اراءاهم الاخباررأي رئيسي

نذر حرب دينية في أروبا : ضربة لازب؟ أم نوقها؟

الفاتح من جويلية 2009 : إغتيال ( مروة الشربيني) في ألمانيا

الجمعة 16 أكتوبر 2020 : ذبح مدرّس فرنسي في باريس

كلمات أوّلية

أوّلا : ليس هذا رجما بالغيب. بل قراءة قد تصدق وقد لا تصدق

ثانيا : قراءة بنكهة عمرانية إجتماعية تاريخية تستبعد بالكلية الخطاب الإعلاميّ والسياسيّ بغضّ النظر عن مصدره سواء كان ( إسلاميا ) أم غير إسلاميّ

أسئلة هذه القراءة

أوّلا : هل نحن ضحية ( إسلاموفوبيا ) أم ( غربوفوبيا) أم كلاهما معا؟

ثانيا : هل تتحقّق ( نبوءة هنتنقتن ) أي صدام الحضارات؟ أم هي نهاية التاريخ؟

ثالثا : أيّ مانع من عودة ( حرب الثلاثين سنة الأروبية المشهورة)؟

رابعا : هل أنّ أشراط الحرب الدينية أو أركانها بصدد القيام؟

أسس هذه القراءة

الأسّ الأوّل : الإنتماء الدينيّ لا يعضل العدوان بالضرورة

الإنسان كائن متديّن بالضرورة سواء وعى أم لم يع. وسواء كان تدينه حقّا أم خرافة. الدين ( كلّ دين) وظيفته الأولى توفير الأمن والسّلام مع النفس والكون والإنسان. ولكنّ التديّن ينزع دوما إلى بثّ الخوف والحرب بسبب نطفة الفجور المغروزة. ولولا ذلك الإختلاف بين الدين والتدين لما كانت للدين من وظيفة. ظهرت نزوعات الفجور في الإسلام مبكّرا جدّا (الخوارج خير مثال ولكنهم ليسوا المثال الأوحد). ليس الحديث عن الفجور الذي تحرّكه الشهوات فحسب. فهذا محدود الأثر. إنّما الحديث عن الفجور المتلبّس بما سمّاه الأقدمون شبهة. أي الفجور بسبب الإعتقاد في أحقية الفكرة مطلقا فإذا إجتمع الفجوران ( شهوة وشبهة ) إستحال الإنسان المتديّن سبعا مفترسا. جمع هذا الحوار بشكل غير مباشر بين مفكرين كبيرين في تاريخنا المعاصر ( الجزائريّ مالك بن نبيّ والمصريّ سيد قطب ) وإذ إنتصر الأوّل إلى أنّ الدين لا يوفّر التحضّر تلقائيا ليكون المتديّن محسنا راقيا فإنّ الثاني منهما خالفه. الخلفية الفكرية لكلّ منهما هي المحدّد في هذا الإختلاف. إذ أنّ المعالجة الإجتماعية العمرانية التاريخية تختلف عن المعالجة النظرية. ومن ذا فإنّي لمطمئن إلى القول بأنّ المسلمين خسروا كثيرا إذ أهالوا التراب على تراث إبن خلدون الذي يوفّر لهم القراءة العمرانية الإجتماعية التاريخية. لمّا ظلّت تلك المعرفة يتيمة إمتلأت بسفاسف القول. وتأخر المسلمون حضاريا وعمرانيا وإجتماعيا. ألسنا اليوم كلّنا تقريبا مشدودين إلى المعالجات الإعلامية والسياسية التي تبحث بطبيعة وظيفتها عن المصلحة وليس عن الحقّ؟ وليس المتلبّسون لبوس التقوى هنا بمنأى عن ذلك لأنّ الوظيفة غلاّبة؟ في المسيحية الغربية الأمر نفسه إذ أنّ مذهب ( أشنقوا آخر قسّ بأمعاء آخر إقطاعيّ) هو المذهب المنتصر وعليه أسّست إستحقاقات الحرب الدينية في أوربا. وهي التي عرفت بحرب الثلاثين سنة وفيها كتب معروفة. ذلك هو حال المنتصرين طرّا إلاّ نبيّ الرّحمة محمد عليه السلام وقليل ممّن إتبع هداه. الأمر ليس خاصّا بالإسلام تاريخا. ولكنّنا لا نقرأ تراث الآخرين. مجرّد إطلاع لسويعات قليلات على الأناجيل تجعلك تراجع كثيرا من معتقداتك التي ربّما تغنّيت بها طويلا وأرقت فيها مدادا. سيشغب عليك الشاغب أنّ الواقع يكذّبها ولكن عليك ألاّ تستسلم لذلك الشّغب لتقرأ التاريخ الأوربيّ المعاصر فحسب. الخلاصة في هذا الأسّ الأوّل هي أنّ الدين يبثّ الأمل لحياة مختلفة دينيا وآمنة إجتماعيا. ولكنّ التديّن عبر التاريخ كلّه ( من إبن آدم الأوّل حتى ذبح المدرّس الفرنسي قبل أسبوع واحد) هو الذي يكرّ على قيم الدين. الإنتماء الدينيّ إذن سلاح ذو حدّين

الأسّ الثاني : المتغلّب توّاق أبدا إلى بسط نفوذه

أوربا خاصّة والغرب عامّة يعيش حالة الغلبة الكبرى. ولئن حسمت تلك الغلبة داخليا بين الحلفاء والمحور من بعد هزيمة هؤلاء في أعقاب 1945 ( وهاهي ألمانيا الكسيرة تستعيد أنفاسها بل تبسط نفوذها ماليا ) فإنّ تلك الغلبة تتوق أبدا إلى بسط نفوذها دوليا وعالميا. وليس هناك من قوّة عمرانية إجتماعية قيمية في الآن ذاته تخشاها تلك الغلبة المتوقّدة أكثر من القوة الإسلامية. وعندما إنزلقت ألسنة غربية بذلك ( العدوّ الأصفر مثلا على لسان الأمين العام الأسبق لحلف النيتو ـ حرب صليبية على لسان الرئيس الأمريكيّ الأسبق وغيرها ) فإنّ الواقع على الأرض يؤيّد ذلك. لا يحتاج المرء أيّ جهد لتأكيد ذلك. هل أنّ إحتلال فلسطين منذ ثلاثة أرباع قرن كامل جاء صدفة أم بغير ترتيب غربيّ أم أنّ البحث عن معالجات شبه عادلة أعوز القوم. حتى تنازل ( حماس) لأوّل مرّة قبل سنوات قليلات لتقبل بحلّ الدولتين ذهب أدراج الرّياح. توضيح الواضحات من الفاضحات كما قالت العرب بحقّ. الإسلام نفسه كان توّاقا في أيام عزّه وقوته إلى بسط نفوذه. ولكن بإختلاف الأساليب والغايات فحسب. وشتّان بين رسالة حضارية راقية هادية محسنة وبين رسالة عبثية إنتقامية تنكيلية إكراهية. ما تقوم به إيران الدولة اليوم هو الأمر ذاته. أي حرب توسّعية. فما من كيان يحمل رسالة إلاّ وهو يبحث عن التمدّد والتوسع والإنبساط. ولكن الخلاف في المنهج والغاية فحسب

الأسّ الثالث : الوجود المسلم الأوربيّ عامل مهدّد من الناحية العمرانية

هو عامل مهدّد في نظر الغربيين وخاصّة المعنيين بالقيادة والإستقراءات. ما لا تراه أنت تهديدا يراه هو إنقلاب عمرانيّ ثقيل وواسع. وهو كذلك من الناحية العمرانية الإجتماعية. يمكن أن نغضّ الطرف عن الإحصائيات والدراسات المتحاملة من الطرفين. سواء التي تهوّن من النسبة العمرانية لذلك الوجود إبتغاء التمكين التسلّلي أو التي تهوّل منه إبتغاء تشريع الحرب عليه. ولكن المراقب المنصف لا يمكنه أن يغضّ الطرف عن عوامل ذلك التهديد. وخاصّة حركة الهجرة ( غير الشرعية) التي أعيت الحكماء وأرهقت الدول ولا مناص ممّا يشبه الإستسلام في وجهها من جهة وحركة التناسل في الصف الأجنبيّ ( ولو أجنبية أصل ) وهو لا يقارن بحركته في الصفّ الأصيل من جهة أخرى. ما فقدته أروبا من كبار السّن في محنة ( كورونا ) فحسب عدد مهول. لا أظنّ أنّ المراقب المثابر يحتاج إلى تأكيد هذه الحقيقة : الوجود المسلم في أروبا يتعاظم عمرانيا وإجتماعيا بشكل كبير ومنه ما هو مقصود. من مثل ما عمدت إليه المستشارة الألمانية ( مركل) التي ألجأتها الضرورة الضارّة إلى ما يشبه تجرّع السمّ إذ فتحت البلاد إلى ما يناهز مليون لاجيّ سوريّ وفي مقابل ذلك ضمور يسير بالسرعة ذاتها في الإتجاه المعاكس في الصفّ الأروبيّ الأصيل

الأسّ الرّابع : ظهور واسع لتياري الشطط من الجانبين

عندما يعتمد التحليل العمرانيّ الإجتماعيّ التاريخيّ على السؤال الصحيح فإنّ هذا السؤال صحيح : أي أشراط أدت إلى ظهور اليمين الأوربيّ المشطّ حتى أضحى تهديدا جدّيا في كلّ محطة إنتخابية أروبية جديدة؟ وأيّ أشراط أدت إلى ظهور السّلفية الفكرية المغالية في شططها حتى أضحت تهديدا جدّيا في أكثر من منطقة تنازع أو حرب؟ دعك من القراءات المشوّهة حتى لو كانت جزئيا صحيحة. من مثل أنّ تلك التيارات المشطّة هنا وهناك صنيعة هذه القوّة النافذة أو تلك. ذلك خطاب إعلاميّ أو سياسيّ لا يستهوي الحكيم. الباحث عن الحقيقة في كلّ شيء إنّما يبحث عن الأشراط التاريخية والأركان القيمية والموانع العملية. مؤكّد أنّ ذبح المدرّس الفرنسيّ الأخير سيكون حاضرا بقوّة في أوّل محطة إنتخابية أروبية. ألا ترى أنّ بيانات المسلمين أرغمت على تجاهل السبب المباشر الكامن وراء تلك العملية الإجرامية؟ ذلك يعكس بقوّة الحال الرّاهنة وقديما قالت العرب : ما كلّ ما يعلم يقال ولكلّ مقام مقال. صحيح أنّ المدد الخليجيّ لتيارات الشطط الدينية الإسلامية في إتجاه النّضوب بسبب التحوّلات في المملكة السعودية وغيرها. ولكنّ الأصحّ من ذلك هو أنّ جيشا لجبا عرمرما يحمل ذلك التفكير. ومن يحمل فكرة دينية لا يتأخّر دونها إلاّ قليلا لا عبرة به. من أسباب ذلك إنشغال الحركات الإسلامية المعتدلة ( الإخوان مثلا ) في المعارك السياسية لعقود وما إقتضى ذلك من سجون ومناف وإعادة بناء للتنظيمات وغفلتها عن بثّ القيم الإسلامية الصحيحة الباعثة للأمن والسلام. ومن أسباب ذلك كذلك نشوء فضائيات كثيرة في تلك الفترة ذاتها بنكهة سلفية مشطة مرّة قامت على تأطير ذلك الجيش اللّجب العرمرم ومن أسباب ذلك كذلك إنحياز القوى الدولية النافذة إلى العدوّ الصهيونيّ المحتلّ وتبعية الأنظمة العربية إلى أحلاف غربية لا تريد بالهوية الإسلامية إلاّ شرّا وضرّا. وأسباب أخرى. ومثل ذلك في ظهور اليمين المتطرّف المشطّ في أروبا. إذ أنّ من أسباب إندياحه وفود المسلمين في زمن قياسيّ قصير بآلاف مؤلّفة وظهور معابدهم وعدم قيام الدولة الأوربية بطبيعة الحال على القضية القيمية. إلاّ بمنظار القانون الذي يظلّ دوما عاجزا أن يحيط بالفكرة. القضية القيمية في أوربا تعالج بشطط وغلوّ ومروق من الفطرة مشين. وهو سبب آخر من أسباب ظهور ذلك اليمين. لست بصدد الإنبساط في ظهور تلك الشططات هنا أو هناك. ولكنّي بصدد القول أنّ تلك التيارات لم تمت ولن تموت في المدى القريب ولا المتوسّط بسبب قيام شروطها وهي مازالت قائمة إلى حدّ كبير وبسبب قيام أركانها وهي قائمة بمثل ذلك وعدم إنتفاء موانعها ومن ذا فإنّ موتها الفجئيّ أحلام يقظان أو لعب أطفال

الأسّ الخامس : ثورة الإتصال التي تجعل الأرض كلّها حجرة صغيرة

هذا الأسّ معروف معلوم. فما كان في السّابق سرّا أو غيبا أو يحتاج إلى وقت لشيوعه غدا اليوم معيشا نفسا بنفس. وهو يؤطّر الناس سيما من حملة الفكرة الدينية ويحرّض هؤلاء ويحثّ أولئك. وتلعب الصورة فيه ـ حتى لو لم تكن مزوّرة ( فوتوشوب) ـ الدور الأكبر. ويزيده الإعلام الذي لا يولي لرسالته أيّ قدسية بلّة على بلّة. الإعلام الإلكترونيّ والفضائيّ بصفة خاصة. الإنسان ـ كلّ إنسان ـ عندما تدغدغ عاطفته بالدين الذي ينتمي إليه حتى لو لم يكن يوما من المنتسبين إلى طقوسه فإنّه يسلك مسالك من به مسّ من الجنون. ومن ذا فإنّ الدين شيء والتديّن شيء آخر. وأنّ التدين سلاح ذو حدّين. فإمّا حدّ أمن وسلام وحكمة ورشد. أو حدّ حرب وقتل وذبح وعنف وإرهاب

الأسّ السادس : تخلّف كبير من أهل الرّشد في الجانبين

التديّن وحده لا يكفي. إذ أنه إعلان نوايا كما يقول اليوم الإعلاميون والساسة. التدين الذي لا يعقب بتربية قيمية صحيحة وواسعة وعميقة ويظلّ عليها أهلها لسنوات فإنّه مظنة فساد وإفساد. فإن لم يكن فهو مظنة فرار إلى الكهوف والمغارات. ولكن تقلّص عدد هؤلاء لصالح المفسدين بإسم الدين. ولو هرعوا إلى التصوّف كما فعل السّابقون لكان الخطب أدنى فدحا. سبقت الإشارة إلى أنّ الحركات الإسلامية ومعها الدعاة والعلماء والقائمون على التربية القيمية بصفة عامّة سيما من غير الرّسميين أقحمت نفسها في المواجهات السياسية والأمنية مع الأنظمة الحاكمة. وبذا تركت الساحة القيمية الفكرية الثقافية للسفهاء فارغة وملأتها السلفية المغشوشة. ذلك عندي خطأ إستراتيجيّ كبير وليس هو من قبيل الصغائر. هل كان يعيي أولئك وعندهم من المال ما يكفي وزيادة أن ينشؤوا محطات فضائية تكون متواضعة متقطعة في البداية ثم تكسب التجربة وتقوم على بثّ الوعي الصحيح؟ حتى التجارب الألكترونية بعد قيام أكبرها أي إسلام أون لاين تشتّتت وإنقرضت وشغبت عليها الجاهليات العرقية والجهوية ثم أبدع فيها السّلفيون المشوّهون. وهم اليوم يملكون أكثرها وكلمتهم فيها هي المسموعة والمشاهدة والمقروءة وذات التأثير. لا أهوّن من العمل السياسيّ. أبدا وكلاّ. السياسة عندي مقاومة نبيلة وجهاد شهم شريف. ولكنّ السؤال هو : أين التوازن؟ ولمن تترك ساحة القيم التي تؤسس الفكرة والتي بدورها تجعل من الإنسان صالحا أو طالحا؟ وفي الجانب الآخر كذلك إستبعد أهل الحكمة من الحضور الإعلاميّ ومن منابر التأثير. وبذا ـ ولانّ الطبيعة تأبى الفراغ كما يقولون ـ فإنّ عالم القيم شهد إنحدارا كاسحا والقيمة هي التي تصنع الإنسان حتما محتوما

الأسّ السّابع الأخير : قيام العالم قانونا وواقعا على القوّة وليس الحقّ

لك أن تتصوّر أنّ العالم كلّه يقوده مجلس الأمن الذي يهب نفسه حقّ النقض لكلّ قانون يعرض عليه تسوية لنزاع أو من قبيل ذلك. حقّ النقض يمنحه القويّ المتغلّب لنفسه في عقب الحرب العالمية الثانية وبسبب قوّته وغلبته فحسب. هل يمكن الحديث بعد ذلك على قيمة الحقّ والعدل في الأرض اليوم؟ ولا يسأل من وهب نفسه ذلك الحقّ المطلق ولا يسأل حتى لم نقض هذه الدعوى أو تلك. هل هناك طاغوت أشدّ من هذا الطّاغوت؟ وفي الواقع كذلك. ألسنا نرى القويّ النافذ هو من يحتلّ العراق بتعلّة تبيّن من بعد ذلك أنها أوهى من بيت العنكبوت؟ ومثلها أفغانستان. أليس التطبيع مع العدوّ المحتلّ اليوم سنة عربية مسنونة والويل لمن يعترض؟

خلاصات وحصائل

أوّلا : أوروبا هي بؤرة التوتّر من الجانبين. ألا ترى أنّ حاكمة نيوزلندا التي أبدت تعاطفا مع المسلمين قبل عام واحد إذ قتل منهم الذي قتل في المسجد فازت عقب تلك الكارثة فوزا ساحقا في أوّل محطة إنتخابية بما يمكّنها من تشكيل حكومة؟ في العرف الأوربيّ لا يصوّت لها حتى زوجها بعد ذلك التعاطف غير المسبوق مع المسلمين. أوربا هي التي تساهم في قيادة العالم بوزر كبير بسبب قوّتها المالية ونفوذها السياسيّ وغير ذلك. ومن ذلك فإنّ الحرب ـ إذا إندلعت لا قدّر الله ـ ستكون لاظية حامية

ثانيا : الصّراع بين ( الإسلاموفوبيا ) و ( الغربوفوبيا ) لم يعد تدافعا مفهوما. إنّما أضحى حربا حينا بالقانون المضيّق على الوجود المسلم. وحينا بالعنف المتبادل وتختفي منذ سنوات طويلات أصوات العقل من الجانبين. ولن يكون المكان شاغرا إنّما يملأ بأصوات الإنتقام والتنكيل والثأر

ثالثا : لمّا ظهرت أكبر قالتين في الغرب الحديث قبل عقود أي ( نهاية التاريخ لفوكوياما ) و ( صدام الحضارات لهنتقتن ) إلتقطنا كلّنا تقريبا المسألة بما يشبه الهزل ساخرين كالعادة. أنا اليوم أصدّق نظرية صدام الحضارات. وهو في الحقيقة ليس صداما بين الحضارات. فهذا مفهوم. ولكنه صدام ديانات أو أتباع ديانات أو هكذا تكون الخلفية. فرنسا تؤجّج ذلك الصدام وتغذّ إليه السير غذّا عجيبا في حين أنّ ألمانيا تلزم قدرا من التعقّل وهما كلاهما قلب أوربا الفاعل والمؤثّر فلا هو إلى الشرق سحنة أقرب من مثل إسبانيا وإيطاليا ولا هو إلى التسامح النسبيّ أدنى من مثل إسكندينافيا ولا هو ديمقراطيّ عريق من مثل إنجلترا. ذلك الصّراع الذي قد يتحوّل إلى حرب حقيقية لا تبقي ولا تذر في المدى المتوسّط لا قدّر الله تملأ الصدور اليوم لأجله وتعبّأ بحشرجات البغضاء والرّفض والكراهية

رابعا : أيّ مانع من أن تشهد أروبا حرب الثلاثين عاما وهي حرب دينية قحّة مرّة أخرى؟ قامت الحرب الأولى على أساس رفض الطائفتين الكاتوليكية والأرتودوكسية بعضهما لبعض رفضا دينيا أسّه التكفير الخالص. وظلّ ذلك بظلاله عقودا طويلة حتى شببت وجيلي وشهدنا ما يسميه الأنجليز إتفاق يوم الجمعة العظيم. إذ حطّت الحرب أوزارها. التطوّر الوحيد الذي حدث في الإتجاه الإيجابيّ هو إنتظام أروبا تحت سقف دولة يحكمها القانون العلمانيّ ومعنى ذلك هو أنّ بذور الحرب الدينية لم تقتلع بوعي صحيح ولا بقيمة إنسانية صحيحة. ولكن حلّت العلمانية بوسطيتها البراغماتية المشكلة الساخنة فحسب. وعندما يكون الخصم الآخر من دين آخر أي الإسلام فإنّ نذر الحرب ستكون ذات رصيد أعلى. وخاصّة عندما يكون العنف ظاهرة إجتماعية. وقد أوشك أن يكون كذلك. وعندما تتمحّض دولة مثل فرنسا لخوض المعركة الفاصلة مع الإسلام نفسه. وليس كما يتمحّل بعضنا ببرودة أنّ ( ماكرون ) يقصد بالإسلام المسلمين. لم لم يقل مثل ذلك على الرّئيس الأمريكيّ إذ قال أنّها حرب صليبية؟ ألأنّ الموازين منخرمة؟

خامسا : لست أرجم بالغيب ولكنّي متوجّس توجّسا حقيقيا وأخشى تلك الحرب. ولست أبغي لا هدم الحضارة الغربية التي فيها من الخير ما فيها ولا المجتمعات الأروبية التي يظلّ عمقها في نسبة مهمّة منه رغم الطّرق الإعلاميّ المضلّل عمقا يمكن الحوار معه. أضع هذا على طاولة الحوار لمن يريد الحوار. أو هو متوجّس مثلي. وأدعو إلى التوقّي من تلك النّذر وخاصّة بتفعيل دور الأئمة والعلماء والدعاة والكتّاب والناشطين في الحقول العامّة كلّها. ولا زلت عند رأيي القديم أنّ خير وقاية هي إنشاء محطات إلكترونية عظمى خصبة وكبرى وشاملة برساميل مالية هي عندنا قطعا مقطوعا وأخرى فضائية. ولكن بلغات أوربا وليس باللغة العربية. فإن صبرنا على هذا عقدا واحدا فستكون تلك النّذر التي أخشاها اليوم أثرا بعد عين. ولله وحده الأمر من قبل ومن بعده وهو يفعل ما يشاء سبحانه ويدبّر ما يشاء

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق