهي أنّ الضرب المقصود عندما يكون في محلّه ليس هو مقصده الإيذاء البدنيّ الذي لا يزيد الكبير في السنّ إلاّ شرودا لما يلحقه به من إهانة فطرية معروفة. إنما يقصد منه عندما يكون في محلّه المناسب التأديب الخفيف الذي هو أدنى إلى المعاتبة الخفيفة الرّقيقة والمداعبة المغلّظة الشفيقة من إلحاق الأذى أو الإشعار بالإهانة والمذلّة. هنا لا بدّ من المقارنة مع حديث عند مسلم ( أي في الدرجة الثالثة من سلّم إبن الصلاح وغيره في صحة الحديث ) أي ضرب الطفل على الصّلاة. ضرب الطفل يختلف عن ضرب العاقل الرّاشد الشّريك أي الزوجة. يشتركان في الجذر و يختلفان في المقصد. إختلاف السنّ يوجب إختلاف المقصد. الضرب هنا وهو آخر علاج لضمان عدم تصدّع الأسرة نشوزا حقيقيا من المرأة وبعد إستنفاد عناصر المنظومة العلاجية الأخرى هو رفع آخر بطاقة حمراء في وجه ناشز مصرّة على تصريم لبنة حية وخلية عاملة وتيتيم طفل وتعريض ولد ليتم قيميّ قد يأتي على دينه أصلا وخلقه. ومن ذا فليس هو مثل ضرب الطفل ( إذا صحّ حديث ضرب الطفل على الصلاة التي لم يكلّف بعد شرعا). فإذا صحّ فإنّ تأويله تأويلا وقائيا وليس علاجيا يكون هو المخرج المناسب. ولكن دعنا الآن من ضرب الطفل. الضرب بعود الأراك لا يوجع ولكنه مثل حكم في مباراة كرة قدم رفع في وجه لاعب إرتكب مخالفة بطاقة صفراء فهي إنذار ولكنه إنذار شفويّ تصل رسالته إلى اللاعب ولكن لا يؤذيه ذلك ماديا ولكن يجعله حذرا. مثل ذلك بالضبط أفهم الضرب عندما يكون في محلّه ووفق الضوابط التي مرّت بنا آنفا

المؤطّر العاشر الأخير : التخويف والتهديد سلاح ناجع في محلّه

لست على إطّلاع كاف بالدراسات النفسية والإجتماعية الحديثة التي توحي بأنّ إحلال العنف والقسوة بحجمها المناسب في مكانها المناسب علاجا لا وقاية وآخر كيّ هي آلة من الآلات التي رغم طابعها الإستثنائيّ فإنها تكون ناجعة في حالات نادرة. ولكنّ المؤكد عندي أنّ الطبيب الذي يحقن مريضة بما هو مؤلم وقاس وشاقّ أو يحرمه طيّبات أحلّت له إنّما يلجأ إلى ذلك لمصلحة المريض نفسه تناسبا مع طبيعة مرضه. بعض الأمراض النفسية مثلا لا تعالج إلاّ بحجر الحرية جزئيا والإنسان ـ ذلك المجهول تركيبا نفسيا كما قال ألكسيس كاريل المتخصص في مجاله ـ رغم وحدة جسمه المعنويّ فإنّ الإختلاف الجزئيّ بين إنسان وآخر ليس غريبا. لا يعالج الطّفل المبالغ في الشراسة والعدوانية بمثل ما يعالج المطامن فيهما. المشكلة ليست هنا إنّما المشكلة في حسن تشخيص الداء إذ يظنّ أكثرنا أنّ الضرب هو الوسيلة الأولى أو المفضّلة أو التي تحسن بكلّ النساء أو الأطفال. معالجة المشكلات فنّ ومهارة وخبرة وعلم ومعرفة وتجربة وليست هواية. أن توجد زوجة توّاقة إلى النّشوز توقانا عجيبا وشوّاقة إلى تصديع الأسرة سيما عند وجود الطفل والولد وفي بيئات غير مناسبة ممكن الحدوث ولذلك جاء التشريع بالضرب حالة إستثنائية ومن طبيعة التشريع الناجح التنصيص على الحالات النادرة جدا. ولكن هذه الحالات نادرة حتى لو كنّا نعتقد أنها كثيرة هوى منا أو تنفيسا عن عجز في التربية والمعالجة. في العلاقات الدولية سيما في الحرب الباردة فإنّ السلم لا يكون إلاّ بما سمّاه القرآن الكريم الترهيب في سورة الأنفال المعقّبة على عدوان بدر الغادر. وهي القيمة نفسها التي حكمت العالم في فترة الحرب الباردة. ذلك يعني أنّ الترهيب بالقوة من دون إستخدامها تطويقا لجريمة النّشوز الذي يهدد الأسرة هو ترهيب فعّال وناجع ولا يتأخر العاقل في مزاولته بضوابطه وبقدره وفي مكانه ولكنها حالات نادرة إستثنائية لا يستشنعها العاقلون
الخلاصة

لو سأل سائل هذا السّؤال المباشر المتعجّل : ما هو حكم الضرب؟ السؤال لا يليق بالمثقف المتعلم الناظر المتفكر ولكن يليق بالعاميّ. الجواب هو : الضرب مباح بقيوده آنفة الذكر وضوابطه الفكرية والعملية. والمباح ـ كلّ مباح ـ يستخدم كلّما غلب على الظنّ أنه يحقق المصلحة ويعوّق كلّما غلب على الظنّ أنه يحقق المفسدة وفي ذلك تختلف التقديرات إجتهادا وكلّ ذلك محكوم بقوله عليه السلام ( ولن يضرب خياركم). ولذلك أبيح الطّلاق حاجة وضرورة ومعالجة من المعالجات مثلها مثل معالجة الضرب والوعظ والهجران والتحكيم. ليس الضرب واجبا ولا سنة ولا مكروها ولا محرما ولكنّ الميل منّي إلى السنة هنا أولى لأنها تبيّن القرآن الكريم وإلى الواقع مثل ذلك لأنه يخصّص بعض الوحي كما مرّ بنا بالتحفظات الواردة أعلاه. والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق