أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

معركة بني المصطلق : مشاهد من خلق محمّد عليه السّلام وحكمته

في شهر شعبان يكون مناسبا أن نتدارس بعض ما وقع فيه من سيرة محمّد عليه السّــــــلام. في العام الخامس للهجرة بلغه عليه السّلام أنّ بني المصطلق (قبيلة في الأصل عربية من خزاعة) يحشدون جنودهم لغزو المدينة إنقلابا على الشّرعية الدّستورية التي أرساها عليه السّلام تراضيا بين كلّ الفرقاء هناك. كما يفعل الإنقلابيّون من الدّاخل والخارج في أيّامنا هذه. وما بالعهد من قدم كما قالت العرب. لم يتردّد عليه السّلام في المبادرة بشنّ هجوم إستباقيّ وقائيّ أن يحاصر ومن معه في المدينة. فباغتهم وهم في ماء يسمّى(ماء مريسيع) فنال منهم وأسّر. ممّن وقع في الأسر بنت مدلّلة نشأت في بيت عزّ وملك ورغد. وهي (جويرية) بنت سيّد القبيلة (الحارث). وجدت هذه المرأة ـ ذات الشّهامة والكرامة ـ نفسها بسبب حماقات قومها وغرورهم بين عشية وضحاها أسيرة. فعزّ عليها ذلك وكاتبت مولاها. ولكن ليس لها مال يكفي. إلى من تلتجئ وهي المرأة الأسيرة؟ صدق حدسها إذ توجّهت إلى من توسّمت فيه أن يكون مثابة لتحرير مثلها من الرقّ والأسر. رحّب بها عليه السّلام وحرّرها على أن يتزوّجها فقبلت. الذي يتوقّف هنا يظنّ به الظّنون. كما يفعل كثير منّا عندما نستمرئ الإبتسار والإجتزاء. وما إن شاع أنّه عليه السّلام صاهر القوم الذين أسراهم عنده بالمئات أو ربّما بالآلاف حتّى إنتفض فيهم ذلك الشّعور الدّينيّ الذي يوقّر أهل الفضل فبادروا بتحرير من في أيديهم من الأسرى. إذ لا يليق بأصهار نبيّهم عليه السّلام أن يكونوا أسرى. وما إن عاد الأسرى إلى قومهم منّا بلا فداء حتّى أسلموا. إذ أدركوا أنّ الذي همّوا بغزوه قبل أيّام ليس ملكا غاصبا يريد الدّنيا والأبّهات الفارغة الممجوجة. إنّما هو نبيّ يتّبع نهج أخيه سليمان إذ قال ـ والهدايا معروضة عليه تملأ الوهاد والنّجـاد ـ (فما آتاني الله خير ممّا آتاكم). وبذلك طويت المعركة ووضعت الحرب أوزارها بسبب حكمة محمّد عليه السّلام الذي ما تزوّج إمرأة قطّ عدا ـ خديجة بنت خويلد قبل أن يكون نبيّا ـ إلاّ مشروعا تحريريا أو إحتضانيا لأرملة أو زوج شهيد أو مرتدّ أو لكفالة أيتام أو لنسج علاقات أمن وسلم مع فرقاء الوطن الواحد أو لتوطيد علاقات الصّحبة مع أركان الإسلام الأوّل الكبار الذين سيخلفونه سياسة للدّنيا بعد موته بهذا الدين. ولذلك إختارت أقدار الرّحمان سبحانه قبل هذا بعقود أن ينشأ هذا النّبيّ يتيما الأبوين معا ليعرف ـ وهو طفل يافع صغيرـ أنّ سياسة النّاس بالرّفق والعطف والرّحمة والحلم سيما إذا كانوا في أوضاع ضعف وأسر هي الأليق بهذا الدين. أيّ فضل كانت الأقدار تخبّؤه لهذه المرأة المصطلقية؟ أليس هو القائل عليه السّلام (إرحموا عزيز قوم ذلّ). ماذا كانت ستكون هذه المرأة لو لم تأسر ولو لم يتزوّجها عليه السّلام؟ أليس إنتقلت من مغمورة لا شأن لها إلى متربّعة على عرش الإنسانية جمعاء قاطبة حتّى يوم القيامة؟ أليست هي بذلك الزّواج أمّ المؤمنين حتّى يوم القيامة؟ أي بركة لها ولزواجها إذ كان فاتحة خير على الأسرى وعلى قومها كلّهم أجمعين إذ تحرّر أسرى قومها وأسلم قومها؟ كان عليه السّلام يخطّط لمثل هذا مذ طلب يدها مهرا لتحريرها. ولكن مثل هذا لا يقال بادئ ذي بدء حتّى يرى النّاس أثره فيدركوا حقيقة هذا الدين وحقيقة نبيّه عليه السّلام. وقبل ذلك ماذا سيكون مصير المدينة ومن فيها من مسلمين وغير مسلمين لو هوّن عليه السّلام من شأن خصمه أو لاذ بالمدينة؟ أليس محقا وسحقا بلا هوادة لمن فيها؟ أليس كذلك يفعل الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزّة أهلها أذلّة؟ الإسلام ونبيّ الإسلام هو وحده ـ ومن على إثره مخلصا ـ من يدخل القرى لعمارتها وليس لإفسادها. وهو وحده من يجعل أهلها أعزّة لا أذلّة. بل هو من ينقلهم بفضله وحده سبحانه من الذلّة إلى العزّة. أيّ شعور عند الصّحابة الكرام؟ لو إحتفظوا بأسراهم لكان حقّهم. ولكنّهم يفضلون العالمين بأنّهم لا يقفون عند الحلال والحرام فحسب. إنّما نفذت إلى أفئدتهم غرائز أخرى جديدة بثّها هذا الدين فيهم. وهي غرائز الذّوق السّليم. الذّوق يأبى عليهم أسر أصهار نبيّهم عليه السّلام. هو ذوق دينيّ فحسب. وليس هو من باب الحرام. هذا هو الذي فضلوا به العالمين من أهل التديّن الظّاهريّ البارد. كأنّه نظام ميكانيكيّ جافّ. وخلاصة القول أنّه عليه السّلام بخلقه العظيم من جانب وبحكمته البالغة من جانب آخر يرتدّ النّاس إليه وإلى دينه زرافات ووحدانا حتّى لو كانوا قبل قليل أهل بغضاء له. أمّا القوّة العمياء وحدها فلا تورّث عدا عمى من فوقه عمى. إذ كان له أن يبقي على الأسرى ويخضّد شوكتهم تخضيدا. ولكن لن تكون الحصيلة إلاّ نفورا من هذا الدين. هي عبر عظمى ودروس كبرى. هل نلتقطها نحن اليوم أم تظلّ روايات تشنّف الآذان والأفئدة فارغة لاهية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى