اهم الاخبارحدث في مثل هذا اليومرأي رئيسي

موسم الكهانة التي هي كفر خالص

مع حلول كلّ عام شمسيّ جديد ينتشر الكهنة في الإعلام الفضائيّ باثّين شعوذاتهم الحقيرة. وينشدّ إليهم بعض المسلمين ممّن أجدبت عقولهم وقحلت أفئدتهم إلاّ من فضاء خصب لتقبّل الخرافات والأساطير. إذ يعتقدون جهلا فاضحا أنّ بروج السّماء هي التي تدبّر الأمر لهم فيما يستقبلون من أيام. وأنّ هؤلاء الدّجّالين يعلمون الغيب. قبل معالجة هذه النّكبة النّاكبة على عقيدة المسلم لا مناص من القول أنّ الإعلاميّين الذين يفتحون فضاءاتهم لهذه الأكاذيب الحمقاء إنّما يقترفون الخطيئة العظمى. إذ يبثّون سمّا زعافا كفيلا بإجتثاث الإيمان من الأفئدة وإحلال الكفر. وأنّهم بذلك ـ مع العرّافين أنفسهم ـ يسدون خدمات جليلة للعدوّ العامل على دكّ ما بقي لنا من حصون نحمي بها أرضنا وهويّتنا. وأنّ جريمتهم لا تندرج سوى ضمن الغزو الفكريّ وإلغاء العقل. ولا يسعفهم أنّهم يفعلون ذلك بإسم الرّأي الآخر أو بإسم الحرّية الفكريّة. وأنّ التّقدّميّة المزعومة التي يتدثّر بها هؤلاء أضحت هباء منثورا. بكلمة واحدة : هذا العمل خيانة وطنيّة موصوفة وضرب للأمن القوميّ الحقيقيّ ودكّ لحصون الإعتقاد الإسلاميّ في بلاد إسلاميّة وتمكين للخرافة والأسطورة الكفيلة بتحطيم التّفكير العقلانيّ. ومن المتورّطين في هذا على سبيل الذّكر المشعوذ التّونسيّ حسن الشّارنيّ الذي إستضافته قناة التّاسعة قبل أيّام قليلات ليساهم من جانبه في إلهاء النّاس عن قضاياهم الحقيقيّة الحارقة ولتكون صورة الإسلام في بلاد الإسلام بالتّمام والكمال كما قال كارل ماركس : أفيون الشّعوب. أي مخدّرا للنّاس يمكّن منهم عدوّهم ـ ومنه التّطبيع الذي يشرّق ويغرّب بكلّ حرّية وأمن ـ في حين أنّ الإسلام ما جاء إلاّ لتحرير النّاس كلّهم تحريرا عقليّا ونفسيّا وروحيّا

الكهانة كفر محض دون أيّ جدال

من أركان الإعتقاد الإسلاميّ السّتّة المعلومة بطريق اليقين الإيمان بالقدر خيره وشرّه كما ورد في حديث جبريل الصّحيح عليه السّلام. وقبل ذلك توسّع القرآن الكريم في بيان عقيدة القدر فيما لا يحصى ولا يعدّ من مواضعه. ومنها على سبيل الذّكر لا الحصر قتل (الخضر) صاحب موسى عليه السّلام للغلام الذي لم يبلغ الحنث ولم يقترف ذنبا موجبا للقتل أصلا. الإيمان بالقدر يعني بإختصار شديد أنّ الغيب بيد الله وحده سبحانه وأنّ حياة الإنسان بكلّ تفاصيلها الدّقيقة مسطورة في لوح محفوظ عنده هو وحده سبحانه. لا يطّلع عليه أحد ـ حتّى من الملك ـ إلاّ بإذنه. وأنّ الإنسان يخضع لذلك الكتاب المسطور شاء أم أبى. إذ أنّ الله سبحانه هو القاهر فوق عباده. وأنّ الإنسان بسبب كرامته وقدسيّته عند ربّه سبحانه يختار دينه فحسب. ولا يختار أيّ شيء آخر عدا دينه. وذلك بسبب أنّه لا يسأل يوم القيامة عدا عن دينه. ومن ذا فإنّه يكون حرّا في إختيار الشّيء الذي يكون عنه يوم القيامة مسؤولا. وأنّه لذلك كذلك لا يعلم الغيب المسطور في ذلك الكتاب. ولكن عليه ـ إن شاء طبعا ـ ضبط حياته ورتب نبضها بما يريد هو نشدانا للسّلامة والأمن وتجنّبا للشّر والضرّ. ولكنّه يظلّ مبتلى فلا يصيب كلّ ما أراد. ولا يخطئه كلّ ما تجنّب. ويأتي الإيمان يباشر شغاف قلبه ليجعله راضيا مرضيّا سعيدا من بعد ما كدّ وجدّ في طلب أمن أخطأه أو في تجنّب شرّ أصابه لأنّه يعلم علم اليقين أنّ الأمر مسطور مسبقا. حتّى لو تعرّض ذلك المسطور إلى محو بسبب دعاء أو عمل. ولكنّه يظّل دوما في حالي الإثبات والمحو مغيبا عن الإنسان. والإيمان بالله واليوم الآخر ـ أي بالمحكمة العليا الأخيرة ـ هو الذي يسكب في فؤاده ذلك الرّضى وتلك السّعادة. إذ الآخرة هي دار القرار والحيوان. وأنّ الدنيا دار كبد وسعي وكدح لا يتخلّف. فيظلّ الإنسان مقاتلا دون ما يريد. وهل يأمن المقاتل في ساحة الوغى كلّ ضرّ؟ إنّه لا بدّ معرّض لشيء منه

علم الغيب إستأثر به الله وحده سبحانه

لا يكون الإله ـ أيّ إله ـ إلها حقيقيّا جديرا بالعبادة حتى يستأثر بشيء يقهر به غيره. والله سبحانه إستأثر بالشّيء الذي تهفو النّفوس إلى علمه. وهو الغيب. فإذا تسنّى للمرء علم الغيب فقد إستوى مع الله. ولا حاجة له لأن يعبد إلها يستوي معه. ومن ذا ظلّت الأعناق كلّها مشرئبّة إلى الله سبحانه بسبب إستئثاره بالغيب الذي فيه قابلات الإنسان بحلوها ومرّها. ولو نثر الغيب المحفوظ للمرء مكنوناته فإنّ الإنسان لن يسعد. بل سيكون الأشقى في الأرض. إذ يظلّ حبيسا للشّرّ الذي يعلم أنّه سيصيبه في اليوم الفلانيّ. ومن ذا تعوّق حركته بالكليّة ويصبح ميّتا. عدا أنّه يأكل ويشرب. ألم يقل الله سبحانه في آية محكمة (قل لا يعلم من في السّماوات والأرض الغيب إلاّ الله)؟ ولمكانة عقيدة القدر في شبكة المعتقدات الإسلاميّة ذات الأركان السّتة شدّد الوحي عليها كلّ التّشديد. ورغم ذلك إختلف المسلمون منذ الغابر فيها. إذ ظهرت فيهم فرقة الجبريّة التي تعتقد أنّ الإنسان مكره على العمل والفعل. قابلتها فرقة أخرى مثلها غلوّا وهي فرقة القدريّة. التي يعتقد أهلها أنّه لا وجود لقدر مغيب مكتوب. إنّما يخلق المرء فعله خلقا حرّا. فسمّوا نفاة القدر. ولكن توسّطت الأمّة في جملتها على أساس أنّ الغيب حقّ. وأنّه ذو وظيفة عقلية وروحية عظمى. وأنّ الإنسان لا هو مكره بالكلّية. ولا هو حرّ بالكلّية. ولكنه وسط بين ذلك. فهو مكره قهرا على ما لا يسأل عنه يوم القيامة. وحرّ تكريما وتفضيلا فيما يسأل عنه يوم القيامة. إذ الغنم بالغرم كما قال المناطقة

رسالة الإسلام : تحرير العقل وتحصينه ضدّ كلّ ضروب الخرافة

صنفان من النّاس يتسابقان لتعبيد النّاس إليهم. صنف السّاسة الذين يستخدمون الإسلام لتأبيد حكمهم وغلبتهم. ومن ذا غلّب الأمويّون عقيدة الجبر ليقبل النّاس بحكمهم أنّهم قدر الله ولا مفرّ من قدر الله. ومثلهم حذا العبّاسيّون الذي إستنجدوا بأهل الإعتزال ـ الذين يقتربون من عقيدة القدريّة ـ لضرب أهل الإصلاح من مثل الإمام أحمد. وصنف المنسوبين إلى الدّين الذين يستخدمون الإسلام نفسه للغرض نفسه. ومن ذا حذّر الله سبحانه من هؤلاء كلّ التّحذير. وأخبرنا أنّهم ( ليأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله). ومن ذا يكون المسلم دوما عرضة لأن تفترسه جنود أحد الصنفين : السّاسة أو رجال الدّين

ولأجل أن تظلّ رسالة الإسلام رسالة تحريريّة جامعة للعقل الإنسانيّ تجد في السّنة ما لا يكاد يحصى ولا يعدّ من الأحاديث الصّحيحة التي تحذّر من تخدير العقول. ومن ذلك ذكرا لا حصرا قوله عليه السّلام فيما أخرجه عن بعض الأمّهات الكريمات (من أتى عرّافا فسأله عن شيء فصدّقة لم تقبل منه صلاة أربعين يوما). وكيف تقبل صلاة من يعتقد أنّ هناك من يشارك الله سبحانه غيبه؟ ومنه أيضا قوله عليه السّلام فيما أخرجه أبو داوود عن أبي هريرة (من أتى كاهنا فصدّقة بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد). ومن ذلك أيضا قوله عليه السّلام مرفوعا (ليس منّا من تطيّر أو تطيّر له أو تكهّن أو تكهّن له أو سحر أو سحر له). إذ لا يجتمع في فؤاد المؤمن إيمان بالقدر والغيب وإيمان بأنّ هناك أشياء أخرى تدبّر أمر النّاس مع الله. الإيمان هو الحقل الوحيد الذي لا يتحمّل عدا لونا واحدا ومعيارا واحدا وذلك بخلاف كلّ حقول الحياة الأخرى

بروج السّماء وتدبير الأمر

ينثر هؤلاء الدّجّالون كذبهم متمحّلين أنّ كلّ برج من أبراج السّماء مختصّ في تدبير أمر ما. وذلك بحسب مولد كلّ إنسان. هذا الذي يقومون به هو الكفر الصّراح البواح الذي لا يرتاب فيه مؤمن بالله سبحانه أي ريب. وقياس ذلك على هذا الحديث القدسيّ الصحيح من رواية زيد إبن خالد الجهني

قال الله سبحانه : (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، وأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب). فمن إعتقد أنّ للكواكب أو لأيّ شيء آخر في السّماء أو في الأرض أيّ تأثير في الحياة أو أيّ تدبير فيها فقد كفر كفرا صريحا صحيحا. إلاّ أن يفيء إلى ربّه سبحانه فيئة أخرى. فهو يقبل التّوبة من كلّ تائب حتى غرغرة الموت

مصالح عقيدة القدر والإيمان بالغيب

الإسلام كلّه منافع في الدّنيا ومصالح في الآخرة. حتّى عقيدته فهي ذات منافع ومصالح في الآجل والعاجل سواء بسواء. المقصد الأسنى للعقيدة الإسلاميّة إنّما هو تحرير الإنسان تحريرا عقليّا ونفسيّا وروحيّا حتى يكفر كفرا صحيحا صريحا بكلّ طاغوت فإذا فعل ذلك آمن بالله الإيمان الحقّ. وضمن لنفسه الحرّية والكرامة. وتأبّى عن الإستعباد والإسترقاق ظاهرا وباطنا. عقيدة القدر بصفة خاصّة إنّما مقصدها الأعظم ومصلحتها الكبرى هي تحرير الإنسان وإعتاقه. ذلك أنّ الكفر بمثل هذا الدّجل الأسطوريّ الخرافيّ يحرّر الإنسان من العطالة والبطالة وإشرئباب العقول نحو النّجوم والكواكب. ونحو المشعوذين والعرّافين لتنطلق قدراته ومؤهّلاته ضربا في الأرض فيرغد بنعمها. وتكون يده هي العليا وليست سفلى ذليلة. كما أنّ كفره بهم يحرّره من اليأس والقنوط ويملؤه أملا ورجاء في الله أوّلا. وفي نفسه ثانيا. وفي الحياة ثالثا. وأنّه يغدو مسؤولا يعرك في السّوق بما إستطاع. ولا يقهره عدا ربّه وحده سبحانه قهر رحمة. إنّما وظيفة الكفر بطاغوت الكهانة والسّحر والشّعوذة ـ وما أكثر أسواقها وزبانيتها من المسلمين أنفسهم ـ هي تحصيل السّعادة والأمن ونعمة الرّضى

محمّد عليه السّلام نفسه لا يعلم الغيب

لو كان الغيب في متناول أحد لمنّ الله به على نبيّه محمّد عليه السّلام. ألم يأمره بأن يقول (ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسّني السّوء)؟ ألم تقل الجنّة الشّيء نفسه (وأنّا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربّهم رشدا)؟ ألم يحصّن سبحانه السّماء من بعد آخر بعثة حفظا للعقيدة من تسمّع الشّياطين (وأنّا كنّا نقعد منها مقاعد للسّمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا). ألم يخف سبحانه وقت السّاعة حتّى على جبريل ـ ملك وحيه عليه السّلام ـ؟ من أين إذن يأتي الدّجّالون بإفتراءاتهم؟ وأنّى لمؤمن إيمانا صحيحا صريحا حقيقيّا ـ كفيلا بإنجائه من النّار على ما كان منه من عمل ـ أن يصدّق الدّجل ويكذّب الحقّ سبحانه؟ وإذا كان هذا المشعوذ الدّجال ـ حسن الشّارني ـ وغيره بالآلاف المؤلّفة الذين يأكلون أموال النّاس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله بإسم الله نفسه يعلم الغيب فلم لم يخبر النّاس بأنّ ثورة ستحرّرهم من الطّاغوت السّياسيّ؟ أليس ذلك أولى بهم صيتا؟

عقيدتك : آخر حصن وآخر مرفإ

يمكن أن نعلّق كلّ هزائمنا اليوم على مشاجب الإحتلال والإستلاب والإستبداد وخيبة الزّمان والنّاس وما يحلو لنا ويطيب. ولكن لا يمكن ذلك ـ ولا حبّة خردل منه ـ تعليقا لفساد عقائدنا على وجود عرّافين أو مشعوذين أو كهنة أو كذبة دجّالين. إذ أنّ الفؤاد لا سلطان عليه إلاّ لمن يقلّبه سبحانه بين إصبعين من أصابعه. فلنذد على آخر قلاعنا وحصوننا ومرافئنا. إذ لو هزمنا هنا فهو الخسران المبين. ولا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق