أخباراراءاهم الاخبار

نستثمر ذكرى مولده عليه السلام للتعريف به؟

هلّ علينا من جديد شهر ربيع الأوّل حاملا إلينا ذكرى مولد حبيب الإنسان محمد عليه السلام. وهي مناسبة ليزف بعضنا إلى بعض أطيب الكلام وأحر السلام. الأمم بأمجادها التليدة وماضيها الضارب في أعماق التاريخ وبذلك تحيى الأمم التي لها ذاكرة. وتموت الأمم عندما تفقد ذاكرتها كما يفعل بواحد منا ـ عافاكم الله جميعا ـ عندما يفقد ذاكرته إذ يرمى به في المشافي العقلية. وليس مثل الأمة الإسلامية وفرة على أكبر مساحة في التاريخ ظلت تنير للباحثين عن الحق والعلم والمعرفة دروبا في شتى التخصصات لقرون خصبات ومن ذا إمتلأ القرآن الكريم إلى حد الثلث بل أزيد منه بما سمّاه ( أحسن القصص ). ورسالته إلى الإنسان كله من ذا ـ إذ هو كتاب الإنسان في كل زمان وفي كل مكان ـ أن الماضي بغثه وسمينه مرآة عاكسة يحتاج إليها قاطن الحاضر بمثل ما يحتاج سائق العربة إلى مرآة خلفية عاكسة تؤمّن سيره. لا يعنيني من قريب ولا من بعيد جدل الأطفال فينا إذ يغفلون عمّا يراد بهم ولهم من قوى نافذة غربية وأخرى شرقية حريصة على وأدهم أحياء وهم يورون معارك طاحنة حول مشروعية الإحتفال بمولد محمد عليه السلام أو بدعيته. الإنخراط في هذا إنخراط في حبائل الشيطان الذي يستثمر الغيبوبة الحضارية لأولئك الأطفال فيرديهم صرعى على قارعات العمل. لا خير لا فيمن يشغل نفسه بإثبات مشروعية يكفيه فيها أنه ليس على النافي دليل كما سطّر الأصوليون وأن الأمر المسكوت عنه لنا فيه عفو وسعة. ولا خير فيمن يحشد أجناده لخوض المعركة الخطإ في الزمن الخطإ ممن باع عقله بحشف وسوء كيلة كما تقول العرب ليفكر له الموتى أو الأحياء ثم يطعمونه كما يطعم الرضيع. الخير هو في الإعراض عن مثل ذلك والإشتغال بما تعمّ به البلوى اليوم كما يقال قديما أي بما يطحن الناس طحنا في أغذيتهم الروحية والمادية

مسلمو أروبا والتحدي الأكبر

أن تكون مسلما أروبيا معاصرا يعني أن تميز في دينك بين ما هو أسّ عقدي أو عبادة معلومة وما هو محرم قطعا مقطوعا معروفا ومشهورا من ناحية وبين ما هو مؤهل للإجتهاد والتجديد والتغيير والتبديل والإبتداع والإجتراح من ناحية أخرى. ذلك يعني أن تعي مكانك وزمانك وحجمك ومن على يمينك ومن على شمالك ومن يكنّ له العداوة والبغضاء ومن يسلك معك مسالك الثعلب ومن هو لك ومنك. ذلك يعني بالضرورة أن تعي ما هي واجباتك التكافلية لا الفردية إذ هي معلومة وأن تتعاون مع الناس لإعادة فرزها وترتيب أولوياتها. ذلك يعني أن تنخرط في المعركة الحامية والغزوة العظمى التي تشنّ عليك أنت اليوم. خلاصة كل ذلك أن المعاصرة اليوم هي تحصين صفك الواحد والمتنوع بالضرورة لأجل التعريف بالإسلام في أوربا تعريفا فكريا مجردا عن التاريخ سواء أحسن أم أخفق ومجردا عن إنتماءاتك الفرعية ـ حتى لو كانت مطلوبة ومشروعة ـ. تلك هي المعركة الطاحنة والجولة الحامية في عنوانها الأعظم. وأظن أن هناك محطات هي الأولى بإحتضان دورات مكثفة لذلك التعريف ومنها محطة مولد محمد عليه السلام إذ هو في عيون الغربيين ـ جهلا منهم في الأعمّ الأغلب ومن جهل شيئا عاداه ـ رمز للإكراه على الإسلام وهو عدو الإنسان بالضرورة فلا يؤمن بحقوق الإنسان ولا بحقوق المرأة ولا بحقوق الطفل ولا بحقوق المسنّ ولا يوجد في دينه المزعوم مفردات التحضر والتمدن والسلم والأمن والحريات . هو في عيونهم رجل بدوي يجوب الأرض شرقا وغربا وعلى عاتقه سيف بتّار يهوي به على رأس من لا يؤمن به. هو رجل شهواني لذلك تزوج أزيد من عشرة نساء. هو رجل لا يصلح لعصرنا هذا بكل المقاييس. غرس فيهم ذلك الجهل المطبق منذ عقود وقرون وساهمت الحركة الإستشراقية في ذلك مساهمات معتبرة ولا تزال وقامت اليوم فيهم فضائيات ومنابر إعلامية إحتلّ أكثرها إما الجاهلون بالإسلام ونبيه أو الحاقدون عليه وهي تسوق المجتمع الغربي بأسره والأروبي منه بصفة خاصة إلى التعجيل بصدام شرقي غربي على أساس ديني. وفي هذه اللجج السوداء كثيرا ما تختنق كلمات العقل حتى لو كان أصحابها غربيون. تلك هي صورة محمد عليه السلام في العين الأروبية وذلك هو مصدرها. سؤال العصر هو : كيف نعرّف برسول الإنسانية ونبي البشرية بمثل ما كان هو فعلا وحقّا وليس هوى من الجهلى منّا ومنهم على حد سواء؟ التعريف بمحمد عليه السلام هي صدقة المسلمين على البشرية جمعاء قاطبة بل هي أغلى هدية على الإطلاق وليس هو واجب فحسب

أربع منّا اليوم يقدمون محمدا عليه السلام تقديما سفيها خاطئا

أوّل الصور الخاطئة

ستشبعكم بعض الفضائيات في هذا الشهر ( ربيع الأوّل ) ككل عام بصورة عن محمد عليه السلام خلاصتها أنه بطل في رياضة كمال الأجسام إذ يعكف هذا ( الشيخ ) على حلقات طويلة على وصف عيون محمد عليه السلام وشعر محمد عليه السلام وأيدي محمد عليه السلام وقدّ محمد عليه السلام وبطن قدم محمد عليه السلام بل حتى قوته الجنسية عليه السلام بما يجعل المشاهد الغرّ ـ الذي لم تسبق له معرفة صحيحة من القرآن الكريم نفسه ومن السنة والسيرة وكلام الأصحاب عليهم الرضوان ـ يخرج بخلاصة عنوانها أنه فعلا هو بطل من أبطال رياضة كمال الأجسام وأن تميّزه بين البشرية ليس في عقله وخلقه كما جاء في القرآن والسنة وإنما تميّزه هو في بدنه. ذاك دجل فارغ أزهم إليه الشيطان أزا لمّا إطمأن أنهم فارغون عاطلون بطالون

ثاني الصور الخاطئة

وبالتوازي مع ذلك ستشاهدون أو تقرؤون فريقا من هؤلاء يقدم محمدا عليه السلام أنه يحمل سيفا بتارا على عاتقه يهدد به كل من لا يؤمن به بالقتل بل يذبحه شر ذبحة كما تفعل اليوم قطعان ( داعش ) الهمجية وأنه يكره الناس على الإسلام وأن دينه للذكور أما للإناث الحجر وليس سوى الحجر إذ هن لا وظيفة لهن في الحياة عدا نشر الرذيلة والفاحشة وإغواء الفحول تماما بمثل ما تلقينا ثقافة دينية شوهاء عوجاء بتراء ونحن أطفال في فجر العمر أن الإسلام بنبيه محمد عليه السلام ما جاء سوى لقتل اليهود والنصارى لأنهم كفار وفجرة. أجل هكذا بالجملة ومازالت تلك الثقافة التعيسة البأساء تعمر رؤوسا كثيرة بل هي الأكثر بل مازالت لها في بطون الكتب حقول أخصب من حقول الربيع الدافيء إذ يفيض على الأرض ينابيع من الكلإ وأنهارا من الخضرة

ثالث الصور الخاطئة

وفريق ثالث يجتهد لتقديم صورة عن محمد عليه السلام أنه رجل دين مؤمن تقي يخشى ربه ويخاف يوم القيامة يتهجد كثيرا ويصوم كثيرا ويلزم بيته ويصلح نفسه وأهله ولا علاقة له بالناس وهداية الناس وإصلاح الأوضاع وولوج عالم السياسة والمال والوعي بالتوازنات وإجراء المصالحات والتوافقات وشن الحروب الدفاعية مقاومة عن حرية الناس في التدين والإعتقاد. هو بإختصار شديد رجل آخرة يعيش معنا ولا علاقة له بدنيانا فلا تعنيه العلاقات الدولية والفنون الدستورية والظواهر الإجتماعية والشاهد الدولي وما يقوله وما يجحده ولا علاقة له بالفنون والمهارات والعلوم والمعارف

رابع الصور الخاطئة

وفريق رابع منسوب إلى الحقل الديني بل إلى حقل الدعوة والإفتاء والتوجيه يقدم محمدا عليه السلام أنه مخلوق خارق للعادة بل قريبا من عيسى عليه السلام خرقا في الولادة إذ يؤلفون في ذلك ويقرؤون أحجيات كاذبة وقصائد عصماء عنوانها أن محمدا عليه السلام يتمتع بقدرات غيبية خارقة للعادة فهو مقدس منذ الولادة وقبل الولادة فهذه حمامة مسحت بجناحيها على بطن آمنة بنت وهب ليولد محمد عليه السلام وهذه تضاريس الأرض ونواميس الطبيعة تغيرت في ذلك اليوم ليبرغ قمر وتنضب بحيرة. أولئك هم أصحاب الأثر الذي قرأناه في السيرة أنه بنوا جسرا وطيدا بين موت إبنه إبراهيم عليه السلام وبين كسوف الشمس في ذلك اليوم. وخرافات أخرى منسوجة عنوانها أن محمدا عليه السلام لا يمكن إتباعه ولا الإتساء به لأنه شبيه بالملك وليس له شبه بنا نحن البشر إلا قليلا

مصادر العلم بمحمد عليه السلام

من يحترم نفسه ويحترم دينه لا يقدم بين يدي الله ورسوله في هذا الأمر ولا يؤجر عقله لكل من هب ودب من الموتى والأحياء إنما يقرأ القرآن الكريم أوّلا ليتعرف إلى محمد عليه السلام كما عرف به ربه وهو الأعلم به بشرية وإنسانية وفطرة وخلقا ودينا. لم يقتصد القرآن الكريم وهو يحدثنا عن محمد عليه السلام ولكنه لم يتجاوز في ذلك خلقه العظيم في مختلف المعالجات في الحياة دينا ودنيا معا. أأنتم أعلم به أم ربه؟ فليصمت من لا يقرأ القرآن وليصمت مرتين من يزعم أنه يقرأ القرآن وهو لاه غافل غير متدبر. ومن أراد الإستزادة معرفة صحيحة بمحمد عليه السلام فما عليه إلا دراسة حديثه وهو بالآلاف. أجل. دراسة وليس إطلاعا. ومن أراد أكثر إستزادة فعليه بسيرته وشمائله وما قاله الناس عنه بل حتى ما قاله كثير من الغربيين عنه. تلك هي المصادر التي لا تكذب وما عداها إبتداعات وزيادات مشطات نسجتها عقول مأفونة مرذولة

أفكار في التعريف بمحمد عليه السلام

في المساجد والبيوت

الإحتفال بهذه الذكرى بأي طريقة تجعل الناس يستمعون صوتا وصورة إن أمكن ممن يحدثهم عن خلقه عليه السلام من القرآن والسنة والسيرة وهي مادة تحتاج إلى شهور طويلات بل إلى سنوات وتنظيم أسئلة ومباريات مناسبة للأطفال والشباب بألسنتهم ولغاتهم وتشجيع الفائزين منهم

في الشوارع والأندية

تنظيم طاولات تعريف به عليه السلام وموائد تضم مطويات بلغة أهل البلد تعرف به عليه السلام مع التركيز على خلقه وشمائله ومعالجاته الحكيمة في كل الحقول والشؤون وليس كما يفعل من جندتهم الأيدي الخفية إظهارا لقوته الجنسية تبريرا لزواجه بأكثر من أربع أو تركيزا على بعده الجسمي والبدني فليس هو عارض أزياء ولا هو بطل في أي فن من فنون الملاكمة

في الأحياء جيرة وزمالة وصحبة سبيل

إهداء الجيران من غير المسلمين هدايا رمزية بهذه المناسبة ومنها مطوية صغيرة بلسانهم تعرف بمحمد عليه السلام في خلق واحد أو خلقين على الأكثر وعندما يتكرر هذا الصنيع ـ بل هذه السنة الحسنة ـ فإن مناخا جديدا يتألف مع غير المسلمين ويظلون يرقبون المناسبة وهديتها ومثل ذلك في محال العمل مع الزملاء ومن أسماهم الله سبحانه ( الصاحب بالجنب ) أي زملاء الطريق

مشروع مسلمي أوربا الأعظم : معلم ثقافي خاص بالتعريف بمحمد عليه السلام

ذاك حلمي لو يتحقق وأظنه حلم كل مسلم يعيش عصره وليس عصر غيره ممن مات وقضى وكل مؤمن يعيش دينه وليس دين غيره ويحيى في أرضه وليس في أرض غيره ويعي قضيته هو وليس قضية غيره. زماننا هو زمان الصورة الحية للمتعجلين وهو زمان الكتاب للمهتمين وكلاهما كثير كثير. زماننا هو زمن التنافس بين الأديان والحضارات أيها تسيل لعاب الغالبية من الناس ممن لا دين لهم أو لا حماسة لهم لأي دين أو المترددين وإن كانوا على دين وهم كذلك كثيرون. زماننا يقتضي منا التكافل على تأسيس معلم أروبي ـ وليس إسلامي ـ مهمته التعريف بمحمد عليه السلام خلقا وحكمة ورحمة وغير ذلك مما هو مبثوث في القرآن والسنة والسيرة وتحويل ذلك إلى مطويات وكراسات وكتب ومجلات وأقراص مضغوطة وتمثيليات ومسرحيات ونحوت ورقصات وإنتاج سنمائي حسن الإنتاج وحسن الإخراج وحسن التمثيل وبلغات أروبا كلها. بل معلم ثقافي للتعريف بالنبوة كلها وبكل نبي عليهم السلام أجمعين. عندما يكون هذا العمل محل تكافل مالي ومعرفي وعملي وخالصا لوجه الله سبحانه فإن الناس سيقبلون عليه ولو بعد سنوات. علينا أن نعمل بهذه الحكمة : أوقد شمعة تطرد الظلمات بدل لعن الظلمات التي لا تطرد إلا بنور يضادها. العبرة هنا بحسن الإنتقاء علما ومعرفة وبحسن العرض وبحسن التعاون إذ أن العامل للإسلام اليوم تاجر أو لا يكون فإما تاجر يحسن العرض ويرغب الزبون ويبيعه بضاعته مهما كان مزاجه وماله وإما فليستقبل الذباب

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق