اراءرأي رئيسي

هذه هويتنا وهذه أهدافنا وهذه وسائلنا

للشيخ الهادي بريك
المانيا

صرح وزير داخلية ولاية شمال نهر الراين بألمانيا في إثر سؤال من ممثل الحزب الألماني العنصري المتطرف ( البديل من أجل ألمانيا ) يوم 22مارس الجاري بحسب ما نقلت فضائية (في دي إر) بأن المسجد الذي تحضنه جمعية خالد إبن الوليد الثقافية في مدينة بوخوم قريب من جماعة الإخوان المسلمين بل يتعاون معها وأنه لذلك محل مراقبة من هيئة حماية الدستور ونهتبل هذه المناسبة للتذكير بهوية الوجود المسلم في ألمانيا وأهدافه ووسائله ومرجعياته لعلّ هذا السياسي البارز المنتمي إلى الحزب الحاكم تقليديا لألمانيا بدون منازع تقريبا (الإتحاد المسيحي الديمقراطي ) يتواضع ليسمع عنّا منّا وليس من بعض من يتستر خلف هذا اللقب الذي لا يردّ يد لامس ( خبير في الإسلام )ولا يغيب عن مثقف مثله من النخبة الحاكمة أن من أبجديات الديمقراطية ومفردات العقلانية والإنصاف ألاّ تحاكم الناس بما يشاع عنهم بل بما يقترفوه هم ألسنة وأقلاما وأفعالا

هويتنا

أوّلا : الوجود المسلم في ألمانيا ـ وفي أروبا بأسرها ـ هو وجود أروبي سواء بالتاريخ الذي ساهم في صنع أروبا المتحضرة ويكفي أن يعود الجادّ ـ دعك من العابث ـ إلى سفر فريد من تأليف مستشرقة ألمانية كبيرة يتحاشى الساسة الألمان والإعلاميون ذكر إسمها ( سغريد هونكه في سفرها العظيم : شمس العرب تسطع على الغرب ) . وهو وجود أروبي ساهم حديثا في إعادة بناء ألمانيا نفسها من بعد ما حولتها الأنانية الهتلرية إلى قاع صفصف بداية بالوجود التركي في إثر التحالف التركي المحوري في الحرب العالمية الأولى ومرورا بالنزوحات العربية الأخرى التي أثثت القيمة التعددية الألمانية بنكهة حقيقية باهجة. ولت أيام عدّت فيها تلك النزوحات جاليات طارئة ونحن اليوم نعيش مرحلة الجيل الخامس والسادس. العبرة هنا بالأوروبية وطنية وفاء وإنتماء وولاء لأرض شيدت عليها مؤسسات علمية أخرجت لفائف مقرونة من الإطارات الأروبية مختلفة الدين واللون. أما الدين هنا فهو فضاء خاص لا يعكر المزاج العلماني العام ولا يطمح إلى ذلك أو إلى أسلمة المجتمع بله الدولة إذ الإسلام إختيار فردي شخصي لو فرض أضحى نفاقا

ثانيا : الوجود المسلم في ألمانيا وأروبا وجود يعترف بالدستور ويحتكم إليه ويتشرب قيمه التحررية والديمقراطية والتعددية والحقوقية حيال الإنسان والمرأة والطفل والمسنّ وصاحب العاهة ولا يرى في ذلك لجاجة إذ أن أكثر تلك القيم ـ بل كلها في بعض الحالات الدستورية ـ هي ثوابت إسلامية ناهيك أن العلامة المقاصدي الكبير إبن عاشور هو أوّل من إمتلأ شجاعة ليوثق في كتبه أن الحرية مقصد إسلامي أصيل والمقصد يحكم على وسائله كما يحكم المبدأ على فروعه. هذا الوجود لا يطمح إلى بناء مجتمع مواز لأنه مدفوع بسبب دينه إلى قيمة المشاركة الإيجابية نبذا للإعتزال والسلبية من جهة ونبذا لأمزجة الغضب الفائر التي تثمر في الأغلب الأعم إكراها وعنفا وإرهابا من جهة أخرى

ثالثا : الإسلام في أصله واحد ولكنه لفرط إنبنائه على أساسي الرسوخ والمرونة معا فإنه لا يمانع فكرا من إنشاء تيارات ومدارس ومذاهب إمعانا منه في رفع ألوية التعدد والتنوع تحريرا للإنسان من بؤس التقليد وبأثر من ذلك نشأت في التاريخ إجتهادات تظل تقترب من الإسلام الأصلي أو تبتعد ولكن الأمة في تاريخها الطويل ظلت ملازمة للمربع الوسطي المعتدل المتوازن فكرا وإصلاحا معا مع وجود النتوءات التي لا تخلو منها حضارة ولا تندّ عنها تجربة. الوجود المسلم الأوربي توخى منذ البداية ـ وليس تصحيحا أو مراجعة ـ ذلك المربع الوسطي المعتدل سيما أن نواته المؤسسة الأولى تركية المنزع أي حنفية المذهب وسنية الإتجاه ثم جاءت النزوحات بمن كان أوعى فكرا وثقافة بذلك ممن إستغنت عنهم أوطانهم الأصلية فشيدوا المؤسسات التربوية والتعبدية والفنية على ذلك الأساس المعتدل المتوازن وربما لولا التطرفات اليمينية من جهة والإسفافات العربية الموغلة في العبث بكرامة الإنسان من جهة أخرى لما شهدنا في أوروبا حادثة إرهابية واحدة يكون مثيرها من سلالة مسلمة ولكن قضى الله سبحانه أن قانون التدافع بين الناس يصلح الأرض

رابعا : تتعالى الأصوات المطالبة للإسلام والمسلمين بالمراجعات على غرار ما شهدته المسيحية على أيدي ( لوثر كنغ ) وغيره. الوجود المسلم الأروبي لم يكف عن المراجعات. كيف وهو يجد أن الدين يتجدد كما عبر عن ذلك الحديث الصحيح أو كما إقترفه الصحابة والمصلحون أنفسهم في الغابر. ولأجل ذلك تأسست لهذا الوجود ومنه أصلا مؤسسة علمية راسخة قدمت للمراجعات الإسلامية أطروحات غنية وخصبة (المجلس الأروبي للإفتاء والبحوث ) وعولجت إشكاليات علمية وفقهية ودينية كثيرة بالمنهج الوسطي ويمكن الرجوع إليها في مدونات ذلك المجلس الذي قطع اليوم زهاء ربع قرن كامل وخاصة المجلة العلمية الموسمية التي تصدر عنه مرتين في السنة. تدار المراجعات على أساس ألاّ تكون إستجابة لإكراهات خارجية على غرار ما تدار السياسات الداخلية لأكثر البلدان العربية وعلى أساس أن تكون من أهلها وفي محالها وهذا أمر لا يحسن الإنبساط فيه هنا لأنه يطوح بنا بعيدا ولطابعه العلمي الخاص كذلك. ولكن هذا الوجود ماض في إجراء المراجعات التي تضمن صلاحية إستيعاب هذا الدين لتحديات الزمان والمكان والإنسان على أساس مقصده الأعظم :تحرير الإنسان. أما المراجعات المطلوبة ـ أو بعضها ـ فما أدت بالتجربة إلاّ إلى تحرير الإنسان من ذاته ليلتحق بالقطيع الحيواني وهو ما دفع العقلاء في ألمانيا إلى مراجعات في الإتجاه المعاكس ( المفكرة والإعلامية البارزة إيفي هرمان). ويمكن العودة إلى كتبها الداعية إلى أنسنة المرأة

أهدافنا

أوّلا : تطعيم الوجود الأروبي كله وبأسره بقيم التنوع والتعدد سواء كان وجودا مسلما بحاجة إلى إستعادة قيمة الإختلاف والإعتراف بالآخر بعد أن كاد الإنحطاط يطمرها أو كان وجودا مسيحيا أو يهوديا أو لا دينيا بحاجة إلى الإنفتاح على الحوار والتعاون. لم يولد أحد من الناس من بطن أمه ملقحا ضد عدم الإعتراف بالآخر والحوار معه ولكن القيم تكتسب تلاقحا وتبادلا بدءا من المحضن الأسري ومرورا بمنتجعات البيئات القريبة والبعيدة سيما أن الأرض كلها اليوم أضحت غرفة بلورية صغيرة حولها الأثير العابر للقارات إلى سفينة واحدة تمخر عباب الحياة فإما تنجو وينجو بها ركابها مجتمعين أو تغرق ويغرق بها ركابها مجتمعين كذلك

ثانيا : المساهمة في بناء أوربا وعمارتها بقيم الجمال والزينة والإحسان عسى أن ترتد سلائل الإختصام وتتجفف منابع العدوان إذ لا تقدم إلا بمفتاح الحرية ولا نهضة في العمران إلا بنبذ الإكراه ومن أسباب تلك المساهمة التعريف بالإسلام دينا سماويا تعريفا صحيحا يسيرا لا كما يقدمه الغلاة من المسلمين أو غيرهم من غير المسلمين. التعريف بالإسلام عمل يحتاجه الإنسان ليكون مخيرا حرا مريدا يفعل مع الأديان والحضارات والثقافات كما يفعل مع الفضائيات والإذاعات إذ يسمع ما يريد ويعرض عما يريد وليست الأحادية عدا سجنا قليل من يشعر بوطأته. هو تعريف لا إكراه وتترك الحرية كاملة لكل إنسان أن يحكم له أو عليه وتلك هي أم العلمانية لو أن العلمانيين غربا وشرقا يرتدون إلى أصلهم ولكن غلبت عليهم شقوة المركزية فجعلوا من العلمانية عجوزا شمطاء عوراء تحكم بهواها لا بعقلها

وسائلنا

أوّلا : من وسائلنا الكلمة بتجلياتها غير المحدودة من فنون وكتابات وترجمات وتجمعات وكل ما يقصر فعله عن الحوار السلمي الهادئ فهو كلمة وكل ما ندّ عن ذلك فهو إرهاب وعنف وإكراه إذ أن الإنسان يقاد من عقله ولذلك تنضوي تحت الكلمة الجمعيات والمنظمات والإنتماءات الحزبية بل تنضوي تحتها الزيجات المختلطة ومختلف سبل المشاركة والتعبير بالجسد والرمز وغير ذلك مما لا يحصى فمن ضاقت عليه الكلمة على سعتها غير المحدودة فهو الشقي الذي يئد نفسه بعد أن يئد من حوله

ثانيا : المطالبة بالإعتراف بالإسلام دينا لهذا الوجود الأروبي المسلم على غرار الإعتراف باليهودية. كيف لا وهما دينان سماويان لهما كتب ورسل وأتباع بالملايين؟ عندما ضاقت الأرض بما رحبت عن اليهود والنصارى قبل قرون طويلة بسبب الإضطهاد الروماني لم يجد أولئك ملجأ عدا بلاد الإسلام ولازالت معابدهم بالمئات شاهقة شاهدة في أرض الشام خاصة وجزءا من إفريقيا وآسيا وعولجت لأجل ذلك في الإبان حقوق غير المسلمين في البلاد الإسلامية وسجل التاريخ صفحات بيضاء ناصعة شهدت بها أقلام إستشراقية منصفة وعندما ضاقت الأرض نفسها بما رحبت عن بضعة ملايين من المسلمين ما كوفئوا بالشهامة نفسها ولا عولجوا بالكرامة ذاتها ولا بالمروءة إلا قليلا وكان حقا على العقلاء اليوم ودارسي التاريخ أن يرفعوا أصواتهم عالية لرد جميل تاريخي إذ تأخرت قيم العلمانية والديمقراطية الغربية إلا قليلا أن تتصدى له

ثالثا : ومن وسائلنا كذلك تقديم المرأة والشباب لخوض معركة العلم والتقدم والتحرر ونجح هذا الوجود المسلم الأوربي في أشواط من ذلك كبيرة وكثيرة عدا أن التعصب ضد خرقة قماش تختارها المرأة بحرية لتضعها فوق رأسها حال دون مساواة مطلوبة بين المرأة المختمرة وحتى غير المختمرة عندما تكون مسلمة وبين نظيرتها الغربية. شباب من الذكور والإناث يملأ ساحات المعاهد والكليات والجامعات ويتخرج بالمئات في رأس كل سنة مدرسية جديدة في صورة إطارات عليا ثم يظل معرضا لكل أنواع التصفية المهنية والعنصرية الدينية

كلمة أخيرة

تلك نبذات مقتضبات من هويتنا وأهدافنا ووسائلنا تورد تذكيرا فحسب لا نتسولها من أحد ولكن نضعها بين أيدي الساسة والإعلاميين والمفكرين والعقلاء لعلهم يفيئون إلينا يستمعون منا وليس من غيرنا عنّا ونحن أحياء نرزق مثلهم.مساجدنا ليست أوكار مخابرات أمنية مطلوب منها أن تتثبت في هوية كل من يريد عبادة ربه إذ أن تلك هي مسؤولية الدولة التي يسرّنا كثيرا أن نكون تحت رقابتها وحمايتها أن ينالنا ما نال زهاء خمسين عابد من أبرياء نيوزلندا قبل أسبوعين فحسب. ومن أراد الإنتماء لأي حزب أو حركة أو مذهب أو تيار بأي شكل من أشكال الإنتماء فإن المسؤولية على الدولة أن تضبط هذا بما يناسب دستورها ولا نقوم نحن بعملها ولكن نطلب من كل مصل يدخل المسجد أن ينزع عنه أرديته الفكرية والتنظيمية في المكان ذاته الذي ينزع فيه حذاءه حتى يكون مع إخوانه المصلين داخل المسجد لا ولاء له عدا لدينه في أسسه العامة التي لا خلاف عليها أو لوطنه ( ألمانيا مثلا ) ليكون المسجد مؤسسة مدنية ثقافية ألمانية يحكمها الدستور الألماني

الهادي بريك ـ المانيا

إمام مسجد بوخوم ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق