اراءرأي رئيسي

مناهج التعامل الإسلامي في أوروبا

( إعتزال ـ حكمة الميزان ـ قوة )

عرضت سورة الكهف المكية مناهج ثلاثة متباينة يمكن لأي مجموعة مسلمة في الأرض الأخذ بها بحسب قراءتها وتقديرها وهي ( منهج الفرار والتحصن بالكهف ومنهج المعرفة بعلوم الأولويات والموازنات والترجيحات ومنهج الإصلاح بآلة الدولة والقوة ). هي مناهج ثلاثة متباينة معروضة في سورة واحدة بما يعني أن الأخذ بها يتحدد بحسب الإجتهاد إذ هي عمل تكافلي جماعي وليست مهمة فرد أو ثلة صغيرة وهي معروضة في سورة مكية بما يعني أن الوحي يجيب المسلمين في تلك الأيام عن سؤال تردد على الشفاه طويلا ولم يخفه القرآن الكريم نفسه إذ دعا الناس في مكة إلى البلاغ المبين والصبر الجميل ( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ) وحذرهم من إستخدام القوة كما يوحي ذلك بأنه يبشرهم بأنه يفتح عليهم عهدا جديدا في قابل الحياة يمكن أن يتأهلوا فيه لمعالجة الإصلاح بالسلطان والقوة أو بطريق العلم والمعرفة. ومن الطريف هنا على عادة القرآن الكريم في ترسيخ القيم التي يريد ترسيخها أنه جاء بتلك المناهج الثلاثة في شكل قصص حقيقية غابرة فمن قصة فتية الكهف إلى قصة موسى والعبد الصالح ثم إلى قصة ذي القرنين وذلك من شأنه أن يجعل لتلك المناهج المتباينة المعروضة مصداقية. تلك المناهج الثلاثة المعروضة لن تزال صالحة للناس في كل زمان وفي كل مكان ويظل إجتهادهم التقديري هو الفيصل في تحديد الزمان الذي يتنزل فيه هذا المنهج أو يتأخر فيه ذاك المنهج. من المعاني المهمة هنا كذلك هو أن الوحي لا يجعلنا متسولين يلقنون بل يعرض علينا المناهج أمثلة تاريخية حية ويجعلنا نحن الأقوم بمحاوراتنا الجماعية التكافلية على حسن تنزيل ذلك

منهج الفرار والإنعزال

هذا منهج صحيح عرضه القرآن الكريم وقد إحتاج إليه فتية من الإسرائيليين الذين أضناهم الصلف الروماني فلم يجدوا سبيلا آخر لحفظ هويتهم عدا الإنعزال والفرار إلى كهف برفقة كلبهم الوفيّ ثم كان ما كان من المعجرات الربانية التي أنزلها الله بهذه المناسبة. الذي يهمنا هنا هو أن هذا المنهج ممكن ويظل دوما معروضا إمكانية واردة عندما تتوفر شروطه وتستحيل الإمكانات الأخرى ذلك أن هذا المنهج هو منهج الضعفاء أو المستضعفين المقهورين المغلوبين عددا وعدة وليس حجة وبرهانا وهو منهج الأقلية القليلة جدا عندما يغلب على ظنها أن دينها في خطر داهم. السؤال الذي يهمنا هنا هو هل أن مسلمي أروبا اليوم في حاجة إلى هذا المنهج؟ لا أظن ذلك البتة. عدا أن ما يلوح بخاطري أن بعضا من مسلمي أروبا ينتهجون هذا المنهج ولكن بطريقة مختلفة إذ هو ينعزلون عن هموم المجتمع بل حتى عن هموم إخوانهم في الدين فلا يغشون مسجدا ولا يتكافلون على إنشاء مؤسسة ولا يتحاورون مع أناس ويقصرون عملهم على جمع المال ورعاية العائلة ماديا في أحسن الأحوال وقضاء ما بقي من أوقاتهم في المتعة أو تضييع الوقت غير آبهين بما يدور حولهم بل بما يدور عليهم وقد يحسنون الصياح من حين لآخر عندما يموت أحدهم فيلفى مشكلة في دفن ميته أو يشكوه ولده حالة في المدرسة أو غير ذلك مما يتعرض له مسلمو أروبا. هو منهج إذن مازال حيا في العقول ومزاولا في الحياة من لدن عدد يكثر أو يقل من مسلمي أوروبا وهو منهج الكهف الرمزي وفي غير حاجة أبدا إلى مثل هذا الكهف الذي يحشر بعضنا فيه نفسه

منهج العلم والمعرفة

هذا منهج آخر عرضته السورة نفسها وبهذا الترتيب أي منهج الكهف أوّلا ثم منهج العلم ثانيا ثم منهج ذي القرنين ثالثا. هو منهج لا يعبر عنه بدقة أنه منهج العلم والمعرفة. لا. هو منهج عنوانه : معرفة خير الخيرين وشر الشرين أي العلم بسبب التجربة والغريزة العقلية نفسها ـ وليس بسبب الدين في الحقيقة ـ بأي السبيلين يكون الأخذ وليس لتحقيق أكبر ما يمكن من المنافع والمصالح ولكن للفرار من أكثر ما يمكن من المفاسد والأضرار. هو منهج المقايسات والتمييزات والترجيحات والأفضليات والأسماء كثيرة وهي تحرر معنى واحدا هو أن الحياة الإجتماعية العامة بين الناس لا تتمحض للخير بالكلية ولا تتمحض للشر بالكلية ومن ذا زوّد الإنسان بملكة عقلية تؤهله للتمييز. من صور ذلك المنهج كما عرض في القرآن الكريم أن العبد الصالح الذي سمّي ( الخضر ) ولا يعنينا سواء صح الإسم أم لم يصح وهو يعلم نبي الله موسى عليه السلام لم يختر له التلقين الأعمى إنما إختار له تزويده بملكة عقلية تجمع بين الصبر على الفاجعات إلى حين إنجلاء بعض سحبها وإنقشاع بعض ضبابها من جهة وبين تبيّن حقائها وتفقه بطائنها أن يندفع المرء بغريزة دينية ظاهرها الإصلاح وباطنها الإفساد من جهة أخرى. ومن هنا علمه ـ وهو في الحقيقة يعلمنا نحن ـ فيما يتعلق بالسفينة أن المصلح الحقيقي يفرّ من منهاجين ممكنين عقلا ولكنهما مكلفين باهظين : أوّلهما منهج المضادة العلنية المفتوحة في وجه حاكم جائر مدجج بالسلاح لا يخاف في سبيل مجده لومة لائم إذ أن ذلك المنهج الثوري الأعمى سيأتي على الأخضر واليابس ويحرم أولئك المساكين من لقمة عيش ربما تطامن لهم من جوعة ملوعة. وثاني المنهجين هو منهج عدم الإهتمام بالناس والعناية بخويصة النفس إذ أن ذلك يجعل أولئك المساكين عرضة لقادمات أيام فيها من القهر الذي فيها. المنهج الوسط الذي سلكه العبد الصالح يعلمنا الله إياه هو منهج إستجماع ميزان المصالح والمفاسد وحسن قراءتها وحسن ترتيبها وإسناد ثمن أو سعر لكل منها وبعد نظر وتقدير وتدبر في المآلات يتضح أن المناخ السياسي في تلك الأيام يستوجب نبذ ذينك المنهجين السالفين ( الثورة العمياء والإستقالة السلبية ) والإقدام على منهج التمييز بين تلك المفاسد ليلفى ذلك العبد الصالح أن الأولى تقديرا والأصلح لأولئك المساكين هو إخضاعهم هم أنفسهم لمزيد من الخسارة المالية لتجنب ذهاب السفينة كلها إذ أن الملك الجائر الذي وراءهم يرقبهم وقد يحرمهم من آلة عيشهم بالكلية. وبمثل ذلك جرى مع قصة الجدار وليس غرضي هنا القصة إنما غرضي التذكير بأن أمّ العلم الذي أراد القرآن أن يعلمنا إياه من خلال هذين المشهدين هو علم التمييز بين المصالح والمفاسد أوّلا ثم العلم بالتمييز بين المفاسد نفسها لنختار في كل حال شبيهة المفسدة الأدنى ولا نعرض أنفسنا والناس معنا إلى مفسدة أعظم وذلك عندما تكون الموازين منخرمة لصالح دولة قاهرة. ذلك هو الموقف الشرعي أمّا العلم الشرعي بأن الإصلاح فريضة فهذا ليس مما يتميز به الناس لأنه معلوم من الدين بالضرورة بل معلوم قبل ذلك من الحياة بالضرورة. السؤال هو : هل أن مسلمي أوربا يسعهم هذا المنهج؟ أجل. فيما أظن وأعتقد. أجل. يسعنا هذا وخاصة في أروبا وخاصة في هذه السنوات والعقود وبصفة أخص أن الغالب هو المفسدة وليس المصلحة ومادمنا في الشطر الأسفل من الميزان وإعتداله فإن العلم كل العلم هو البحث عن أي سبيل تكون فيه درجة المفسدة أدنى

منهج القوة والقهر

هذا هو المنهج الثالث الذي عرضته هذه السورة المكية وهو منهج حقيقي جرى به العمل على يد ذي القرنين ذلك الرجل المؤمن القوي المتخصص في بناء القناطر والعليم بالسدود التي تحول دون المستضعفين ودون الذين لا يرقبون في الناس إلاّ ولا ذمة. الطريف الذي يريد القرآن الكريم أن يعلمنا إياه أن ذا القرنين هذا لم يفرق في بذل خيره وقوته بين مسلم وغير مسلم بل بذل قوته وخيره للناس حتى إلى أولئك الذين لا يكادون يفقهون قولا وهم كفار أو على ضلالة ما. هذا المنهج يتطلب من صاحبه أو أصحابه قوى مادية ومالية ومعرفية وعلمية وسلطانا إذ أن حماية تلك الشعوب التي كانت فريسة ليأجوج ومأجوج قبل ذلك ليس أمرا هينا يحصل بالدعاء فحسب أو بالعلم فحسب أو بالفرار إلى الكهوف فحسب بل هو عمل يتطلب الجمع بين المعارف الكونية والعلوم الطبيعية التجريبية وبين إرادة الخير وبين إيمان بالله واليوم الآخر كما لم يفت ذا القرنين أن يعلم الناس قيمة المشاركة في بناء ذلك الردم الذي يحميهم وذلك حتى يشعرهم أنهم إيجابيون وأنهم أصحاب القضية وأنهم ليسوا متسولين أو أصحاب أيدي سفلى وهو منهج تقوم عليه اليوم نظريات العمل الإغاثي إذ قال لهم ( أعينوني بقوة) وقد لا يكون بحاجة إلى إعانتهم ولا إلى قوتهم ولكن أراد الله أن يعلمنا من خلال ذلك أن صاحب اليد العليا إذا كان بإمكانه أن يجعل من اليد السفلي يدا عليا ولو بشيء بسيط فلا يقعد حتى يستأمن الناس أنفسهم على قضاياهم. منهج ذو القرنين هو منهج الدول المدججة بالمال والسلطان والقوة. السؤال هو : هل أن مسلمي أروبا اليوم في وارد الأخذ بهذا المنهج؟ نعم ولا في الآن نفسه. ذلك أنه بإمكانهم الأخذ بهذا المنهج من حيث العلم والمعرفة والتخصصات الكونية والتجريبية ولكن ليس في مستوى الدولة والسلطان

خلاصات

مناهج الإصلاح إذن لا يمكن حدّها ولا عدها ولا إحصاؤها إذ هي تختلف من زمان لآخر ومن مكان لآخر ولا ينفع معها عدا حسن التقدير للنفس وللمناخات هل تحتمل هذا المنهج أو ذاك. أمام الأمة اليوم وهي تعيش حالات الحصار من كل صوب وحدب وفي كل حقل تقريبا مناهج كثيرة أحصى القرآن الكريم منها على سبيل الذكر وليس الحصر ثلاثة. أما منهاج الإستقواء بالدولة والقوة والقهر لفرض الإصلاح فهو في العام الأغلب غير متوفر لأن الدولة العربية في المقام الأول بسبب التاريخ معول هدم للأمة كما قال بحق المفكر السوري الكبير برهان غليون في كتابه ( الدولة ضد الأمة ) عدا أن بعض المصلحين توجهوا إلى إصلاح الأوضاع بالدولة نفسها وذلك في أعقاب الثورة العربية المعاصرة وهو مسلك ممكن ولكن يحتاج إلى فقه عظيم وعلم دقيق وصبر أمرّ من الصبر نفسه. أما منهاج الإصلاح بالعلم والمعرفة وخاصة بإقامة موازين المصالح والمفاسد ودرجات التفاوت بينها في كل منهما وقراءة كل درجة وإمكانيتها وغير ذلك فهو منهاج ممكن بل هو الممكن الأكبر اليوم لأنه منهاج إجتماعي مجتمعي يمكن أن يفعل فعله دون أن تنتبه الدولة العربية الغاشمة لسريانه بل يمكن أن يكون من وطابها هي نفسها كما يمكن أن تتوخاه دول أوربية في مربعات معروفة عند أهلها وهو منهج يحتاج صبرا لم يقدر عليه نبي الله موسى عليه السلام نفسه ويحتاج فقها غزيرا وعلما واسعا وقراءة متأنية متدبرة متريثة للمآلات والأيلولات. أما منهاج الإنعزال فهو منهاج أضحى اليوم يتدحرج إلى الوراء ولم يعد صالحا إلا في بيئات قليلة منها بيئة الروهنقا مثلا أو بيئات أخرى لا نعلمها ولكنه منهج ممكن هو الآخر وله ثماره ولكنه على شاكلة أدنى درجات التغيير والإصلاح أي التغيير بالقلب الذي أخبر عنه نبي الأمة عليه السلام إذ قال أن التغيير بالقلب هو آخر درجة وهو أدنى درجات الإيمان

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق