اراءاهم الاخباررأي رئيسي

مشاهد من زيارة الإمام محمد الخضر حسين إلى برلين

ابراهيم بالكيلاني (النرويج)

زار العلامة محمد الخضر حسبن برلين مرتين: الأولى استغرقت تسعة أشهر(1917)، والثانية سبعة أشهر(1918). ويذكر علي الرضا الحسيني غرض هذه الزيارات ” كانت رحلته لأداء مهمة وطنية جليلة، فقد جندت فرنسا مئات الآلاف من المغاربة: تونسيين وجزائريين ومراكشيين، وألقت بهم في الخنادق الأولى من المعارك التي خاضتها ضد ألمانيا. وكان الإمام يقوم بالاتصال اليومي مع الأسرى، ويحرضهم على الثورة ضد الفرنسيين..”. كانت الزيارة في إطار مهمة ليست بعيدة عن الدولة العثمانية التي كانت حليفة لألمانيا، والزيارة كانت لغرض التواصل مع أسرى المغرب العربي الذين كانوا مع الجيش الفرنسي وتم أسرهم من ألمانيا، وبلغ عدد الأسرى ككل بما فيهم أسرى المغرب العربي في تلك الفترة ما يقارب 15 ألف أسيرا. وقام الشيخ بمهمة إقناع أسرى المغرب العربي إلى توجيه بنادقهم نحو الاستعمار الفرنسي عوض أن يكونوا في صفه، وقد نجح الشيخ بقدر في مهمته وعاد مع بعض المجاهدين على متن باخرة أرست بميناء بيروت عام 1337هجري ودامت الرحلة تقريبا 20 يوما وخلّدها الشيخ بقصيدة شعرية.
وقد شارك الشيخ محمد الخضر حسين في افتتاح (مسجد الأسرى) ببرلين مع سفير الدولة العلية (محمود مختار باشا)، وقد ألقى الشيخ كلمة في حفل افتتاح المسجد في غرة رمضان 1333 هجري. وكان الشيخ حكيما في خطابه، فذكّر بما تزدهر به سياسة الحكومات، ويبتهج فيه الشعب لتصرفاتها، عندما تتأسس تلك السياسة على ثلاثة مبادئ:
1. استسهال الأعمال الجبارة والإقدام عليها دون الالتفات إلى الأخطار التي قد تنجر عن ذلك.
2. جمع اللين إلى الحزم، والطيبة إلى الشدة.
3. منح الناس الحرية المطلقة.
ويقول ” لا تزدهر سياسة أية حكومة إلا بقدر ما ترتكز على هذه المبادئ”. ومما يلاحظ في هذا الخطاب أنه كان سياسيا بامتياز، فمن حكمة الشيخ أنه لم ينجر إلى خطاب ديني في هذه المناسبة، وركّز على البعد السياسي للخطوة الألمانية، ولم يفوّت الشيخ الفرصة من التعريض المباشر بفرنسا، مستحضرا دائما غرض زيارته، فقال” إذا كان إخواننا الجزائريون يذكرون أن فرنسا استولت على جامع الباي صالح بقسنطينة وعلى الجامع الكبير في عنابة، واتخذت منهما ثكنتين لعساكرها، فإنهم سيفهمون الفارق بين حكومة تشيد لهم، في عقرها، مسجدا جميلا وبين أخرى همهما القضاء على الإسلام وبيوت العبادة فيه”. فقد كانت لفتة سياسي حكيم، وعينه دائما على تغيير ميل الأسرى ليوجّهوا بنادقهم نحو فرنسا.
وقد دوّن الشيخ ملاحظات دقيقة حول المجتمع الالماني، وتدويناته تدل على عمق نظره وإحاطتها بدقائق المجتمع ” يُعرف الألماني بمتانة العزم وقلة الانقياد لخواطر اليأس، وكنت طالعت مقالات لبعض أعدائهم الذين لا يثبتون لهم الذكاء الفائق وسرعة الوصول إلى الدقائق، فرأيتهم يسلمون لهم طبيعة احتمال الشدائد والثبات على الأعمال إلى أن يحرزوا فيها نتيجة، حتى جعلوا مقدرتهم العلمية أو ما يظهر على أيديهم من المخترعات، إنما ناشئ عن التجلّد والمثابرة على السعي والتجربة”.
وفي رصده للحياة الاجتماعية يقول “استحكمت بينهم روابط الوفاق والمسالمة، حتى أني أقمت ستة أشهر في برلين، وثلاثة أشهر في قرية في ضواحيها، ولم ألحظ مشاجرة، ولو بين صبيين أو امرأتين. فعدم ملاحظة الغريب لمثل هذا في مدة واسعة، يشعر بقلة المنازعات العدوانية فيما بينهم”.
وتحدّث عن لغتهم مشيرا إلى أن ” خواص هذا اللسان أن يضع المتكلم أداة التعريف، ويذكر عقبها أوصاف المعرّف مفردا وجملا، ثم يأتي بالاسم المعرّف من بعدها، وربما اشتملت تلك الجمل المتوسطة على أدوات تعريف ومعرفاتها، ويماثل هذا أن لهم أفعالا كثيرة تتركب مع كلمتين،وتدل على معنى واحد، فيأتي شطر الفعل في صدر الجملة، وتلقى القطعة الثانية في آخرها، وقد يفصل بين القطعتين بما ينوف على عشر كلمات”.
وفي مجال الخطابة يشير إلى عادة الخطباء الألمان بأنهم لا يشيرون بأيديهم كثيرا حالة الخطبة ويقول “بل سمعت منهم من ينكر ذلك الصنيع”. وأشار في مشاهده إلى (بسمارك) وقول بعضهم الشعر ارتجالا. أما عن موسيقاهم فيقول بأن الألمان “اقتبسوا أنغامهم الموسيقية وتلاحينهم من الأوضاع الانكليزية، وقد هموا هذه الآونة أن يهجروها”.
وعموما تشهد مشاهد زيارته أنه كان سياسيا حكيما، وناظرا في عادات وسلوك المجتمع، محاولا فهمه، والاستفادة من مظاهر قوته، كخصيصة المثابرة وقوّة التحمّل، والانضباط الاداري، وقلة المنازعات العدوانية، والأسلوب الأدبي الاقتصادي..فهي مشاهد غير عادية، من إنسان غير عادي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق