اراءرأي رئيسي

معا لنهدم أسوار الوهم

انتهيت من هذا المقال منذ شهر ونصف وتأخرت في نشره لاكتمال أفكاره، ولمَّا تكتمل بَعْد، وقد رأيت نشره الآن بعد مذبحة المحرابين بنيوزلندا الجمعة 15 مارس، التي أوجعت ضمير الكون، وطاردت كل حُر في صحوه ونومه.

قال لي صاحبي يوما إنني أحزم أمتعتي من أجل مغادرة ألمانيا، قلت لماذا؟ هل وجدت فرصة عمل أفضل؟ هل هناك خطر حقيقي تشعر به على نفسك وأولادك؟

قال نعم هناك خطر!

قلت ما هو؟ قال: لا مستقبل لنا في هذه البلاد، سنُطرد منها كما طُرد المسلمون من الأندلس من قبل، وقد كانوا فاتحوها.

قلت: إن غادرتَ أنت وانا وغيرنا فكيف بملايين المسلمين الذين لا يعرفون وطنا آخر غير بلادهم هذه؟ فأين يذهبون؟ ولمن يذهبون وهم لا يملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟

قال: ألا ترى صعود اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية كالطوفان؟  ألم تقرأ تصريحاتهم ألا تعلم أجندتهم وخطتهم؟ إن المسلمين في مرمى أهدافهم.

قلتُ نعم أعلم وأسمع وأرى ما يبعث على القلق والخوف، وما سلسلة الاعتداءات على المسلمين في الغرب إلا من حصائد ألسنتهم وما عملته أيديهم.. لكن لماذا نرى كل هذه الجوانب شديدة العتمة ونغفل عن جوانب أخرى تُكَفْكِف قليلا من كل هذا الذعر؟! لماذا ننظر لكل هذه التحديات ونغفل عن الفرص المتاحة أمامنا؟ لماذا نهرب من مغالبة القدر بالقدر؟

إننا نختلف في مدى طاقتنا وقوة احتمالنا وأنواع شخصياتنا وأمزجتنا، كما نختلف في معرفتنا بالواقع وتفاصيله وتعقيداته، وقراءتنا للتاريخ والتغيرات والتقلبات السياسية وفهمنا للسنن الكونية

إن نور الصبح ينفلق مسراه من رحم الظلام، ولقد مرَّت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام وشهور وسنوات شديدة الوطأة، عظيمة التكاليف، كثيرة الابتلاءات، وفي اليوم الذي عاد فيه من رحلة الطائف وهو مجروح القلب والبدن، فتح الله لدعوته عالما آخر غير دنيا الإنسان، فإذا وفدٌ من الجن أشرقت نفوسهم بنور الإسلام، وانشرحت صدورهم لهدى القرآن فأجابوا داعي الله، وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.  وتلك رسالة لكل مؤمن صابر، ثابت على الحق، أنَّ مفاتيح الغيب عند ربنا الرحمن، فإن ضاقت بنا الحياة يوما، واشتدت بنا الأزمات، وضاقت علينا حلَقاتها ففارج شِدَّتها، وكاشف غُمَّتها، ومكور الليل على النهار هو الله جلَّ في علاه، وما أغُلق باب إلا فُتح ألف باب.

بيْد أنني قلت: إن أمثال صاحبي في أوروبا كُثر، وألتمس لهم العذر – ولستُ أفضل منهم حالاً – فلكل إنسان تجاربه وأحواله وتحليلاته وتفسيراته، وإننا نختلف في مدى طاقتنا وقوة احتمالنا وأنواع شخصياتنا وأمزجتنا، وهذا ينعكس لا ريب على آرائنا، ومواقفنا، كما نختلف في معرفتنا بالواقع وتفاصيله وتعقيداته، وقراءتنا للتاريخ والتغيرات والتقلبات السياسية وفهمنا للسنن الكونية والاجتماعية.

فلنهدم أسوار الوهم

“ما قادك شيء مثل الوهم” حكمة بالغة جاد بها الإمام ابن عطاء الله السكندري – رحمه الله تعالى، فما علاقتها بموضوعنا؟ تتجلى تلك الحكمة في حياة مسلمي أوروبا في ظل الظروف الصعبة التي يمرون بها، فكثرة السهام المُصوَّبة عليهم من كل جانب حبستنا -في كثير من الأحيان – داخل أسوار منيعة من الوهم وسوء الظنون منها:

أن كراهية الإسلام والمسلمين تجتاح المجتمعات الأوروبية قاطبة. نعم، هناك تصاعد في كراهية الإسلام والمسلمين فيما يُعرف بالإسلاموفوبيا وقد تفاقمت الكراهية إلى مدى خطير عندما تحولت إلى التصفية الجسدية المباشرة ووصلت الذروة في مذبحة المسجدين، ويكمن الوهم هنا في التعاطي مع الظاهرة على أنها داخل كل شارع وبيت.

– من الوهم أن نعتقد أن كل مَن حولنا يكرهوننا.

– من الوهم أن نظن أن أغلب الأوروبيين يعرفون الإسلام والمسلمين.

– من الوهم أن نظن أنهم لن يسمعوننا بعقل مفتوح.

– من الوهم أن نستخف بقدراتنا ومواهبنا وأن ليس عندنا ما نقدمه للمجتمعات الإنسانية.

– من الوهم أن نرى أن لا أمل في تحقيق تعايش سلمي داخل المجتمع الأوروبي.

– من الوهم أن نحقق أهدافنا دون مراجعة للنفس وتمحيص للأفكار وبذل الجهود والأوقات وإصلاح النفس.

إلى مسلمي أوروبا

اخرجوا للناس، تحدثوا معهم، ناقشوهم، أروهم من أنفسكم عقولا واعية، وألسنة بالحكمة ناطقة، وقلوبا بالمحبة عامرة، وأيادٍ بالخير ناشرة، ورغبة في العيش المشترك صادقة، سترون ساعتها كم حبستنا أوهامنا، وحجبت عن أبصارنا معادن الناس وجوهرها الأصيل، وفطرتها القريبة لنداء التسامح والمودة والسلام. وماذا نفعل مع من يكرهوننا ويستعدون علينا الجماهير؟

علينا أن نهتدى بالقرآن في تعاملنا مع الخصوم والكارهين لنا عن علم أو جهل، فإن كان لهم فيما يدعون من حق فلا نفارق ساعتها مبدأ النُّصفة والقيام لله بالقسط من أنفسنا قيد أنملة امتثالا لكلام ربنا جل وعلا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم فنقر لهم ما يدَّعون. “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135) (النساء).

لا بد أن نتعلم ونتدرب على كسب الجماهير نحو الحقيقة، ولا نتركهم فريسة لشياطين الإنس والجن يغتالون عقلوهم ويُشوهون فطرتهم

وإن كان باطلا فنرده بالحكمة والجدال بالتي هي أحسن ولا نيأس من أحد أبدا ولا نغلق بابا بيننا وبين من يسيء بنا الظنون وتعمل في نفسه الأوهام والأراجيف، ونمتثل قول الله تعالى: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) (المؤمنون) “وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) (فصلت).

ولا يعنى هذا قبول الظلم والرضا بالهوان، فللفرد منهج في التعامل وللدولة والمؤسسات التي تمثل المسلمين لها وسائل أخرى في التعامل مع الأحداث والاعتداءات منها: الحقوقية والإعلامية والسياسية، وفق منهج الحكمة والنظر السديد.

سياسة طَرْق الأبواب سُنَّة نبوية

رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف على القبائل في مواسم الحج يعرف بنفسه ورسالته ويوضح للناس معالم دعوته في أجلى صورة وأنصع بيان، ولم يزده إعراض من تولى عن ذكر ربه إلا إصرارا على الطريق، ولا غيَّرت أساليب المشركين في مجابهة الإسلام منهجه المتوسل بمنطق الحكمة ولين الخطاب، ولا أضعف همته ولا ألان عزيمته الرصيد الوافر من الكراهية الكامنة عند جماهير قريش.

علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصنع الأمل ونحقق الآمال، وقد تواترت وقائع شتى من سيرته الزاخرة بأن كل ضيق معه الفرج القريب الواسع. وفي هجرته الشريفة لم يضيع فرصة في هداية كل حائر وإنارة الطريق لكل تائه وقد سجلت كل السير إسلام رجال ونساء وقد لحقوا به بعد ذلك في المدينة مبايعين. إن المعركة الكبيرة التي خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي معركة كسب العقول بالحجة والبرهان، وأسر القلوب بالبر والاحسان، وتزكية النفوس بأنوار القرآن.

الفرص المتاحة أكبر من التحديات.. لماذا؟

لأننا نؤمن أن الله تعالى أمرنا وكلَّفنا طاقتنا ووسعنا، ومن ذلك أننا نستطيع أن نغير كثيرا من القناعات السلبية عن المسلمين في أوروبا، ونستطيع أن ندخل في حوارات ناجحة مع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ونقدر على إقامة علاقات متميزة مع مَنْ حولنا من الناس على اختلاف مستوياتهم، ويمكن أن نؤثر تأثيرا كبيرا في صناعة الرأي العام نحو ترسيخ قيم العدل والحريات والمساواة والإخاء، كما نستطيع أن نقدم الكثير لمجتمعاتنا في الجانب القيمي والروحي والأخلاقي والاجتماعي، وكذلك في الجانب المادي العلمي المعرفي. يمكن أن نحقق ذلك متى ملكنا الإرادة والعزيمة، والفهم المشرق الواسع، والرؤية الدقيقة والتواصل الدائم مع كل متطلع للخير الجامع، والعمل النافع.

صناعة الأصدقاء وتحييد الأعداء

إن أكثر الناس في الأرض يريدون السلام والحياة الآمنة ويبحثون عن فرص للاستمتاع بحياتهم بعيدا عن الصراعات الدينية والحزبية والسياسية، وهؤلاء دوما هم مجال التنافس الشديد لتغيير قناعاتهم وتوجهاتهم، وهم مع من غَلَب، فمن يملك قدرات كبيرة وإمكانات واسعة فكريا وماديا يستطيع أن ينقلهم من دائرة الحياد إلى التوجه الخاص. لهذا كانت وجهة الأنبياء دوما نحو الجماهير وكان غاية الرسول صلى الله عليه وسلم “خَلُّوا بيني وبين الناس”.

لا بد أن نتعلم ونتدرب على كسب الجماهير نحو الحقيقة، ولا نتركهم فريسة لشياطين الإنس والجن يغتالون عقلوهم ويُشوهون فطرتهم. إن الحق في الأرض أصيل، والباطل وإن علا يوما دخيل، والشمس وإن حجبت السحب عن الأبصار أشعتها فإن نورها في الآفاق منتشر، والسماء وإن زحمتها الغيوم، فإن رياحا الأمل يرسلها الله.. والكرب لايدوم.

سنواجه صنَّاع الخوف، والكراهية واليأس ومَن يسعون في الأرض فسادا. وكلَّما اجتهدوا في صناعة الخوف، سنجهد أنفسنا في بث الطمأنينة والأمان في القلوب. مَن يسعى ليملأ الأرض ظلما، فإننا نسعى لنملأها حقا وعدلا، من يستكثر من زراعة الأشواك، فإننا سنجود بغرس الورد والرياحين، من يقصد الفرقة والشقاق، فإننا ننشر المحبة في الآفاق، من يسلب من الروح إشراقها سنعيد إليها أشواقها. هذا ديننا وتلك رسالتنا وغايتنا. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) (العنكبوت)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق