أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

من لطائف العلامة محمد الطاهر ابن عاشور في مفهوم الفطرة

ابراهيم بالكيلاني

جعل العلامة ابن عاشور من وصف الفطرة “أسا جامعا لأصول كثيرة” خاصة في مجال نظام الاجتماع الإسلامي، فهو كما يذكر أجدى على الباحث من قواعد كثيرة. ويقرّر رحمه الله “أن جميع أصول الإسلام وقواعده تنفجر من ينبوع معنى الفطرة”، وأن حكمة الله تعالى من جعل دين الإسلام الفطرة “أنه لما أراد الله جعله دينا عاما لسائر البشر، دائما إلى انقضاء هذا العالم، جعله مساوقا للفطرة المتقررة في نفوس سائر البشر”.
والفطرة كما يعرّفها ابن عاشور هي “ما فطر أي ما خلق عليه الإنسان ظاهرا وباطنا، أي جسدا وعقلا، فسير الإنسان على رجليه فطرة جسدية، ومحاولة مشيه على اليدين خلاف الفطرة، وعمل الإنسان بيديه فطرة جسدية، ومحاولة عمله برجليه خلاف الفطرة. واستنتاج المسببات من أسبابها والنتائج من مقدماتها فطرة عقلية” ويمضي في هذا التدقيق فيقول” فوصف الإسلام بالفطرة لا يقصد به أنه الفطرة الظاهرية الجسدية، لأن الإسلام عقائد وتشريعات وكلها مدركة بالعقل” وهنا يقرر ” وإنما المقصود أنه الفطرة الباطنية العقلية”.ويعبر بِنَا ابن عاشور من خلال ذلك إلى حقيقة كلية فيها من الدرر ما لم تُفتح مغاليقها بعد، ويكفيه أنه منحنا مفتاحها، يقول رحمه الله ” هذا الوصف – ويقصد به الفطرة – العظيم صالح لأن يكون الأصل العام لفهم معاني التشريع والاستنباط منه، فهو أولى الأوصاف بأن يجعل أصلا جامعا لكليات الإسلام”.
وقد خطّ رحمه الله في كتابه ( أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) لطائف عديدة، بناها على الأصل الجامع لكليات الإسلام الفطرة. نجده يقول ” فإن كل فعل يحب العقلاء أن يتلبس به الناس، وأن يتعاملوا به فهو من الفطرة. وكل فعل يكرهون أن يقابلوا به ويشمئزون من مشاهدته وانتشاره فهو انحراف عن الفطرة”. ونجده أكثر وضوحا وحسما في جعل الفطرة الأصل الجامع، يقول” فإذا تعارض فعلان أو خاطران مما تقتضيه الفطرة، وجب اختيار أعرقهما في المعنى الفطري، أو أدومهما، أو أشيعهما في الناس، أو أليقهما بالاشاعة في البشر”، وهنا يتحدّث عن أحكام المعاملات. ويشير صراحة في هذا الجانب، أن الميل إلى الجمال فطرة، والميل إلى العدل فطرة، والميل إلى الاعتدال والتوسط فطرة، والحرية فطرة. وقوة الإسلام في هذا، فهو ” لا يسهل أن يضم الاسلام تحت جناحيه أمما مختلفة الحضارات والآراء والأخلاق والعادات في عصور مختلفة ما لم يكن مبنى أصوله على أساس واحد يجمعها وهو أساس الفطرة”. ولذلك نجده يقرر ويكرر أنه قد “كان حقا على المتفقهين في الدّين أن يلحظوا تطبيق هذا الأصل في مواقع الاستنباط، فإن شرائع الإسلام آيلة إليه، وملاحظته عون عظيم للفقيه عند التردّد أو التوقّف أو تعارض الأدلة”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق