اراءاهم الاخباررأي رئيسي

مسلمو أروبا ومشكلة القروض

كلمات في المنهج

اقرأ في هذا المقال

  • كلمات في المنهج
  • فقرات هذه المعالجة المنهاجية
  • الفقرة الأولى : الربا
  • الفقرة الثانية : الضرورة
  • الفقرة الثالثة : هندسة الشريعة
  • الفقرة الرابعة : الأمة عامة والوجود المسلم في الغرب خاصة
  • الفقرة الخامسة : أمثلة من ضرورات العصر وحاجات المكان
  • خلاصة

لهذا المقال غاية واحدة هي : معالجة هذه المشكلة بعقل منهاجي يعيد تشييد المقدمات التأسيسية في مكانها المقدم لتكون حاكمة لا محكومة إذ أن هذه المشكلة تؤرق أكثر مسلمي أروبا لما أحتوشتها من إجتهادات غلب على بعضها لباس الورع بإسم لزوم الأحوط في حين أن بعضها يعالج حالات فردية لا تراعي الطموحات الكبرى للوجود المسلم في أروبا كما يغرق بعضها الآخر في تفصيلات وتفريعات غاب محلّها أو ندّت هي نفسها عن تلك المقدمات التأسيسية المرجعية وفي كل الأحوال فإن المستفتي في غنى عنها إذ تشوش ذهنه. من أراد من هذا المقال إستلال فتوى فلا أنصحه بتضييع وقته الثمين. لا تغريني الفتوى بل تغريني الحكمة التي تساهم في بناء عقلي بناء منهاجيا معتدلا وفيّا للأسس المرجعية للشريعة الإسلامية وفق ترتيبها الأصلي وليس وفق ما يرتبها الناس. إذا شيّدت عقلا مسلما معاصرا أغناك عن تسوّل الفتاوى وهو مأجور حتى لو أخطأ. أظن أن العقل الأعلى خير من العقل الأسفل إنسجاما مع عقل الشريعة : اليد العليا خير من اليد السفلى

 

 

فقرات هذه المعالجة المنهاجية

الفقرة الأولى : الربا

الربا المحرم قطعا هو أكله الذي أكده القرآن الكريم مرّات مشددا على الأكل كما هو الحال في الخنزير الذي شدد على لحمه. كما رده إلى معناه اللساني في قوله ( وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس..) ليعلّمنا أن الربا من الربو وهو الزيادة غير المشروعة بجهد بل بجور. بعد ذلك جاءت الإجتهادات تترى ليراعي بعضها سياق التشريع إذ قال أن الربا المحرم أكله هو ربا الجاهلية أو ربا النسيئة داعما قوله بأن الحكمة من ذلك التحريم هو إحلال المال محل الجهد في كسب المال وأن ذلك يفضي إلى دولة من الأغنياء بما يتنافى مع دعوة الإسلام إلى العمل الصالح مضاربة في الأرض وسيرا في مناكبها. هذا الإتجاه أقرب إليّ إذ هو يجمع بين مقام التشريع من جانب والعلّة من جانب آخر. ولكن شذّ بعض العلماء من الوزن الثقيل إذ أباحوا أكل الربا عندما يكون المقترض ليس في محل ضعف أو في منزلة إستغلال ( ربا الحسابات المالية المصرفية ) ولكنه تعليل ضعيف وتمنيط ( نسبة إلى المناط ) واه. وفي مقابل ذلك وبدافع التحوط ولدت إجتهادات لا حصر لها خلطت بين ترغيبات السنة وترهيباتها ـ وتلك وظيفتها ـ وبين المحرم القطعي الدائر مع علته وبذلك ألحقوا ربا الفضل بربا الجاهلية أو النسيئة . وهذا الإتجاه هو الذي لا يليق بمن يتصدى لإفتاء الناس لأنه يفترض في الناس ضعفا في الدين ووهاء في الورع فهو يزايد على الشريعة. هذا إتجاه كنسي مسيحي وعى أهله أم لم يعوا ذلك. المسألة الأهمّ هنا هي أن مقام التشريع في تحريم أكل الربا هو مقام التمييز الشديد بين البيع والربا إذ أن الإسرائيليين هم الذين أشاعوا أنهما مثليان تأثما منهم فجاء التصريح التشريعي لا لبس فيها ( وأحل الله البيع وحرم الربا). وجريا من أكثر العلماء على سلوك الأحوط ـ وهو مسلك مخالف للشريعة ومناسب للوعظ ولكن المقام ليس مقام وعظ بل مقام تشريع ـ فإنهم حرموا أكثر المشاهد التي يختلط فيها عليهم البيع بما يشبه الربا وليس هو بربا والتشريع يريد التمييز بينهما ليعلّمنا أن الربا الحقيقي المحرم هو ما خلا مشهده من البيع وحلّ فيه الربا جاهلية أو نسيئة والعلة كما تقدم هي الجور والقهر والظلم خلقا وإفساد الحياة بتقديم دور المال وتأخير أو إعدام دور الجهد والعمل حركة

الفقرة الثانية : الضرورة

من أعظم نقاط القوة في الشريعة أنها شيدت لقاطنيها ما يسميه العبد الفقير تأثرا بالمنوال العمراني الألماني ( مخارج الطوارئ) وهي المخارج التي عبرت عنها الشريعة بالضرورات والحاجات والإحراجات والعنتات والمشقات وغير ذلك وقد بنى لها الأصوليون قواعد معروفة ربما يكون أحسن من عبر عنها إبن القيم في قوله الجريء ( لا حرام مع ضرورة ولا واجب مع عجز). جراءة الفقيه ضرورة إذ إبتليت الأمة بالضربين حتى شغبت على منطقة الوسط الشغبات : فريق يماري الكفرة الفجرة وفريق يماري الإتجاه الشعبي والحقيقة أن الفريق الثاني ـ على خلاف ما نظن ـ أخطر على الدين والتدين معا. قيمة الضرورة ثابتة في الشريعة بسبب واقعيتها ويسرها للإنسان تفرغه للمهمة الكبرى : أي العمارة عبادة. ولكن على طريقة الشريعة في تعويلها على السلطان الضمائري للإنسان جنبا إلى جنب مع السلطان المادي والإجتماعي فإنها تترك للإنسان مساحة حرة بينه وبين نفسه وبينه وبين ربه وهي التي عبر عنها بقوله عليه السلام ( إستفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك) ولكن وظف هذا الحديث وغيره من مثل حديث الشبهات توظيفا أحاديا وبذلك تضرر التدين في الجملة بسبب تغليب آلية سد الذريعة على فتحها وهو إتجاه يخدم الأحوطية. الضرورة قيمة تشريعة عولجت مقاصديا بالسلم الثلاثي المعروف ولكن جمدت على إمتداد قرون طويلة حتى جاء الإمام الشاطبي فوسع فيها على ما رسمه الإمام الغزالي ثم جاء الإمام القرضاوي فوسع فيها على ما رسمه الإمام الشاطبي ونحن اليوم في هذا الإطار الذي يتوسع بحسب توسع ضرورات الناس وحاجاتهم المتغيرة من مصر لمصر ومن عصر لعصر ومما زاد الطين بلة ولاحظه الأذكياء حديثا ( الريسوني والنجار مثلا ) أن ذلك السلم برمته إنما شيد على أساس يخالف الإتجاه الجماعي التكافلي للشريعة إذ شيد على أساس فردي فإذا جمعت مشكلة الفردية ومشكلة توقف الإجتهاد المقاصدي لقرون أدركت ـ إن كنت من فرسان هذا العلم ـ أن الأمة لم تقترف جريمة في تاريخها الطويل أشنع ولا وأفظع من جريمة إيصاد باب الإجتهاد حتى لو كان الإجتهاد ـ كما هو في أيامنا هذه ـ ساحة يمكن أن ينافسك فيها من سماهم عليه السلام : المبطلون المنتحلون. حصر الضروريات في الخمس المعروفة كما هو حصرها في ضرورة الفرد قصور لم يعد له اليوم مكان. هذه الشريعة إنما تنزلت لإفساح المجال أمام الإنسان لعمارة الأرض عبادة لله سبحانه وما جاءت بالتحريمات إلا لأن تلك المحرمات تعيق تلك الرسالة فإذا اصبحت المحرمات هي الأصل وهي تعوق الرسالة فإن الأصل يمضي والفرع يداس ولو إستثناء كما قال بحق الدكتور الجديع وليس إستحلالا. الضرورة إذن في النظر التشريعي هي مصالح لا مناص منها للإنسان جماعة أولا وفردا ثانيا لأجل ممارسة رسالته التعميرية وهي تتوسع تفاعلا مع الزمان والمكان ولا تجمد على صورة نمطية واحدة. الكلمة الأخرى في قيمة الضرورة هي أنها تظل محل تحديد بين هذا التعليم التشريعي وبين المضطر نفسه فهو من يقدر بحق منزلته من الضرورة وذلك هو معنى أن الشريعة تقوم على النيات مقامها على التشريعات حكما ديانيا يوم القيامة وليس هناك مؤسسة دينية تحدد ضرورة كل إنسان أو كل مجموعة تحديدا كليا نهائيا ليظل المطيع مطيعا لله والعاصي عاصيا لله. عندما يتسلل إلينا هذا فنحن مسلمون تسللت إليهم المسيحية بأقدار معتبرة. وفيما نحن بصدده فإن إعطاء الربا ضرورة يقدرها صاحبها من بعد العلم بالتشريع وإدارة الإستشارة لأجل الإستنارة ليس محرما بالأصالة قطعا بل هو محرم بالتبعية ذريعة فيكون حكمه مترددا بين اللجوء إلى تلك الضرورة من جهة وبين وطء المعنى الذي لأجله حرم الله سبحانه أكل الربا من جهة أخرى وبناء على ذلك الترجيح والموازنة يكون حكم إعطاء الربا فإن غلبت الضرورة أبيح وإن غلب ترجيح وطء الحكمة حرم ولذلك لم يتعرض القرآن الكريم إلى إعطاء الربا لا من قريب ولا من بعيد وترك المعنى مشمولا بإباحة أكل لحم الخنزير وشرب الخمر ضرورة كما هو وراد فيه مرات معولا على القياس العقلي لدى السامعين

الفقرة الثالثة : هندسة الشريعة

للشريعة هندسة محكمة عجيبة مدهشة لمن ألقى السمع غير متعجل. أول مظاهر تلك الهندسة أنها تميز بين مصدريها الأساسيين ( القرآن والسنة ) إذ أنها تجعل الأول حاكما والثاني محكوما كما تجعل الأول مشرعا بالمعنى الدستوري القانوني الإلزامي وتجعل الثاني مبينا وليس مشرعا وما حمل بعضهم على إلصاق صفة التشريع به عدا أنهم لم ينظروا في ما بدا لهم أنه تشريع نظرا ثاقبا رائثا ولو نظروا لألفوا أنه إستنباط من التشريع وليس تشريعا إبتدائيا إستئنافيا جديدا. كيف تقاد الشريعة برأسين؟ هذا خطل وأفن. هم خلطوا بين مختلف مقامات النبوة وهو علم ظلمه الأصوليون سالفا فما أنصفه بحق لولا أن المنية فاجأته عدا العلامة إبن عاشور في سفره المقاصدي ثم مات الرجل ومات معه هذا الفقه العظيم. من ذلك أنهم إعتمدوا حديثا واحدا عن الربا ـ ربا الجاهلية أو النسيئة ـ وهو من الدرجة الثالثة صحة في سلم المحدثين المعتمدين ( إبن الصلاح وغيره ) أي أنه إنفرد به مسلم ليسووا بينه وبين تعليمات القرآن في الربا. الحديث الذي هو في المرتبة الثالثة لا يغريني كثيرا عندما يكون مقترنا بصيغة اللعن وفي أمر بتّ فيها التعليم القرآني بتا وعندما آخذ به فإني أفعل ذلك حاملا إياه على مقام الترهيب ومنكرا البتة التسوية في الإثم بين آكل الربا وبين مؤكله وكذا بين حلقات المشهد الآخرى. التسوية في الإثم كما التسوية في الثواب أمر لو قالت به الشريعة لما إعتنقها عاقل. يوم القيامة لا يتساوى أحد مع أحد أبدا إذ لا يتساوى اليوم أجر مع أجر ولا وزر مع وزر ولكن غلبت على الناس ألسنة الوعظ حتى في مقامات العلم وأصبح الواعظ فقيها والقارئ مفتيا ولو أصبح طبيب العيون جراح أعصاب لثارت الدنيا فلم لا تثور عندما يصبح الخطيب مجتهدا فيما تعم به البلوى ويمس الدماء والحقوق والآعراض؟ عجب عجاب. وبعد ذلك في هندسة الشريعة فإن طالب العلم يميز بين العقيدة التي لم يتأجل الإعلام بها يوما واحدا وليس فيها تدرج ولا إجتهاد وبين العمل الذي يتأخر كما تأخر تحريم الربا وإيجاب الخمار وتحريم الخمر والرق وغير ذلك ومدار ذلك هو التعليل والإستصلاح والمعقولية من جهة أو التعبدية من جهة أخرى وهنا تجد خلطا فاحشا عند المنسوبين إلى مربعات الفقه والإفتاء. ومن مظاهر تلك الهندسة تقسيم المحرم إلى أصناف منها على وجه الحصر بما يناسب موضوعنا المحرم لذاته والمحرم لغيره وأن هذا كما قال العلماء بحق يباح للحاجة في حين أن الآول يباح للضرورة. ليس الغرض هنا تحرير تلك الهندسة وإنما الغرض فتح ما يناسب من هندستها على ما نحن بصدده فحسب

الفقرة الرابعة : الأمة عامة والوجود المسلم في الغرب خاصة

ما جاءت ( مخارج الطوارئ ) في الشريعة إلا لمراعاة التضييقات والتشديدات التي تطرأ على الناس في أزمان معينة وأمكنة معينة إذ السكون سمة الموتى والحركة ضربة لازب على الحياة والأحياء. لكم يتحرج الناس كلهم اليوم بمن فيهم المنسوبون إلى العلم عندما يذكر نكاح المتعة. ترى لم؟ قطعا لأنهم يخافون الناس أن ينزلوهم منازل أدنى من المنازل التي كانوا فيها. قطعا لأنهم ينزلون أنفسهم في منازل الوصاية على الدين والمتدينين حتى إنهم يظنون أن جانبا من القرآن والسنة والتاريخ ليس مناسبا الحديث فيه ( ضرب النساء مثلا ـ نكاح المتعة مثالا ثانيا ـ إنقلاب أموي رموزه من الصحابة على الشرعية مثالا ثالثا وأمثلة أخرى كثيرة). من يجد في نفسه حرجا من هذا فهو إما ضحل التكوين الفكري شرعا أو واقعا أو هو إلى العقل المسيحي أدنى وصاية على الناس وخوفا على الإسلام وكأن الإسلام شيء يمكن إقتلاعه أو تجاوزه. أنا أجد في نكاح المتعة أحسن مثال للتعبير على واقعية الإسلام ومراعاته للفطرة البشرية وإغراؤه الناس في كل زمان ومكان حتى في يمّ عبادة العلم والعلماء الكونيين وأقول لنفسي : إذا كانت الشريعة أباحت للصحابة ـ رموز الإسلام ومنزليه واقعا فوق الأرض ـ نكاح المتعة وهو مخالف لمقصد الزواج بل ظلت على ذلك سنوات زالت فيها أسباب الإبتعاد عن الموطن فكيف تتشدد هذه الشريعة نفسها في إعطاء الربا ضرورة؟ ألم تسأل نفسك : أيهما أضر؟: نكاح المتعة المخالف للمقصد بالكلية أم إعطاء الربا الذي يلتقي مع مقصد حفظ الكينونة الإنسانية دينا وحياة وعقلا ومالا وغير ذلك؟ العبد الفقير طويلب علم ينشد الخيط الحريري الناعم والدقيق الذي ينظم هذه الشريعة من أعلى هامتها إلى إخمص قدميها. ذلك هو عملي فإن ظفرت بذلك الخيط ظفرت بالحق والصواب حتى وأنا أخطئ وإن ندّ عني ذلك الخيط الناظم ندّ عني كل حق وكل صواب حتى لو وفقت في كل قول. العبد الفقير يعتقد أن الله محاسبه يوم القيامة عمّا حمل رأسه أولا وعما أفعم به قلبه ثانيا ثم ثالثا وبمسافة كبيرة عنهما عمّا إجترحت يداي وإخترعت رجلاي. أما تقديم الجارحة على الرأس فدين ليس بديني ومسلك ليس مسلكي. مقصدي من هذه الفقرة هو أن مصلحة الأمة أولى من مصلحة الفرد وما يحل لها لا يحل له وما يحرم عليه لا يحرم عليها ومثل الأمة وجوداتها المنبثة هنا وهناك ومنها الوجود المسلم الأروبي. لم تقترض اليوم كل الدول الإسلامية بغض النظر عن إلتزامها بالشريعة من عدمه بالربا من المؤسسات النقدية الدولية؟ هل أفتى مفت في الأرض أنه ذلك لا يباح؟ لا طبعا. لم؟ لأن الدولة في وضع ضعف والأرض كلها من حولها تتنفس الربا نفسا فمن أوصد عليه أبوابه بإسم الورع مات والسلام. هل يموت شهيدا؟ أجل. ولكنه شهيد جهله وليس شهيد ورعه. هناك من كتب في فقه الإنتقال في أيام بزوغ الصحوة المعاصرة وهو منحى ذكي ليس هو من أسسه ولكنه كتب عنه. في الشريعة فقه إنتقال محقق وما نكاح المتعة عدا مثال على ذلك ذلك أن مرحلة الضعف غير مرحلة القوة وفي مستوى الوجود المسلم الأوربي فإن هناك موازنة وترجيحا هادئا وعميقا بين إقتراف الحرام لأجل غيره وليس لأجل نفسه ( إعطاء الربا مثلا ) وبين إكتساب القوة المادية التي تجعل من هذا الوجود ليس جاليات طارئة يسهل طردها والتضييق عليها بل واقعا أروبيا ورقما صعبا سياسيا وماليا وديمغرافيا وغير ذلك. تلك هي المحطة الفكرية التي لأجلها أباح المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث وغيره من المجامع العلمية والشخصيات التي غير منضوية أو منتمية إعطاء الربا ضرورة لإقتناء مسكن أو مرفق عام من مثل المسجد وما في حكمه. هنا بدأ الإجتهاد الجماعي المطلوب من جهة وهنا بدأ الإجتهاد للأمة ووجوداتها من جهة أخرى ومن هنا يبدأ الفقه المعاصر بنكهة إنتقالية ولمقصد أسمى هو : قوة الأمة في عالم يعربد فيه الذئاب

الفقرة الخامسة : أمثلة من ضرورات العصر وحاجات المكان

نحن بحاجة إلى مشروع علمي يستأنف فقه مقامات النبوة من جهة وبحاجة إلى فقه يجدد الضرورات والحاجات ضمن إطار الهيكل الثلاثي المقاصدي المعروف على الأقل ( ضرورات ـ حاجات ـ تحسينيات ) وبحاجة بعد ذلك إلى فقه معاصر جماعي يتجاوز التراث الفقهي الذي لم يكن دينا حتى يكون صالحا لكل زمان وكل مكان والإجتهاد الفردي سيما في القضايا المعاصرة الخطيرة التي لا بد فيها من أولي الأمر بحسب التخصص إن كان طبا أو فلكا أو قانونا. محرار الحياة في الأمة إسمه : محرار الإجتهاد والتجديد فذاك نبضها إذ أن التقليد محل حرب ضارية من لدن الشريعة نفسها. من الضرورات الجماعية للأمة ووجوداتها اليوم : القوة السياسية وعمادها الآلية الديمقراطية وهي مفتاح النهضة حقا وهي جديرة بأن يتربى عليها الأطفال لتكون مادة في الأسرة وفي المدرسة وفي البيئات التي يغشاها الإنسان إذ تبين أن مسمار التخلف في نعشنا هو غياب الحريات ومن تلك الضرورات كذلك : القوة المالية والإقتصادية والإستثمارية إنتاجا وتحويلا وتصديرا ولذلك أبيح للدول الإقتراض بالفوائد الربوية وهي ثقيلة ولكن مبنى الفقه هو إقتراف الضرر الأدنى توقيا من ضرر أعلى ومن تلك الضرورات كذلك : القوة العسكرية التي ترهب الأعداء ومنها كذلك : قوة العائلة وسلامة الأسرة التي هي مصنع الإنسان بحق وصدق ولذلك أناط عليه السلام بالأمة مسؤوليات لا تقام إلا بالتكافل ( ثلاث حق على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله ( قوة عسكرية ) والناكح الذي يريد العفاف ( قوة عائلية وأسرية وقيمية ) والمكاتب الذي يريد الأداء ( قوة مالية تحرر المقهورين ) . ومن تلك الضرورات كذلك : القوة المعرفية والعلمية والفكرية بما يؤهل الإسلام ليكون معروفا من البشرية معرفة صحيحة لا مزيفة وضرورات أخرى ليس هنا مقام إحصاؤها ولكن الغرض هو أنه علينا إحصاء ضروراتنا الجديدة ـ جدة عصر وليس جدة تشريع ـ وعلينا التكأكؤ عليها تعاونا وتضامنا للمضي على دربها

خلاصة

لا تعنيني الفتوى ولكن تعنيني الحكمة. الفتوى حلّ جزئي فردي عاجل مستثنى من حكم عادة ما تكون وظيفته التهدئة وتخفيض الألم أو تسكينه مؤقتا ولكن الحكمة تجعلني أمسك بالخيط الناظم الذي يقيم أود الشريعة. تعنيني الفتوى الجماعية منشأ ومحلا كما أفتى العز عليه الرضوان بعدم شرعية حكم المماليك وبذلك أبطل القول بالتغلب وشرعية السيف وكما أفتى القرضاوي عليه الرضوان بجواز العمليات الإستشهادية في فلسطين بسبب إحتلالها وليس خارجها بأي حال وبمثل ما أفتى من قبل ذلك بقرون الحسين وإبن الزبير ومن معهما من الصحابة بعدم شرعية الإنقلاب الأموي ضد الشرعية. أملي هو إنقاذ الأمة بمثل هذه الفتاوى العظمى التي تعيد للأمة ألقها. مشكلة القروض مشكلة في كل عائلة تقريبا : هذا لإتمام دراسته وذاك للزواج والآخر للتداوي وذلك لبناء مسكن أو إشتراء سيارة وحاجات لا تحصى لأنها متجددة. الإفتاء الفردي فيها لمعالجة مشكلة فردية تعقيم لموطن الداء ولكن المعالجة الجذرية لا تكون إلا تكافلية تضامنية على أساس أن العمارة عبادة أولى بالرسالة وأن المحرمات ليست عقبات بل هي مواطن ألغام نشكر من أرشدنا إليها وأنها ليست في درجة واحدة من القيمة والإلزامية والحق هنا ما قاله إبن القيم ( لا حرام مع ضرورة ). وتظل الضرورة مشكلة مفتعلة بين الناس. الضرورة لا تنضبط شرعا إلا بإزالة العوائق التي تنتصب في طريق الإنسان جماعة لا فردا أن يحقق رسالته ثم تؤول إلى صاحبها فهو من يقدرها بقدرها إذ هو من يشعر بألمها فالزموا حدودكم ولا تحولوا بين المرء وربه الذي إبتلاه بذلك القدر من عدم الإنضباطية حتى يختبر ورعه وتقواه ثم ليكون بذلك عبدا له هو وحده وليس عبدا للفقيه أو المفتي. ( إستفت قلبك ولو أفتوك وأفتوك ) أفهمها في الإتجاهين معا : إتجاه الورع إذا جاش في صدرك أنك لست مضطرا وإتجاه إقتراف المحرم لغيره وليس لنفسه ـ إلا قليلا هو معلوم ـ إذا جاش في صدرك أنك مضطر. يعضد هذا ( إنما الأعمال بالنيات ). والله أعلم

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق