أخباراهم الاخباررأي رئيسي

نخب عربية في جوف الفقاعة

لا يبدو أنّ النخب العربية بخير، حسب ما تُفصِح عنه مساهمات “نخبوية” في مواسم الجدل التي تتضخم على هيئة فقاعات متلاحقة في الشبكات ومنصّات التواصل تتأجّج فيها المزايدات ويتفاقم فيها الجموح في الآراء والأحكام وتشديد النكير على المخالفين، انتهى الحال بنُخَب تُفترَض بها أهلية التحليل والتقدير والإرشاد إلى تعميم آرائها أو التنافس على كسب إعجابات كمية في مواقع التواصل؛ بالشحن والتعبئة واختزال الواقع وتسطيح القضايا ودغدغة المشاعر، بعيداً عن تحرِّي الحقيقة والإنصاف والتوازن أحياناً.

في جوف الفقاعة

من طبيعة الفقاعة الجدلية أن تنشغل بجزئية مخصوصة دون سواها؛ قد تكون حدثاً أو تفريعة من حدث، أو قد تكون شخصية ما أو تصريحاً بعينه؛ فتنقلب بموجبها أولويّات الانشغال العام رأساً على عقب بما لا يتناسب مع منسوب الأهمية المجرّدة، ولهذا صلة بالسلوك الشبكي المستجدّ في المجتمعات عموماً، تتفاقم فقاعة الجدل إلى حد الهوَس أحياناً، فتعلو المزايدات وتجمح التعبيرات وتسيل أودية الشبكات والمنصّات بقدرها من هذا الانشغال المُفرِط. إنها من متلازمات الزمن الشبكي الذي يتضخّم فيه الوعي الانتقائي بمسائل وأحداث وأشخاص ويُغفَل ما دون ذلك، مع تأثير واضح لتقنية الشبكات ذاتها في إذكاء هذا المنحى من خلال الربط الموضوعي ووُسوم التغريد المتصدِّرة وغير ذلك.

نخب على هامش الأحداث

واقع الحال أنّ بعض النخب العربية لا تجد فرصتها في التأثير في الميدان أو في السياسة أو في صناعة الأحداث المتلاطمة من حولها؛ فلا تستشعر من فرصة لها سوى التسلِّي بالفقاعات الجماهيرية في الشبكات والأجهزة المحمولة؛ ليصير حضور بعضها ظاهرة شبكية لا أكثر. فهل تستشعر هذه النخب اقتدارها على المشاركة في صنع أحداث متفاعلة من حولها أو المساهمة في رسم مشهد يغمرها أو تشكيل الآتي في عاجله أو آجله؟ لعلّ جواب هذا السؤال الحَرِج يفسِّر بعضاً من كيفيات الانهماك في الجدل الذي تُبديه هذه النخب بعد أحداث مفصلية وحسّاسة. تدفع حال العجز والقعود إلى الانصراف عن صناعة الحدث والتهيّؤ للمستقبل بالاكتفاء بتعقيبات على بعض ردود الأفعال مثلاً والتركيز على جوانب معيّنة تتضخّم على حساب غيرها من الأبعاد والتفاصيل.

يبقى كثير من الجدل مفهوماً ومشروعاً، وله سياقاته المشهودة التي تبرِّره أحياناً، لكنّ المعضلة تتجلّى لدى تجاهُل جوهر القضايا الساخنة وضعف التداول بشأن خيارات التصرّف في الملمّات، أو بأن يثور الجدل حول مسائل وحكايات هامشية أساساً. إنّ انصراف قوى النخب إلى فقاعات الجدل في المنعطفات والتطوّرات المفصلية محطّةً بعد محطة؛ قد يعبِّر عن إحساس كامن بالوقوف في مقاعد المتفرِّجين على أحداث تُصنَع من الخارج على رقعة الأوطان، ويكون على الخبراء الحاذقين أن ينشغلوا بتخمين ما يدور في أذهان صانعي القرار في قوى دولية وإقليمية بشأن الوجهة المقبلة أو الخرائط الجديدة التي قد تُرسَم.

جرأة انتقائية في البوح والنقد

إنْ دارت الفقاعات الجدلية في مواسمها حول النقد والذمّ فإنّ بعض النخب تتخيّر أهدافها بما لا يعود بأعباء على مصالحها، فتُظهِر جرأةً في نقد وجهات محسوبة أو في ذمِّها دون غيرها. تلتحق بعض النخب بجمهرة ناشطي مواقع التواصل التي لا تجد عوائق في الانخراط في جبهة النقد السهل والمسموح به نحو وجهات مخصوصة، دون أن تقوى على توجيه شيء من ذلك إلى وجهات أخرى.

 

لا يخفى أنّ بعض النخب العربية تعجز عن فتح الملفات الجوهرية على الملأ ابتداءً ولا تملك حرية البوح في واقعها إلاّ في مسارات محددة؛ ثمّ يدّعي بعضها تقدير الموقف بتوازن وشفافية وانفتاح، رغم أنّ هامش المسكوت عنه عندها عريضٌ ومُهيْمن على ما عداه أحياناً. من شأن هذه الملابسات أن تدفع بسرديّات غير متوازنة؛ تأتي ببعض الحقيقة وتطمس بعضها، وتشغِّل منطقها انتقائياً كما يطيب لها أو قد تعطِّله حسب أهوائها.

تفريغ إحباطات الواقع

بالوسع تفسير حالة الانصراف عن التفكّر بالآتي والتهيّؤ لاستحقاقاته من وجوه عدّة، منها أنّ الانغماس في فقاعات الجدل يلامس حاجة كامنة لتفريغ إحباطات الواقع العربي المثخن بالجراح والانكسارات، ويُتيح تسلية الوجدان الجمعي الذي يستشعر غياب الأفق وانتفاء المشروع الذاتي بين مشروعات متزاحمة. كما أنّ الجدل القائم على النقد المسدّد والذمّ المكثّف لطرف مخصوص أو أطراف معيّنة؛ قد يتيح فرص تنزيه الذات وتعاليها على من وقع ذمّهم، وتسويغ اختيارات أو تبرير إخفاقات أيضاً.

 

ومن عادة بعض النخب أن تأنَس بالدوران في حلقات جدلية مفرغة أحياناً، أو بتقمّص سلوكيات الاستقطاب الشائعة في مواقع التواصل التي تقوم على “مَن مع، ومَن ضد” لمجاراة استحقاقات الحظوة الجماهيرية كلّ عند فريقه؛ بما يفسِّر – جزئياً – اغتراف بعض النخب من الأحكام القاسية والتعبيرات الفظّة في تعليقها على الأحداث، وهو ما يستدعي ردوداً مكافئة لها من الخندق المقابل ونخبه. من شأن هذا النمط من التراشق أن يُغري باختزال المشاهد المعقّدة وتأويلها بمعادلات الدرجة الأولى التي تقوم على تجريد انتقائي لا يتناسب مع الواقع بتشابكاته المعقّدة، فتركن النخب إلى التعبئة بدل التقدير وتميل إلى الشحن بدل التفكير وتباشر التسخين بدل الإرشاد. تتنصّل هذه النخب من مسؤولياتها الريّادية في تحفيز التفكير المتّزن من حولها واقتراح وجوه التصرّف على شعوبها ومجتمعاتها وتقدير الآتي على بصيرة.

عبَث .. بحسن نية!

يجري كثير من العبث في تقدير الموقف واستشراف الآتي بحسن نيّة وبتصوّر حصول العمق في البحث والنظر. من شأن التعسّف في هذا الشأن أن ينضح بتصوّرات مجرّدة عن الواقع وأن يُفضي بحامليه إلى إصدار أحكام وثوقية صارمة، وقد يأتي ذلك أحياناً بأسلوب الاستنتاجات المُسبَقة التي تحشد مؤيِّداتها أو الموقف الذي يستدعي مبرِّرات تخدمه. تتقوّى بعض خطابات النخب بشواهد هشّة لتعزيز موقفها، أو تغترف من المواد المزيّفة والملفّقة ما يخدم سرديّاتها دون تمحيص.

 

تأتي بعض النخب بأحكام وتقديرات لما ينبغي أن يكون من سلوك أو موقف، فتُقيم عالَمَها المتخيّل لأجل ذلك أو تبتني أحكامها في مختبر مفترض معزول عن الواقع، وتدفع بنقدها الذي لا يقوى على اقتراح بدائل متماسكة، أو قد ترفع سقف التوقعات مما تنادي به فوق حدود الممكن، أو قد تأتي بمزاعم منسوجة في مخيال جامح له منطقه المتعالي على فرص التمحيص، مما يُغري بمواصلة هذا النهج وعورة مسالك الحوار والمدارسة والأخذ والردّ في زمن الفقاعات الجدلية ومزايداتها، علاوة على ضعف ثقافة الحوار أساساً في الواقع العربي، بما يُعطِّل فرص اختبار المزاعم التي تأتي في هيئة وابل من القصف الذي تتشظّى موادّه في الشبكات وتطبيقات التواصل، فيحتمي كلّ بخندقه ويتحصّن بجمهوره الذي لا يبخل بالتدوير والإعجابات.

مبالغات جامحة

يتّسع المأزق مع بعض النخب التي تركن إلى مضامين خطابية في مواضع التقدير أو تجمح بخيالاتها الشعرية في مقامات التدبير. صار مألوفاً، مثلاً، أن تُسرِف بعض النخب في توظيف الدُّعاء في تغريداتها ومنشوراتها ومقاطعها لأجل التراشق الدعائي من خلاله مثلاً، أو لإبلاغ رسائل سياسية فجّة لأهل الأرض بسبك تعبيرات الدعاء على نحو مخصوص. وقد يشي بعض التضرّع الذي تنشره بعض النخب في الشبكات بأنه من دعاء العاجزين المتفرِّجين وليس من دعاء العاملين الفاعلين؛ كأن تحمِّله نُخَب مُتواكلة بأمنيّات رغائبية منقطعة الصِّلة بالواقع ولا يصاحبها أخذٌ بالأسباب أو تهيئة لبلوغها. وتتخذ بعض النخب التي تقتات على موائد أنظمة سلطوية من بعض الدعاء وسيلة لإظهار الولاء للحاكم والانصياع للسلطة.

 

وشاع من بعض النخب التي ترى السياسة وتدرك الواقع من بطون كتب التاريخ والتراث أن تُسقِط ما طاب لها من شواهد الماضي على وقائع الحاضر إسقاطاً انتقائياً لا يخلو من تعسُّف. وإنّ منهم لمن يستعمل في السياسة أدوات “الجرح والتعديل”، أو يستلّ ما راق له من تصنيفات “المِلَل والنِّحَل” في تأويل المواقف أو التعليق عليها، فيميل بعض أساتذة “العقيدة” مثلاً إلى الزجّ بصنعتهم العلمية في مسعاهم لتقدير العلاقات الدولية أو تفسير الصراعات واستشراف مآلاتها.

 

ويحار المرء إنْ تعقّب ما يأتي به بعض المُتخمين بالألقاب العلمية في الإنسانيات والاجتماعيات والعلوم السياسية من تعليقات في الشبكات والشاشات على أحداث داهمة. يلتحق بعض هؤلاء أيضاً بحشود الغفلة التي تدور حول الفقاعات الجدلية؛ ربما سعياً لإحراز مؤشِّرات “التأثير” بمضامين هابطة يدفعون بها في تغريدات منشورة وإطلالات مرئية ويحصدون بها الإعجابات. ولا يخفى أنّ بعض هؤلاء يُستعملون أبواقاً للدعاية يمرقون معها من حقول الاختصاص التي عُرفوا بها ابتداءً، أو قد يعيش بعضهم في ازدواجية بين شخصيتين؛ إحداهما في الجامعة أو المعهد والأخرى في الشبكات والشاشات.

هيمنة العقد على التفكير

في ظلال هذه الحالة المتّصلة بالمأزق العربي الراهن ومخاضاته الشاقة؛ ترضخ بعض النخب العربية لعقد تحكم تفكيرها؛ فلا ترى سواها أو لا تُبصر ما يعلوها، وهي عند بعضها عقدة التاريخ، أو عقدة الغرب، أو عقدة إيران، أو عقدة تركيا، أو عقدة تيّارات واتجاهات معيّنة، أو غيرها من العقد. لم تتشكّل هذه العقد أو غيرها من فراغ، فهي نتاج وعي انتقائي أو خبرات متضخمة أو تجارب موضعية معيّنة، وقد تكون حالة مفتعلة بدافع من هوى مُسبق أو مصالح معيّنة.

 

يحرِّض منطق العقدة على رؤية العالم من جوْف قوقعة أو عبر ثُقْب إبرة، وبحضورها في الأذهان وهيمنتها على الوجدان؛ تضيق فرص الأخذ والردّ على بصيرة، بما يقود إلى أحكام تعميمية صارمة وقد تتناقض مع ذاتها أيضاً. عندما يميل القوم إلى تفسير الواقع وتأويل التاريخ من منظور إحدى عقدهم هذه؛ تعلو الهراوات المعنوية فوق الرؤوس إن حاولت تمحيص السرديات الجماهيرية الرائجة أو المدفوعة بمنطق العقدة التي تتأبّى على الفحص والنظر، من القسط القول إنّ المواظبة على ما تدفع به بعض النخب العربية في الشبكات والشاشات، يستدعي تفقُّد العقول والأفهام التي أُخضِعت لتدفقاتها التي تقوم على منطق مضطرب أو سوء تقدير أو خلط وتلفيق وتدليس، وبعض هذا يأتي بحسن نيّة وسلامة طوية على الأرجح!.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق