اراءاهم الاخباررأي رئيسي

هل يؤمّن الإسلام حقّ الرّدة؟

( قراءة في وثيقة الحديبية )

 

نحن في ذي القعدة الحرام 1441. وهو الشهّر الذي شهد صلح الحديبيّة (في العام السّادس للهجرة) الذي سجّله القرآن الكريم في سورة مدنية تمحّضت له بالكليّة. وهي سورة الفتح. وهي مناسبة لإعادة قراءة في هذا الحدث الكبير لعلّنا نفلح في توظيف قيمه في واقعنا. إذ لذلك فحسب ورد القصص لمن ينشد الإعتبار

بين الرّدة والحرابة : خلط شنيع عند أكثر المسلمين

أحكام الشّريعة ضربان : ضرب ذو بعد واحد ميسّر لكلّ أحد إلتقاط الحكم الشرعيّ منه وهو ضرب عادة ما يكون مقصورا على الحقل العقديّ والتعبّدي وبعض ما يتعلّق بالحقل الأسريّ. ومنه كذلك حقل الحياة اليومية من مآكل ومشارب حيث يتكثّف الحلال والحرام. وضرب مزدوج الأبعاد وليس هو ميسّر لكلّ من هبّ ودبّ. عدا من بعد رسوخ في العلم ومقارفة للفقه. إذ أنّ هذا الضّرب عادة ما يكون مشدودا من طرفين أو يكون محكوما بعلّة. وهو الحقل العامّ ماليّا وسياسيّا وتجاريّا ودستوريّا وحالات الطّوارئ والعلاقات العامّة مع مختلف أهل الأرض حربا وسلما وصلحا وغير ذلك. الإجتهاد الجماعيّ في هذا الحقل الأخير يؤمّن إصابة الحكمة. إذ أنّه لا مناص فيه من رأي أهل الذكر. سواء كانوا أطبّاء أو مهندسين أو سياسيين أو عسكريين أو غيرهم

منهاج الشّريعة في معالجة الحقل العامّ

مخّ العلم هو أن يفقه طالب العلم أنّ منهاج الشريعة في الحقل العامّ لا يقوم على التفصيل والتوقيف كما هو شأنها في الحقل الخاصّ. إنّما يقصر على ترسيخ كليات ومقاصد فحسب. ويفوّت لأهل العلم في إستنباط الحكم الأوفق بحسب ما يتسنّى لهم زمانا ومكانا وحالا وعرفا وقوّة وضعفا وقلة وكثرة وغير ذلك. ومن ذا نشأ الإجماع والقياس بمثل ما نشأت مصادر أخرى إستصلاحا وإستحسانا وإستعرافا وإستذراعا وإستصحابا وغير ذلك

حروب اليمامة والمغالطة الكبرى

أكثر المسلمين يعتقدون أنّ الرّدة صنف واحد وسلّة واحدة. لا . بل إنهم لا يعودون إلى القرآن الكريم نفسه لفقه المسألة. إنّما يعوّلون فيها على ما كتب فيها قديما. وهو دائر في أكثره على أنّ الصحابة عليهم الرضوان بقيادة أبي بكر إنّما شنّوا الحرب ضد مسلمي اليمامة في اليمن بسبب كفرهم بفريضة الزّكاة. هذا وهم ومغالطة. ذلك أنّ الأمر نفسه بين الصحابة إحتاج إلى لقاءات تشاورية بينهم. وأنّ بعضهم أحجم عن ذلك. ومنهم الفاروق عمر. ولو كان الأمر من الضّرب الأوّل أي معلوما من الدين بالضرورة لما إحتاج إلى مطارحة أصلا. حقيقة الأمر هو أنّ مسلمي اليمامة رفضوا مواصلة إعطاء الزكاة للدولة الإسلامية التي كان يقودها محمد عليه السلام وذلك بعد موته. إجتهادا منهم أنّه كان يأخذها منهم بإسم النّبوة وليس بإسم الإمامة السياسية. هم لم ينكروا الزكاة من حيث أنها فريضة دينية وركن من أركان الإسلام لا خلاف عليه. هم إقترفوا ما نسميه اليوم : العصيان المدنيّ في وجه الدولة الجديدة. وما أجمع الصحابة في نهاية مطارحاتهم على قتال أهل اليمامة بسبب ذلك سوى لأنهم فقهوا أنّ الزكاة حقّ الدولة فهي التي تجبيه ولو بالقوّة. كما تجبي الجزية عن يد من المواطنين المخالفين دينا في مقابل حمايتها لهم. هذه تسمى ردة سياسية جماعية تتعزّر بالقوة والعصبة ومآلها إضعاف الدولة والإفتئات على حقها في مال الزكاة الذي خصّص الله له هو بنفسه ديوانا في آية الصدقات في سورة التوبة سماه ديوان العاملين عليها. لو أنّ أهل اليمامة أو بعضهم رفضوا إخراج الزكاة للدولة وخرجوا من دائرتها الترابية لما كان لأحد عليهم من سلطان. الدولة إذن حاربتهم ليس لأنهم مرتدين عن الإسلام ـ وإلاّ لعددنا نحن اليوم جميعا كذلك إذ أنّنا لا نخرج الزكاة للدولة بغضّ النظر عن شرعيتها أو مشروعيتها ـ ولكن حاربتهم لأنهم نالوا من حقها الماليّ المشروع والمذكور في القرآن الكريم ( خذ من أموالهم صدقة) ونفذه عليه السلام بنفسه

الحرابة : حركة إفساد واسعة قويّة تنشر الخوف

الحرابة غير الرّدة. وردت في الحرابة آية محكمة في سورة المائدة. صورتها أن تعمد ثلة من الناس ـ من المواطنين ـ إلى العدوان على حقوق الناس بأيّ صورة من صور العدوان وخاصة القتل والتخويف والترويع وإغتصاب المال والعرض بغير حقّ. ولذلك سمّاه سبحانه حربا على الله وعلى رسوله وإفسادا في الأرض. ونزلت في هؤلاء المعتدين أقسى العقوبات التي لم ترد في الشريعة. إذ أنّ الدولة مسؤولة على توفير الأمن للناس في مقابل ضريبة منها الزكاة على المسلم ولكنها في الآن نفسه عبادة والجزية على غير المسلم. سوى أنّ الظروف الجديدة نسخت الجزية بالضريبة التي يخضع لها المواطن على أساس المواطنة. ولا حرج إذ بقي المقصد قائما ولا يحفل الإسلام بالصّور مطلقا. أمّا الرّدة فلم يرتب عليها الإسلام أيّ عقوبة في الدنيا ولكنّه أوعد أهلها بالعذاب الأليم في الآخرة. وتكرّر ذلك في القرآن مرّات. وليس في السنة ما ينسخ ذلك حتى لو تدثّر المتطفلون بحديثين صحيحين ليس لهم سواهما. الحديث الأوّل متفق عليه. ولئن كان سندا في أعلى درجات الصّحة فإن متنه ليس كما يهرف به أولئك. ( لا يحلّ دم إمرئ مسلم إلاّ بإحدى ثلاث : منها التارك لدينه المفارق للجماعة). هذا التعبير النبويّ مركّب. أي لا بدّ من إجتماع الجريمتين ( جريمة ترك الدين ومفارقة الأمة ) حتى يتحقّق المناط بالتعبير الأصوليّ. ومن جهة أخرى لا بدّ من حصول العلّة. وهي ما نسميه اليوم الخيانة الوطنية الموصوفة التي تكون ولاء لغير الأمة أي لعدوّها خاصّة ولغير عدوّها. وهو ولاء يضير الأمة ضيرا معنويا. وقد يفشي بعض أسرارها السيادية. وهو ما يعبّر عنه اليوم بالأمن القوميّ. بما يعني بفحوى الخطاب كما يقول الأصوليون أنّ التارك لدينه فحسب من دون تبديل الولاء أو إقتراف الخيانة وتهديد الأمن القوميّ لا ينطبق عليه هذا الحكم. سيما أنّ الأمر متعلق بأقدس شيء في الشريعة بعد التوحيد وهو حقّ الحياة الإنسانية. ذلك الأمر الذي لم يغلّظ في سواه بمثل ما غلّظ فيه. الحديث الثاني وهو كذلك صحيح وإن لم يتربع على عرش الصحة كما هو شأن الحديث الأوّل هو قوله عليه السلام ( من بدّل دينه فاقتلوه). حمل هذا على حالة الحرب من طائفة. وحمله آخرون على أنّه منسوخ من الحديث الأوّل. ولكن إتفق المحققون على أنّه لا يقتل بسبب تبديل دينه أن نتورّط في نسخ السنة الظنية للقرآن الكريم المحكم. ولكن بسبب المفاسد التي يجنيها على الأمة أي خيانة وولاء للعدوّ وغير ذلك من متعلقات السيادة

وثيقة الحديبية تؤّمن حقّ الرّدة

ورد في تلك الوثيقة أنه عليه السلام وقّع حرّا مختارا مريدا ـ بل بصفته النبوية والسياسية معا ـ أنّ من يرتدّ من المسلمين فليس له حقّ عضله عن ذاك. هل أنّ فعله ذاك ينقض حديثيه آنفي الذكر؟ وهل أنّ فعله ذاك ينسخ القرآن الكريم نفسه؟ أمّا نسخ القرآن الكريم المحكم المفصّل بالسنة الظنية مهما توثّق العلم بها فلا يقول به محقّق من أهل العلم. إلاّ شغبات لا تهدأ ولا يأبه لها أولئك. وأمّا نقض الفعل للحديث فهو وارد ذلك أنّ الفعل أقوى دلالة من الحديث سيما في حال التعارض. في هذه الحالة ليس هناك تعارض بين القول والفعل حتى نلجأ إلى ذلك. ولمن أراد ذلك فإنّ الفعل أقوى دلالة تشريعية من القول عند التعارض. ولكن لا تعارض هنا. ومن ذا تبيّن أنّ فعله هذا سيما لإشتهارة بين الناس ورسوخه في وثيقة سياسية مكتوبة هو الأقوى. الحكمة من ذلك هو أنّ الإسلام ليس سجنا. ولم يعرف في تاريخه كلّه حركة ردّة عنه. إنما عرف دوما حركة ردّة نشيطة واسعة إليه. من يقرأ القرآن الكريم يلمس بنفسه أن الرّدة فيه حركة نفاقية تحركها أيدي إسرائيلية لتصدير صورة سيئة عن الإسلام أنه دين الإكراه أو أنه دين يغري الناس قبل الدخول فيه فإذا دخلوا عرفوا حقيقته المرّة. أو غير ذلك مما يضعف جانبه وجانب أمته. كما يفعل المنافقون اليوم سواء بسواء. الإسلام عندما يكره من يدخل فيه على البقاء فيه فإنه يكره الناس على النفاق الذي هو أسوأ من كل ضروب الكفر. كيف وهو ما قام إلاّ على قيمة الحرية والإرادة المختارة؟

الرّسول نفسه يقرّ مرتدا على ردته

أخرج البخاري عن جابر أنّ إعرابيا بايعه عليه السلام ثم أصابه وعك بالمدينة فطلب منه أن يقيله بيعته ـ أي يلغيها ـ فلم يجبه إلى ذلك عليه السلام. وظلّ الأعرابيّ ينشده ذلك أيّاما وهو يعرض عنه. وبعد ذلك أجابه إلى ما يريد وأقاله بيعته. وخرج الأعرابيّ من المدينة مرتدا. فقال عليه السلام : المدينة كالكير تنفي خبثها وتنضح طيبها

الخلاصة

الإسلام دين قوامه الحرية التامة والإرادة المختارة بلا أيّ إكراه ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). الرّدة من بعد تبيّن الهدى جريمة كبرى توعّد عليها الله أصحابها بالعذاب الأليم في الآخرة. ولكنه لم يرتّب عليهم عقوبة في الدنيا إذ ( لا إكراه في الدين). ولو كان الإسلام يقوم على عشر معشار حبّة خردل من إكراه لقتل عليه السلام المنافقين. سيما رأسهم الذي تجاوز كلّ الحدود. إذ وجّه الضربة الأشدّ إيلاما للبيت النبويّ برمي الأمّ عائشة بالفاحشة. فضلا عن مكائدهم المعروفة وأنّ بعضهم معروف بالإسم. وحتى بعد أن مات عليه السلام وأسرّ بأسمائهم إلى حذيفة فإنه لم يقم أحد من خلفائه من بعده بقتلهم. الحديث عن الرّدة الفردية السلمية التي ليس خلفها إساءة إلى الإسلام أو أمته أو مقدساته. ومن باب أولى وأحرى ليس خلفها خيانة أو ولاء للعدوّ أو إضرار بالسيادة. أمّا الحرابة فحكمها معروف ليس بسبب أنّها ردّة. إذ أنّ المحارب يقتل حتى لو كان مشهودا له بالورع والتقوى. ولذلك ميّز الفقه بين القتل حدّا والقتل كفرا. أهل اليمامة لم يقاتلوا كفرا بل حدّا. الردة مشكلة مسيحية وغربية. وليست مشكلة إسلامية في التاريخ كلّه. وما عرف الإسلام الردة إلاّ إليه وما زال. رغم أنّ الحرب مسلطة عليه. سلاح الإسلام ليس هو الإكراه والقتل. إنما هو جهازه المناعيّ الداخليّ وما يغري به الأفئدة ويجلب به العقول. القول بأنّ الردة مشكلة إسلامية لهو الوجه الآخر القبيح للقول أنّ الإسلام إنتشر بالسيف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق