أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

مسلمو أوروبا وشموليّة الإسلام

هاتفني قبل أيّام قليلة إطار قياديّ في منظّمة ألمانيّة إسلاميّة عريقة معروفة سائلا عن الملاءمة بين مبدإ الشّموليّة في الإسلام (أفضّل إستخدام صفة الجماع) وما يؤسّسه ذلك من حرج لمسلمي أوروبا. مخّ سؤاله هو : هل كتب في هذا الموضوع شيء؟ لمست من السّائل ـ وهو شابّ نشيط ومثقّف وأعرفه كلّ المعرفة ـ أنّه ـ بسبب أنّه عامل فوق الميدان ـ وليس متفرّجا ـ يتعرّض في هذا الأمر لما يمكن أن يتعرّض إليه مثله في ضوء شدّة الطّلب على الإسلام في أوروبا سواء بغرض اللّغو فيه أو بغرض الفهم. لا ريب في أنّ الإسلام في أوروبا كثير عليه الطّلب للغرضين معا. ومن ذا فإنّ العرض ما ينبغي إلاّ أن يكون في مستوى الطّلب. ناموسا تجاريّا يجري على الفكرة سواء بسواء

لم يسبق لي أن قرأت لمن كتب عن هذا شيئا. إذ ظلّت الكتابات والإجتهادات تلامس في الأعمّ الأغلب دفع الضّروات وتلبية الحاجات ذات المنزع الإستهلاكيّ من مآكل ومشارب وملابس ومعاملات ماليّة. وغير ذلك ممّا هو من صميم فقه الأقليّات من النّاحية العمليّة. أو من ناحية التقدّم بهذا الوجود الأوروبيّ المسلم خطوات نحو تفعيل المواطنة والمشاركة والإقلاع بالكليّة عن سفوح الجلاء ( نسبة إلى التعبير المهيمن أي جالية). ومن ذا تعزّ المقاربات ذات الطّابع الفكريّ من مثل قضيّة الشّموليّة

منشأ الصّفة الشّموليّة حديثا

معرفة المناشئ مطلقا مهمّ جدّا. برزت صفة الشّموليّة في العقود الأخيرة في الكتابات الإسلاميّة بسبب قيامها على مقاومة الفكرة العلمانيّة القائمة على نزع الهمّ الإسلاميّ عن بعض جوانب الحياة العمليّة ذات الطّابع الجماعيّ. من مثل السّياسة والمال والعلاقات الدّاخليّة بين الدّولة والنّاس أو بين الدّولة والمجموعات البشريّة الأخرى. أختير لهذه الخصيصة العقديّة الرّاسخة في الإسلام صفة الشّموليّة. ولا مشاحّة في الإصطلاح لولا أنّ هذا التعبير يحيل أهل النّظر والعمل إلى سوء تلك الصّفة التي تقمّصتها التجربة الشّيوعيّة فآلت بها إلى المهاوي. لو تخيّرنا عبارة أيسر وأدنى إلى الوحي لقلنا : الصّفة التوحيديّة. عزوا إلى قوله سبحانه ( قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين لا شريك له). أي توحيد الحياة كلّها لله ربّ العالمين سبحانه. ذلك أنّ توحيد الله إعتقادا يقتضي ضرورة توحيد الحياة وصهرها في تلك البوتقة ذاتها. ولكن لا مشاحّة في المصطلح. والإلتقاء مع الآخر في مثل هذا لا يضير عاقلا. من ذا وقع الطّرق بقوّة في العقود الأخيرة في الكتابات على خصيصة الشّموليّة ولكن يظنّ الذين لا يوقنون أنّ ذلك من إختراع ( الإخوان المسلمين) وما هو بذاك

الجماع خصيصة فكريّة وليست بالضّرورة عمليّة

من أمارات العلم بالدّين التمييز بين ما يتّصل بالإعتقاديّات وما يتّصل بالعمليّات. ذلك أنّ الأمرين متجاورين متكافلين. ولكن بينهما تمايز هنا وتوحيد هناك. من حرم ملكة التمييز فقد أصيب بالعمى الفكريّ. جماع الإسلام خصيصة عقديّة فكريّة ثقافيّة فلسفيّة يحملها المسلم في رأسه منزعا. عدا أنّه ليس مكلّفا بتنزيل ذلك عندما لا يتاح له ذلك. من يقرأ قصّة القرآن الكريم في النّبوّات السّالفة يلمس بجلاء أنّ أكثرهم لم يتجاوز المنطقة العقديّة. يردّ على هذا ـ عدا عند من كان ملكا رسولا من مثل داوود وإبنه ـ أنّ ذلك هو مقتضى الرّسالة السّالفة. هذا صحيح. ولكن لم يتوان الإسلام في مصدريه في بيان أنّه لا تكليف إلاّ بقدرة وتمام إستطاعة. حتّى التّغيير نفسه إصلاحا لا يكون مشروعا حتّى يأمن وضعا يآل إليه فيكون أدنى إلى قيم الإسلام من الوضع السّالف. ومن ذا فإنّ الإيمان بجماع الإسلام عقيدة شيء يحاسب عنه المرء يوم القيامة. ولكنّه لا يحاسب على تنزيل ذلك إلاّ بقدر تؤهّله لذلك. سيما أنّ مقارعة تنزيل الإسلام في الحياة العامّة ـ وخاصّة في وغى السّياسة وحرب المال والإستئثار بالقوّة ـ لا تكون إلاّ بتكافل بين النّاس وبتوفّر ملابسات معروفة. ولا يكون ذلك متاحا دوما. لو كان ذلك غير كذلك لقلنا بإثم الأمّة كلّها جمعاء قاطبة منذ نزعت في جملتها العامّة إلى طاعة دولة ليس لها من الشّرعية السّياسيّة حبّة خردل. ذلك يعني أنّ الأمّة في حالة عصيان من الوزن الثّقيل منذ أزيد من ثلاثة عشر قرنا كاملات. طبعا لا يقول بذلك عاقل بسبب عدم توفّر عنصر التكافل المطلوب لتنفيذ جماع الإسلام في حقل الدّولة والسّلطان والمال وغير ذلك

عدم القدرة على تنفيذ الجماع لا يعني الإعتراف بالعلمانيّة

الآن ندخل في معالجة الموضوع. معلوم أنّ الله سبحانه بسط إلينا في شأن الحقّ إمكانيات ثلاثة. أوّلها ـ وهي درجة الإحسان العظمى ـ قول الحقّ وتنزيله معا. ثانيا درجة لزوم الصّمت تقديرا للتّوازنات والأولويّات ترجيحا للمصالح والمفاسد. وهي درجة معروفة في الدّين والحياة معا. ثالثا درجة الإنقلاب أي قول الباطل أو فعله. بسط الله ذلك مراعاة لضعف النّاس وعدم توفّر عناصر القوّة في كلّ مرّة فردا وجماعة. ولكنّه في الآن نفسه أخبرنا أنّه يقبل منّا ـ على إختلاف في درجاتنا العلميّة والعمليّة معا ـ الدرجة الأولى والدّرجة الثانية و (كلاّ وعد الحسنى). أمّا الدّرجة الثّالثة فلا عذر لمسلم أن يطأها إلاّ فردا ـ وليس جماعة ـ وفي حالات إستثنائيّة يندر حدوثها. ذلك يعنيّ أنّ عدم قدرتنا اليوم ـ في الأمّة كلّها وليس في أوروبا فحسب ـ على تنزيل جماع الإسلام لا يبيح بأيّ حال من الأحوال إضفاء الشّرعيّة الدّينيّة على العلمانيّة أو أيّ نقيض من نواقض خصيصة الجماع في الإعتقاد الإسلاميّ. يسعنا الصّمت هنا كرها

خصوصيّة الوجود الأوروبيّ المسلم

قطعنا في معالجة الموضوع خطوة عنوانها الإحتفاظ بخصائص الإعتقاد الإسلاميّ في الصّدور نقيّة رقراقة. ولا يكلّف المرء ذلك شيئا بسبب أنّه فكرة في الرّأس وليس عملا فوق الأرض. سيما أنّه ليس هناك فوق الأرض ما ينقضها لمن يريد حفظ تديّنه. الخطوة الأخرى هي الحاسمة. عنوانها هو أنّ الإعتراف من الوجود الأوروبيّ المسلم بالنّظام الأوروبيّ ـ وهو علمانيّ ذو نكهة مسيحيّة في الأعمّ الأغلب ـ إعترافا باللّسان والقلم سيما ممّن هم في مواقع الصّدارة والفعل لا يدحض عقيدة ولا يفسد دينا. وذلك بسبب إزدواجيّة الولاء منّا والإنتماء. تشوّش على هذا قالات قديمة الأصل جديدة الإخراج من مثل (الولاء والبراء). ولكنّ التّحقيق العلميّ يثبت أنّه تشويش أو جهل. هنا يحتاج المرء إلى عقل مركّب وليس أحاديّ. وإلى أفق أوسع يستوعب جديدات المكان والزّمان. وما حصره الفقهاء منذ القديم في قولهم أنّه لا ينكر تغيّر الأحكام الظّنيّة والفتاوى بتغيّر الموجبات. تعالج هذه القضية بأمور منها : الفرار من هذه المربّعات حوارا سيما من أهل الفعل وليس من الجموع الرّاكنة في خنادق الفرجة وهي مربّعات عادة ما لا وجود لها في الحوارات الرّسميّة. ومنها كذلك إستلال مناطق اللّقاء بين العلمانيّة في صورتها الأولى (أي إتاحة الحرّية للنّاس كلّهم لإختيار الدّين بدون أيّ وصاية) وبين الإسلام. هذه المربّعات متاحة بيسر وكثرة للمشتغلين في الكتابات والحوارات الفكريّة والثّقافية وغير ذلك. المقصود من هذا هو تبديد الفكرة الغربيّة المؤسّسة على أنّ الإسلام ينحر الحرّيات الفرديّة أو الجماعيّة. أو يجور على حقوق المرأة. وذلك من خلال إستلال مشاهد لا تحصى ولا تعدّ من الوحي المعصوم نفسه ومن تطبيقات أخرى في التّاريخ مضيئة. لا ريب في أنّ المشتغلين من الغربيين بهذا يتذوّقون هذا ويعونه. وربّما كان ذلك سببا من أقوى أسباب إسلام رموز سياسيّة وفكريّة عظمى وكبرى في الزّمن الغابر. وفي كلّ الأحوال فإنّ التصريح ما ينبغي أن يتأخّر من لدن الحاملين لألوية الحوار والفاعلين أنّ إعترافنا بالنّظام العلمانيّ للدّولة الأوروبيّة ـ أي للدّستور بمختلف قيمه وفي فلسفته العامّة الإجماليّة ـ هو إعتراف مبدئيّ أصيل. وهو سليل صفتنا. أي صفة المواطنة أداء للواجبات وإستمتاعا بالحقوق. ذلك من حيث المبدأ وفاء شرعيّا إسلاميّا لعهد المواطنة. وليس كما يفهمه المتفرّجون أي نفاقا أو تقيّة (شيعيّة) سحتا. أو غير ذلك من الإعتبارات الفاسدة. وذلك لا يعني المساهمة في إنتاج النّقود ضدّ هذا النّموذج الحضاريّ أو ذاك. إذ أنّ ذلك النّظام يلقى مثل ذلك من أهله أنفسهم. ولكن من داخله وليس من خارجه. وبغرض الإصلاح وليس بغرض الإنقلاب. وتحت سقف الإعتراف المبدئيّ. لو كان ذلك غير كذلك ألا تسأل نفسك لم رضي عليه السّلام بالنّظام الجاهليّ العربيّ القرشيّ ظلاّ يتحرّك تحت سقفه وترجم ذلك بشكل فاقع عندما ظلّ عليه السّلام سنوات عديدات تحت حماية عمّه أبي طالب. وهو يعلم أنّ عمّه مشرك. وأنّه يحميه عصبة وليس إخلاصا لله. لم رضي بذلك؟ لا يسعف المرء سوى أن يقول أنّ رضاه بذلك السّقف كان هو الخيار الوحيد المتاح لإبلاغ دعوته. أظنّ أنّ مقارنة بسيطة بين النّظام العربيّ الجاهليّ وبين النّظام العلمانيّ المسيحيّ في أوروبا يسعفك القول أنّ الأخير منهما أقلّ سوء بكثير. تلك هي الحياة في أبعادها العامّة ـ وليس الخاصّة ـ لا تخلص بخير إلاّ وفيه شرّ ولا تخلص بشرّ إلاّ وفيه خير. ومن ذا وجب التمييز

خلاصة

لا أجد أيّ تعارض بين إعتقادي في رأسي أنّ الإسلام دين جامع وبين إعترافي بالنّظام العلمانيّ الأوروبيّ بسبب مواطنتي ـ وليس بسبب آخر ـ. ذلك أنّ عقيدتي شيء. وأنّ ما يمكن تنزيله منها شيء آخر. ذلك أنّي مزدوج الولاء والإنتماء. وعليّ إسناد كلّ ولاء حقّه منّي. إعترافي بذلك لا يعني إعترافي بالعلمانية فكرة. إذ هو إعتراف إجرائيّ يأمرني به ديني ذاته وفاء بالعهد وبثّا للسّلم. وضعي هو وضع مسلمي الحبشة بالتّمام والكمال. أو هو وضعه هو نفسه عليه السّلام من بعد صلح الحديبيّة. إذ أكره وفاء بالعهد على ردّ مسلمين إلى قريش تفتنهما وهما : أبي جندل وأبي بصير. ألا ترى أنّه عليه السّلام في الحالين لزم طاعة ربّه عقيدة من جهة. والوفاء بعهده مع المشركين طاعة لربّه كذلك من جهة أخرى؟ ومن ذا تظلّ (شموليّة) ديني مواطنة أوروبيّة عقيدة فحسب. وليس تنزيلا فوق الأرض. وذلك لا يضير ديني بالتّجربة وليس دعوى فارغة. إلاّ إذا وضعت في حسابي منذ البداية أنّه عليّ أن أسلم هذه البلاد لربّ العباد مستخفّا بنظام أهلها. لا. ليس ذلك من الإسلام. ألا ترى أنّه عليه السّلام لم يقل للملوك الذين بعث إليهم برسله وكتبه مختومة : أسلموا وإلاّ جئتكم بجيش جرّار أوّله عندي وآخره عندكم. لا. قال لهم : أسلموا تسلموا ـ أي دعوة بالحسنى ـ فإن أبيتم ـ أي خيّرهم ولم يكرههم ـ فإنّ عليكم إثم الأريسيين. أي الفلاّحين الذين تكرهونهم على دينكم. ذلك يعني أنّه طالب بحقّه وبكلّ لطف ورفق في الدّعوة. وليس بحقّه في نسف ذلك النّظام. عدا أنّ ما وقر فينا أرسب فسادا وأركم جهلا ممّا هو في القرآن والسنّة. ألا يتيح لك هذا النّظام العلمانيّ أضعاف ما يتيحه لك النّظام ( الإسلاميّ ) نفسه في العالم العربيّ من إمكانات التعريف بالإسلام؟

والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق