أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

مولود جديد : المجلس الأروبي للأئمة

وضع إتحاد المنظمات الإسلامية بأروبا ( منظمة مستقلة ) في فجر هذا الأسبوع الجاري من شهر نوفمبر 2019 ميلادية مولوده الجديد وإختار له من الأسماء ( المجلس الأروبي للأئمة ) وذلك بمشاركة زهاء خمسين إماما من القارة الأروبية ومعلوم أنه قد بادر قبل أزيد من عشر سنوات كاملات إلى تأسيس تجمع في الغرض نفسه عدا أن ملابسات مختلفة حالت دون بلوغه حالة الفعل ومما يمكن أن يلقتط المراقب من بيانه التأسيسي ما يأتي

أوّلا : مشاركة المرأة في هذا التأسيس وذلك على معنى أن الإمامة ـ كما هي في الإسلام ـ ليست مهنة ولا حرفة ولا وظيفة رسمية ولا موسمية بالمعنى العرفي إنما هي منهج حياة يكون بمقتضاها الإنسان آمّا لقبلة الإسلام من ناحية وفاعلا في محيطه بما يستطيع للتأثير فيه والتأثر بما يصلح منه من ناحية أخرى. الإمامة في الإسلام ترد دوما ـ رغم أنها إمامة صلاح وطلاح معا ـ بالمعنى الحضاري السياسي الإجتماعي العام ولذلك فإن إبراهيم عليه السلام أمّة. والأمّة من الإمامة في حركة إجتماعية جماعية حيّة تؤمّ القبلة مبنى في الحج ومعنى في الحياة. ومن ذلك كذلك أن مريم البتول عليها السلام عدّتها سورة الأنبياء التي سردت مشاهد من حياة ثمانية عشر نبي عليهم السلام جميا نبيّة في السياق العام لذكر قافلة الأنبياء وهي ـ مع ذلك ودونه ـ إمام للمسلمين والمسلمات عدا ما ذكر من إمامة أم موسى وإمرأة فرعون وبنتي شيخ مدين وغيرهن كثيرات لا يحصين. بل إن النبي محمدا عليه السلام أذن لأم ورقة بإمامة أهل بيتها أو أهل حيّها إذ هي أعلمهن بذلك وهم جميعا دونها ذكورا وإناثا. ولا علاقة لهذا البتة بدجل الغربيين وأذنابهم إذ يدفعون المرأة إلى إمامة الجمعة والصلاة بلا حاجة عدا حاجة الهزيمة الحضارية تحت أقدام الغزاة أو حاجة المحادّة. إنما المرأة إمام في الحياة. وليست إمامة الصلاة عدا مشهد صغير جدا من تلك الإمامة العظمى ناهيك أنها لا تكون عقدا بين الناس إلا بالتراضي لقوله عليه السلام : ثلاث لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا وعدّ منهم عليه السلام رجلا أمّ قوما وهم له كارهون. كيف لا تكون المرأة إماما في الحياة وهي أوّل مؤمن على وجه البسيطة وهي أوّل من وضع روحه فوق راحته في سبيل الله في الأمة الإسلامية جمعاء قاطبة وهي أوّل من إستؤمن على أوّل نسخة من المصحف العثماني الكريم؟ كما شاركت المرأة بنسبة قاربت العشر في هذا التأسيس على معنى أن المرأة إمام في المجتمعات الغربية بقلمها ولسانها وقدوتها وأسوتها وتوجيهها ومساهماتها المتنوعة في شتى الحقول. المرأة في الإسلام إمام أو لا تكون على قدم المساواة مع الرجل ولكن بالمعنى الإسلامي للإمامة وليس بالمعاني
العرفية المعيشة

ثانيا : قيام هذا المولود الأروبي الجديد ( المجلس الأروبي للأئمة ) على مهمات يحتاجها الوجود المسلم في أروبا من مثل تأهيل الخطاب الديني وتجديده وتطوير الأداء الدعوي وتعميق قيم المواطنة والإندماج الإيجابي وترسيخ الهوية الإسلامية والإضطلاع بدور حضاري. ذلك يعني أن نقلة إيجابية يعيشها الوجود المسلم في أروبا والغرب بصفة عامة إذ ظل ذلك الوجود على إمتداد عقود منصرمات طويلات يحيا على نبض ( الحفاظ على الهوية ) وحسنا فعل أولئك الأسلاف الذين قضوا نحبهم ثابتين راسخين على ذلك الدرب الذي كان لا بدّ منه في بدايات التأسيس الأولى إذ وطنوا الإسلام ودعوته ومهدوا الطريق ووفروا الأكل الحلال والشرب الحلال والمصلى حتى إن كارثة الحادي عشر من سبتمبر التي أرادها أعداء الإسلام الأغبياء بأذرع مسلمة أشد غباء منهم ضربة قاصمة لهذا الوجود المسلم في الغرب باءت بفشل ذريع وها هم يحصدون أئمتها بأيديهم من بعد قضاء الوطر منهم وآخرهم المسمّى أبوبكر البغدادي. وإذ قد منّ الله بنفسه على هذه الأمة بنعمة التجديد ( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ) فإن الوجود المسلم في أروبا بدأ منذ سنوات يراجع حصاده السالف وألفى أن خطة الحفاظ على الهوية قد إستنفدت أغراضها بنجاج كبير وأن اللحظة مواتية لإمتشاق درب جديد هو درب تأهيل الخطاب الديني وتجديده وتطوير الأداء وإعتناق الدور الحضاري وإثراء قيم المواطنة والإندماج الإيجابي أو ما يمكن أن نسميه المشاركة الإيجابية الفاعلة على أساس التساوي في حظوظ المواطنة حقوقا وواجبات. هذا تطور في الوعي مهم جدا وما علينا سوى بثه بلا ملل ولا كلل ولا توان ذلك أن دبيب الوعي في الناس أثقل من دبيب النمل فلا يرى أثره إلا بعد أجيال في إثرها أجيال. إلتقط هذا المولود الأروبي الجديد هذه النقلة المهمة على أساس أن الحضارة الغربية بحاجة إلى تلاقح مع غيرها من الحضارات وأوّلها الحضارة الإسلامية التي منها هي فحسب شربت أوربا وإرتوت من العلوم والمعارف مما دونته المستشرقة الألمانية الكبرى ( سيغريد هونكه قبل زهاء نصف قرن في سفرها العظيم : شمس الله تسطع على الغرب ) . تلك هي سنة الحضارات لا تبنى ولا تكتمل خصوبة وثراء وعطاء حتى تتلاقح ولكم يحلم المرء أن يرى بأم عينيه قنطرة الحضارات راسية جامعة للحضارة الإسلامية من جهة الشرق وللحضارة الغربية من جهة الغرب إذ ليست مهمة الإسلام سحق الحضارات المختلفة عنه ولا محق الدين المتنوع عنه ولكن مهمة الإسلام محددة في كتابه العزيز وهي مهمة التعارف ( لتعارفوا ) ولكن السفهاء من الجهتين ـ ووجودهم لا بدّ منه كذلك ـ يفسدون ما يشيّد العقلاء من الضفتين كذلك. هي مهمات كبرى وعظمى وضرورية بل هي من أمّ مقاصد الإسلام العظمى وهل جاء الإسلام لغير التحرير ونفي الإكراه وبث التعارف وعمارة الأرض بالجمال والزينة والإبداع؟ لا خوف بعد اليوم على هوية المسلمين من الميوعة والفساد ولكن الخوف كله هو الركون إلى التقليد والإجترار ونبذ الإبتكار. الأئمة بالمعنى الواسع الصحيح الأصيل لقيمة الإمامة هم المستأمنون على سلوك طريق موحش ـ بل هو الموحش حقا لو يعلم الناس ـ هو طريق الإختراع والإبتداع في الدنيا والإبتكار والتجديد والتطوير والإحسان والناس لهم تبع تبعية وعي وليس تبعية تقليد

ثالثا : قيام هذا الوليد الجديد كذلك على الإنفتاح في عضويته على كلّ من يتبنى الوسطية منهجا في الفهم والإصلاح والتغيير إعتدالا وتوازنا من الأئمة والفاعلين والناشطين في هذه الحقول الفكرية والثقافية والدعوية والإصلاحية بلا حسابات إنتمائية فرعية أو طعونات ولائية جزئية أو مذهبيات مفرقة على أساس أن الولاء للإسلام الأعظم هو الجامع الأعظم محكمات ضاربة في الأعماق تاريخا ونفسا تعاونا على الخير. المصيبة تجمع المصابين كما قالت العرب قديما وإذا لم تجمعنا مصيبة العدوان من لدن حركات الإسلاموفوبيا والإستشراق الكاذب في أغلبه فمن يجمعنا؟ وليس ذلك على أساس محق الإنتماءات الفرعية ولا سحق الولاءات الجزئية فهي مضمونة من الله نفسه سبحانه إذ لك أن تكون من شئت تيارا ومذهبا وحزبا وإتجاها فكريا ولكن عليك أن تكون مسمارا راسخا في عرش الإسلام الحرّ الذي يحرّر الناس من شتى صنوف الطغيان والإرهاب ظاهره وباطنه. وتنفيذ ذلك عمليا هو المساهمة في مثل هذه الكيانات لإعادة تجميع كلمة الأمة وتخصيب فعلها وتوحيد صفها المرصوص الواحد وهو متنوع مختلف بالضرورة إرادة ربانية وناموسا إلهيا. لا مناص من الأئمة والفاعلين في هذه الحقبة الحارة من تاريخ هذا الوجود المسلم في أروبا والغرب من التواضع على كلمة سواء هي كلمة الولاء لله أوّلا والولاء لهذه الأوطان ثانيا على أساس مقاصد الإسلام العظمى من تحرر ومعرفة ونبذ حرب. فإذا تمّ ذلك أو قطعت فيه أشواط فإن الله نفسه سبحانه أباح للناس جميعا أن يعبدوا ما شاؤوا على برهان لا على تقليد ثم يتحمل كل واحد مسؤوليته كاملة يوم يبعث بين يديه سبحانه من جديد. الأئمة ملح البلد كما قيل قديما فمن للبلد إذ فسد ملح البلد؟

من المقترحات العملية المفيدة

إقترح أحد الأئمة المشاركين ـ بل من المؤسسين لكيانات سالفة ومن زعمائها ـ أن ينظم مؤتمر أروبي يحتضن الخطاب الإسلامي الأوربي تجديدا وتحسينا وتطويرا وذلك في ندوة علمية أقيمت على هامش هذا المؤتمر التأسيسي وهو مقترح إيجابي نافع وضروري ذلك أن حالة الوعي في هذا القطاع ـ الذي أظن أن العبد الفقير خبر منه الذي خبر ـ ليست على ما يرام بسبب تراكمات تاريخية وحضارية معروفة ولكن الأمل في التجديد أمل يأتي من الله نفسه سبحانه فهو الذي تكفل بتجديد الأمة بالمجددين في الحديث النبوي السالف وهو صحيح . إرساء الأوعية الخصبة من مثل المؤتمرات التي تنبجس عنها فعاليات تبث الوعي هو مهم يتجاوز حالة الأمل والطموح إلى حالات الفعل والإنجاز. فهل يرى ذلك المقترح العظيم النور قريبا؟

كما يقترح العبد الفقير إلى ربه في الغرض نفسه العمل على إنجاز معهد أروبي لتكوين الأئمة وتأطير الإطارات الإسلامية العاملة وليس المقصود تزويدهم بالعلم فحسب فهذا تكفل به وما يزال الكلية الأوربية للعلوم الإنسانية في باريس وهي تشتغل منذ أزيد من عقدين كاملين وقطعت في هذا المهمة العظمى أشواطا وأشواطا ولكن المقصود هو ترسيخ الإتجاه الوسطي المعتدل والمتوازن في عملاء هذا الحقل من أئمة وغيرهم من الناشطين والفاعلين والكاتبين ومن في حكمهم لسانا وقلما وفنا فهما وتنزيلا معا وفقها وإصلاحا في الآن نفسه. تلك الكلية تزود طلبتها بالعلم أو قل بالأحرى بالمنهج فحسب إذ العلم ليس من مهمات الكليات ولكن الحاجة إلى معهد لتأطير الأئمة وتكوين الفعاليات الإسلامية في أروبا طموح يرمي إلى تكميل مهمة تلك الكلية إذ الخطاب يتجدد مع كل عشر سنوات تقريبا بسبب التحديات التي تسوقها ثورات التواصل الهادرة. ليس كبيرا على العاملين في هذا الحقل ـ حقل الإمامة بأوسع معانيه الإسلامية ـ أن يتعاونوا على تأسيس مثل هذا المعهد وليس كبيرا علينا جميعا أن نتأهل أكثر ونعي أكثر وأعمق بالتحديات الجديدة. أليست مهمتنا هي مهمة البيان والتلقيح والتعارف؟ تلك مهمة تحتاج إلى تكوين مستمر وتأهيل متواصل. نحن نحتمي دوما تنصلا من مثل هذه المقترحات بالعوز المالي. هذا صحيح ولكن الأصح منه أن الأزمة تلد الهمة وأن التعاون يلد المستحيل وأن أحلام الأمس هي واقع اليوم

والله أعلم
الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق