اراءاهم الاخبار

هل تجوز الدّعوة إلى دين غير الإسلام في بلاد إسلامية؟

 

طرحت هذه القضية مرّات في العقود الأخيرة وربّما كان آخرها عندما شوهدت بعض الرّاهبات ـ في معرض تونس للكتاب قبل أسابيع قليلة ـ وهنّ يوزّعن مطويّات على زوّار المعرض تدعوهم إلى النّصرانية. القضية جديدة وحديثة إذ لم يكن لها وجود قبل مائة عام. أي عندما كانت الخلافة العثمانية تحكم العالم الإسلاميّ في جزء كبير منه ولا قبل ذلك بطبيعة الحال. ولكنّ قضية أخرى مشابهة لها طرحت كذلك ـ بل مازالت مطروحة ـ وهي الدّعوة إلى مذهب من المذاهب الإسلامية المعروفة ـ الشّيعة مثلا ـ في بلاد يتعبّد أكثر أهلها على غير ذلك المذهب. وأجمعت أو تكاد كلمة كبار العلماء حينها أنّ ذلك لا يجوز. ليس عيبا في المذهب المراد بثّه مادام مذهبا يتعبّد به ملايين مملينة من المسلمين. ولكنّ لأنّ ذلك يحمل معه أضرار الفرقة والخلاف المدمّر. ومعلوم أنّ حرب الإسلام ضدّ الإنقسام بلا هوادة. وليس ذلك أولوية سيما أنّ المسلمين يئنّون تحت نير مطارق حامية من المذاهب الغربية الكافرة. وكان يمكن توجيه تلك الجهود والأموال إلى صدّ تلك المذاهب الغربية وبناتها وليس صرف جزء من المسلمين عن مذهبهم الفقهيّ الذي ترعرعوا عليه. والرّأي عندي ـ وليس قياسا فحسب رغم أهمّية القياس هنا لإشتراك نسبيّ جزئيّ في علّة التقسيم والتمزيق والتفريق ـ هو أنّ السّماح بدعوة النّاس في بلاد إسلامية ـ ولو في جزء كبير منها فحسب عملا بقاعدة الأغلبية ـ إلى غير دينهم الأصليّ ـ سيما إذا كان هذا الدّين هو الدّين الحقّ أي الإسلام ـ أمر لا يجوز شرعا. ولا يقبل واقعا. ولعلّ بعض المستندات الآتية تزيد من توضيح الصّورة وتجلية بعض مناطق الظّل فيها سيما القول بإنّ ذلك يصطدم مع أصل في الإسلام عتـــــيد ـ وهو كذلك قطعا ـ وهو أصل (لا إكراه في الدّين) والذي زكّي بقوله سبحانه كذلك في سورة الكهف المكية (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وقوله كذلك سبحانه (لمن شاء منكم أن يستقيم) وغير ذلك ممّا هو معدود أصلا من أصول الإسلام العظمى. أي حرية الإعتقاد والتديّن دون أيّ لون من ألوان الإكراه. ولكن القضية هنا على تخوم مباحث الردّة التي تنوّعت فيها الإجتهادات المعاصرة والقديمة كذلك. ولكن لم يستقرّ فيها القول الباتّ إلى يوم النّاس هذا قولا واحدا فصلا. ولعلّ هذا المقال الذي لا يراد له الإندياح والإنسياب لا يقترب من تلك التّخوم خشية الإسهاب

من أبرز مؤسّسات عدم إباحة تلك الدّعوة

حالة الإنخرام الدولية علاقة بين المسلمين وغيرهم

معلوم أنّ الإسلام يواجه حروبا شاملة جامعة تلتقي عليه وعلى أمّته منها السّاخن الحامي. ومنها الصّامت. وبتنوّع عجيب. كما أنّه معلوم أنّ القوى المعادية والمتدثّرة في أحيان كثيرة بمنظّمات دولية كبرى ـ منظّمة الأمم المتّحدة نفسها في حربها ضدّ المنوال الإسلاميّ للأسرة ـ وبدول غنية عظمى كذلك ترعى تنظيمات نصرانية وثقافات غربية رعاية شبه تامّة. وتضخّ عليها ما يكفي من الأموال لإخترق النّسيج الإسلاميّ. ومن ذلك الحركة التّنصيرية الأكبر في الأرض والتي لها آلاف الجنود والمراكز في إفريقيا. وهي ثمرة أوّل مؤتمر تنصيريّ في التّاريخ وهو مؤتمر كولورادو في أمريكا عام 1978. تلك حقيقة معلومة عند المهتمّين وليس تفسيرا تآمريا أو وهما من الأوهام. كما أنّه معلوم أنّ القوى الدّولية الكبرى وهي التي تمسك بزمام المصارف الدولية المالية وبغيرها من المنظّمات الدولية في شؤون كثيرة تعمد في بعض الأحيان إلى مقايضة مساعداتها المالية وقروضها الرّبوية الباهظة المسنودة إلى البلاد الإسلامية بمقايضات دينية مباشرة. أو بمقايضات ثقافية وفكرية وقيمية غير مباشرة لأجل تغيير موازين القوى القيمية في تلك البلدان لصالح الفكرة الغربية بصفة عامّة أو لصالح النّصرانية دينا بصفة خاصّة. كما أنّه معلوم أنّ تلك الدّول العربية والإسلامية ـ إلاّ عددا قليلا منها ـ لا يبخل عن تلك المقايضات المجحفة بما تريد في مقابل إسنادات مالية وسياسية تؤبّد الحاكم في كرسيّ الحكم. من ذلك أنّ بعض النّظم العربية (تونس ومصر مثلا) قبلت بخطة تجفيف منابع التديّن في مقابل إغداقات إستثمارية موعودة. خلاصة كلّ ذلك هو أنّ تمكين الدّعوة إلى أيّ دين عدا الإسلام في البلاد الإسلامية هو ضرب من ضروب التمكين لتلك المقايضات. ونوع من أنواع الإختراقات الغربية والنّصرانية غير المتكافئة مع الإسلام وأمّته. ومن ذا فإنّ تلك الدّعوة ليست بريئة على قاعدة (لا إكراه في الدين) وعلى قاعدة ضمان حرية المعتقد ولكنّها دعوة مسنودة بشكل مباشر من القوى الغربية الصليبية والصهيونية العاملة على تغيير قواعد الجغرافيا الدينية والقيمية في بلادنا الإسلامية. تلك دعوة تكره الضّعيف على قبول الدّين الآخر مقابل لقمة عيش أو شربة ماء أو مشروع إستثماريّ أو إعادة جدولة دين متخلّد بذمّتنا. ومن ذا فإنّ عدم جوازها لا علاقة له بحرية المعتقد البتّة ولكن له علاقة بصدّ المحتلّ الذي كان بالأمس عسكريا وأضحى اليوم سياسيا وسياديا وماليا وقيميا وغير ذلك

حالة الحرب ضدّ الصّحوة الإسلامية نفسها

وممّا يجعل تلك الدّعوة في حالة منع وتحريم أنّ أكثر بلادنا الإسلامية محكومة بوكلاء للغرب المعادي من الذين ينفذّون طلباته. وخاصّة فيما يتعلّق بحظر الحركة الإسلامية والتضييق على الصّحوة الإسلامية المعاصرة. سيما أنّها تتقدّم حتّى في الدّيار الغربية نفسها. وأنّها تبوّأت في بعض تلك البلاد الإسلامية مباوئ متقدّمة. ومن هنا فإنّ السّماح لأيّ دعوة غير إسلامية في بلادنا هو مفض إلى مزيد من التضييق على الحركة الإسلامية وصحوتها. سيما أنّ الدّولة الإسلامية في الأعمّ الأغلب تعمل على نشر الفاحشة وبثّ الرّذيلة والتمكين للفكرة العلمانية في وسائل التّأثير والتربية والتّعليم. وبذا أصبح العمق الإسلاميّ نفسه مهدّدا سيما مع إندياح ثورة التّواصل وتغوّل الدّولة العربية وإستئسادها ملكية للثّروة والقوّة وصناعة الرّأي العامّ. وثمرة السّماح لأيّ دعوة غير إسلامية في بلادنا هي تعاون تلك الدّعوة مع الدّولة العربية على تهميش الإسلام وإعلاء غيره. خاصّة أنّ الحركة التنصيرية الدولية تعتمد العطايا المالية للمدعوّين وتستغلّ فقرهم وجهلهم. وتعدهم بما يعدهم به الشّيطان نفسه. وبالنّتيجة فإنّ منع تلك الدّعوات هو تحصين لجدرنا الداخلية ومنعة لحصوننا القيمة في ظلّ دولة عربية لا تأبه بالإسلام وقيمه بل تحاربه سرّا وجهرا

تجنّب الفرقة والصّدامات المدمّرة

هذا سبب آخر لا بدّ من إعتباره في تحريم إجازة الدّعوة إلى أيّ دين غير الإسلام في بلادنا الإسلامية. وقوامه أنّ بلادنا الإسلامية شهدت قدرا مهمّا معتبرا من حالات التفرّق والتمزّق والتفتّت في العقود الأخيرة. وخاصّة بسبب دخول الفكرة العلمانية وقبول الدّولة بها وهو ـ في الحقيقة ـ السبب الأوّليّ الرّئيس في نشوء الصّحوة الإسلامية ثمّ الحركة الإسلامية المعاصرة دفاعا منها ـ بقانون فيزيائيّ معروف ـ أنّ كلّ جسم غريب لا مناص من مقاومته. ونشأت عن تلك المواجهات في بعض البلاد العربية أو الإسلامية تفرّقات في النّسيج الإجتماعيّ طالت بعض أبعاد العمق الشّعبيّ نفسه بما عرّض سيادة البلاد إلى النيل من العدوّ الخارجيّ. ومعلوم أن حرب الإسلام ضدّ تفرّق الصّف الإسلاميّ حرب شديدة بلا هوادة. حتّى عدّ القرآن الكريم في سورة آل عمران المدنية التفرّق كفرا وهو إجماع من الأمة جمعاء قاطبة في قوله سبحانه في تلك السّورة نفسها (يا أيّها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردّوكم كافرين). وأجمعت كلمة الأمّة غابرا وحاضرا أنّ الكفر هنا هو تفرّق الكلمة وتمزّق الوحدة وتصدّع الصّف. فإذا كانت التجربة العلمانية في البلاد العربية لم تزد أمّتنا إلاّ تفرّقا وتمزّقا بسبب إنشداد عمقنا الشعبيّ إلى موروثه الدّينيّ فإنّ الدّعوة إلى النّصرانية لن يكون له عدا المآل ذاته. أي مزيدا من تصدّع الصّف. ومن وراء تصدّع الصّف مواجهات دينية بين مسلمين ومتنصرين. والثمرة المرّة هي قابلية السّيادة الوطنية للهشاشة والهون. وعندها تكون البلاد بأسرها لقمة سائغة في بطون القوى الصليبية الصهيونية الغربية المتربّصة. ناهيك أنّ موسى عليه السّلام أوصى أخاه هارون عندما ذهب لملاقاة ربّه سبحانه في جبل الطّور بألاّ يفرّق أمر بني إسرائيل. وهو نفسه تركهم قبل ذلك بين مؤمن موحّد وآخر يحنّ إلى عبادة الصنم في قول بعضهم (قالوا يا موسى إجعل لنا إلها كما لهم آلهة). ولمّا ثارت عبادة العجل بمبادرة السّامريّ أمسك هارون عليه السّلام أن يفرّق شملهم بين مؤمن وكافر بناء على توصية أخيه موسى عليه السّلام. فلمّا أخبر موسى عليه السّلام أنّ قومه إتخذوا العجل معبودا وجاء مسرعا إليهم عاتب أخاه بشدّة وأخذ يجرّه إليه من رأسه ولحيته أنّه لم ينههم عن ذلك. فما كان من هارون إلاّ أن ذكّره أنّه هو نفسه من أوصاه برعاية صفّهم الواحد. كلّ ذلك دليل من القرآن الكريم نفسه على أنّ رعاية الصفّ الواحد حتّى وهو متنوّع بمثل هذا الشّكل أولى من تمزيق النّاس. ولكنّ ذلك لا يعني عدم الدّعوة إلى الحقّ بالتي هي أحسن. إذ أنّ الدّعوة إلى الحقّ بالتي هي أحسن لا تمزّق صفا. بل توحّده. وإذا كانت تلك هي رؤية الإسلام لوحدة الصفّ مهما كان متنوّعا مختلفا فإنّ السّماح بأيّ دعوة إلى أيّ دين عدا الإسلام في بلادنا الإسلامية مفض بالضّرورة إلى تصدّعات جديدة في صفّنا وإلى تمزّقات جديدة وتفرّقات يهتبلها العدوّ أيّما إهتبال

كيف يدعى إلى الإسلام هنا ويمنع غيره هناك؟

هذه شبهة قوية شبيهة بشبهة أخرى قوامها : كيف يباح لنا نكاح الكتابية ولا يباح للكتابيّ نكاح المسلمة؟ تلك قسمة ضيزى. ولم تكن مقاربات أكثر العلماء في هذا الأمر مقنعة لي. إذ تحوم كلّها ـ أو أكثرها ـ حول علوية الإسلام فحسب. إنّما القول الأحكم فيها والأدنى إلى الصّواب هو أنّه يدعى إلى الإسلام في البلاد الغربية ـ وبشيء كثير من التّضييق في الحقيقة وليس كما يصوّر بعضهم ـ ولا يدعى إلى غير الإسلام في البلاد الإسلامية بسبب أنّ المسلمين في البلاد الغربية أقلية مهما كثر عددهم. وليسوا هم أقلية عددية فحسب. إنّما هم أقلية نوعية وأقلية تقنية ومالية وغير ذلك. ومن ذلك فإنّ الدّعوة إلى دينهم تكون بمثل حجم تلك الأقلية. أي في مساحات شعبية ضيّقة. ولا يسمح لهم بإقتحام المساحات الإعلامية الكبرى والمعروفة لفعل ذلك. بل إنّ مساجدهم نفسها تلقى من التّضييق الذي تلقى. وعادة ما يقضون عقودا طويلات حتّى يتفرّغون لمثل تلك الدّعوة. ومن ذا فإنّ دعوتهم إلى دينهم ـ فضلا على أنّ ذلك تضمنه بعض الدّساتير الغربية في حدود وبضوابط ـ هي حركة صغيرة ليس منظورا منها أن تغيّر الجغرافيا القيمية والفكرية السّائدة بسرعة. ومن ذا فإنّ المشرّع نفسه لا يرى في تلك الدّعوة سيما مع التّضييقات المعروفة خطرا على النّسيج الإجتماعيّ. وعندما يلحظ ذلك فإنّه يعدّل بعضا من سياساته دون ريب. الخلاصة من ذلك هي أنّه يدعى إلى الإسلام هنا لأنّ أهله أنفسهم في حالة ضعف مقارنة مع السّكان الأصليين. ومن ذا فإن التّأثير لن يكون خارج المنظور الإجتماعيّ. أمّا المقابلة بين ذلك وبين الدّعوة إلى أيّ دين آخر في بلادنا فهي مقارنة ساقطة. لأنّ الدّعوة هناك مسنودة من قوى دولية نافذة ودعوة المسلمين إلى دينهم في البلاد الغربية ليست مسنودة إلاّ من مسلمي تلك البلاد أنفسهم. وهم في حالة ضعف عدديّ وغير ذلك. ولو ترشّحت أيّ بلاد إسلامية لإسناد تلك الدّعوة لتغيّر الخطاب الغربيّ ولوضعت حواجز معروفة

الخلاصة

تحريم الدّعوة في بلادنا الإسلامية لأيّ دعوة غير إسلامية لا علاقة له بحرية الرّأي التي قدّسها الإسلام كلّ التّقديس. ومن يصوّر القضية على ذلك المنوال فهو إمّا جاهل أو متواطئ مع الدّعاة أنفسهم. إنّما لا تجوز تلك الدّعوة لأسباب حضارية وقعت الإشارة إلى بعضها آنفا. ولا يسري هذا الحكم على تنظيم موائد حوارية في القنوات الفضائية أو في غيرها بغرض إدارة نقاش علميّ هادئ عميق في هذا الشّأن مقارنة بين الإسلام وبين الدّين الذي يرشّح نفسه لمنافسة الإسلام على أهله الأصليين. ولكن هل يقع هذا؟ مطلقا لا يقع. ليس لأنّ فضائياتنا العربية أو دولنا لا ترغب في ذلك ولكن لأنّ أهل ذلك الدّين أنفسهم ـ سواء كانوا منّا أو من غيرنا ـ لا يجرؤون على ذلك. إذ هم أفرغ من فؤاد أمّ موسى كما تقول العرب. ولا تعبّؤ فيهم لذلك. إنّما هي مصالح مالية وغير ذلك. ولو نظّمت بعض تلك الحوارات المفتوحة على النّاس لإزدادوا تعلّقا بدينهم ورفضا للدّين الآخر. ومن هنا يتبيّن أنّ القضية لا علاقة لها بحرية المعتقد ولكنّ علاقتها الكبرى إنّما هي بفرض مقايضات مجحفة من لدن الغالب ضدّ المغلوب إستنفادا لزاده القيميّ. فإذا فرغ منه كان الإجهاز عليه أيسر من شرب الماء. ومن الخلاصات كذلك أنّه إذا تكافأت الفرص لدى كلّ تلك الدّعوات فلا مانع من ذلك مطلقا. إذا سمحت البلاد الغربية ـ سيما الأمريكية والأروبية ـ للمسلمين بعرض دينهم من أعلى منابرها الإعلامية والسياسية والتربوية وغيرها فلا مانع من فعل ذلك في البلاد الإسلامية. ولكن هذا لا يكون. أمّا والموازين منخرمة بالقوّة العسكرية والمالية لصالح القوى التي تحتمي ـ ولو نفاقا ـ بالنّصرانية فإنّ سبب عدم تكافؤ الفرص هو المانع الأكبر من الدّعوة في بلادنا إلى أيّ دين آخر وخاصّة النّصرانية. عندما تكون كلمة الفصل للحجة والبرهان والسلطان والبيّنة فلا مانع من ذلك مطلقا. ولكنّ الكلمة اليوم هي للقويّ الغالب وليس للبرهان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى