اراءاهم الاخباررأي رئيسي

محنة الإنسان مع مُنجَزه

ثلاثة، اثنان، واحد.. انطلاق. لعلّها كانت “لحظة الصفر” التي توخّت انعتاق البشر من كوكبهم واستهلال تاريخ فردوسي جديد مشفوع بالبثّ المباشر. “صعَد” الإنسان القمر، ومضى على سطحه مختالاً فخوراً. واخترقت “الكونكورد” حاجز الصوت فاجتازت بتحليقها محيطاتٍ شاسعة في سويعات قليلة. وضخّت المفاعلاتُ طاقةً هائلة إلى حواضر حديثة من فَلْق الذرّة الدقيقة. وتزاحمت سياراتٌ لامعة على سُبُل مُهِّدت لعجلاتٍ متسارعة. وخرجت المخابر ببشائر عن فتوح كبرى تجتثّ عِلَلاً وجوائح استعصت على البشرية أحقاباً.

كان موسماً للنشوة المكثفة هذا الذي عرفته البشرية في نهاية الستينيات وبواكير السبعينيات من القرن العشرين. استولى المُنجَز البشري يومها على ضعفاء البصيرة وهيْمَن على أذهان متبلِّدة افتُتِنت به وتنازلت عن امتياز التمحيص وتخلّت عن الحسِّ النقدي ولم تفزَع إلى تشغيل العقول على نحو متحرِّر من سطوة الانبهار. احتفى البشر بمنجزاتٍ تَضَخَّم الإحساس بها في زمن الفُرجة عبر شاشات تلوّنت من بَعد؛ فأُشْرِبوا وُعوداً حالمة في قلوبهم بقصر نظرهم عن إدراك عجزها واستشراف عواقبها.

انقشاع الهالة
كان الطموح البشري الجامح على موعد مع صدمات الواقع، ومِن ذلك، مثلاً، أن تزامنت في سنة واحدة كارثتان مشهودتان على الأرض وما فوقها، خدشتا كبرياء “القوّتين العظمييْن”؛ بانفجار المفاعل السوفياتي تشرنوبيل في أوكرانيا وسقوط المكوك الأمريكي “تشالنجر”

إنها المنجزات المشهودة التي تزاحمت بعد أن انطفأت أدخنة الحروب في بلدان الشمال ولاحت البشائر في مدائن الرماد التي جدّدت أثوابها كي تلحق بحياة الاستهلاك والمتعة، فاتسعت صناعة البهجة بأضوائها الساطعة وتزيّنت الحياة الجديدة بألوانها ومعزوفاتها. وكان، ممّا كان، أنْ تلقفّت الجماهير أقراصاً تدرأ الحمل عن الأرحام؛ فانفلت العابثون من عقالهم يستعجلون فردوساً أرضياً مُتخيّلاً قوامه اللذّة الحسِّية والاستهلاك النّهِم مع طغيانِ نزعات تدور حول الإنسان وتقدِّس غرائزه وتؤبِّد لحظته العابرة بمنطق يسأم التجاوز وفلسفات تنفر من الغائية.

بدا المُنجَز البشري في صُوَره المتلاحقة وألوانه المتزاحمة أخّاذاً لعيونٍ استحوذ عليها، قبل أن تنقشع هالته وينطفئ بريقه وتتلاشى وعوده العريضة بالسعادة الغامرة والنعيم المُقيم. فصعود القمر كان إنجازاً رمزياً لبّى طموح البشر إلى العلوّ والتجاوُز وإثبات الذات، لكنّ الهبوط على سطحه وتثبيت راية طوطمية على تربته كما هي عادة البشر في الأزمان الغابرة؛ صرَف الأنظار الحالمة عن معضلات كوكبٍ دقّت ساعتُه مؤذنةً بخطر أيكولوجي داهم. ثم قُرِعت نواقيس الفناء الوشيك الذي يلاحق أنواعاً من الكائنات، وصارت الموارد التي اختزنتها الأرض أحقاباً مديدة على موعد مع نضوب مرتقب بعد أن عجّلت أطماعُ الوفرة ومنطقُ الإنتاج بالجملة من استنزافها، وبلغ العبَث مبلغه بالغابات والأجواء والبحار والمحيطات المتجمِّدة فتداعت الأمم إلى مواثيق لإنقاذ الكوكب ثم تقاعست عن العمل بمقرراتها.

اتّضح خلال عقود قليلة أنّ رشاقة “الكونكورد” كانت فقاعة انطباعية سطت على الوجدان واستحوذت على الأذهان دون أن تعود على البشرية المأخوذة بها بجدوى تكافئ كلفتها الباهظة وأعباءها البيئية، ولم يجرؤ القوم في جانبي الأطلسي على إخراج المجنّحة الثاقبة من الخدمة إلاّ بعد أن أيقظهم سقوطُها المدوِّي سنة 2000 من سكرة الانبهار بألَق المُنجَز بعد أن صار نعشاً طائراً بمَن فيه. أمّا المفاعلات النووية التي غرسها الإنسان حول حواضره فانتهت في وعي اللاحقين إلى تهديد ماحِق وقد شهدوا انفجارَها المروِّع في تشرنوبيل سنة 1986 ثمّ فوكوشيما سنة 2011؛ وأدركوا ما جرّته انبعاثاتها من كوارث سابغة على النّسْل والحرث والأرض والبحار. يجسِّد تهديدُ المفاعلات رهبةَ البشر من مُنجَزهم الذي يحاصر حواضرهم، وينتصب المُنجَز في وجهه الاستراتيجي الآخر عنواناً للرُّعب المكدّس في رؤوس نووية تكفي لحرق الأرض ومَن عليها مرّات متوالية إن طاشت عقول المتحكِّمين بمفاتيحها.

إفاقة من الوهم

كان الطموح البشري الجامح على موعد مع صدمات الواقع، ومِن ذلك، مثلاً، أن تزامنت في سنة واحدة كارثتان مشهودتان على الأرض وما فوقها، خدشتا كبرياء “القوّتين العظمييْن”؛ بانفجار المفاعل السوفياتي تشرنوبيل في أوكرانيا وسقوط المكوك الأمريكي “تشالنجر” سنة 1986. أدرك الإنسان مأزقَه مع مُنجَز يستقدمه بانبهار أخّاذ ويستدبره بحسرةٍ وندامة، وهو ما تختزله العربةُ العصرية في ذاتها. استقبل الإنسان القرنَ العشرين مزهوّاً بعجلات متحرّكة بذاتها على الدروب بلا حيوان يجرّها، ثمّ اختنقت حواضره بمحرِّكات تستنزف الطاقة وتنفث عوادمها الضارّة في الأجواء، حتى علَت المخاوف في القرن الجديد من لِحاق الصينيين في زهرة نموِّهم بأمم سبقتهم إلى ركوب السيّارات، فما العمل مع أمّة المليار نسمة إن دفعت بحشود المحرِّكات إلى الطرق بعد أن اعتادت ركوب دراجات نظيفة لم تصلُح مادةً للتباهي؟!

ولم تنقطع المخابر عن التبشير بفتوح علاجية ومستحضرات فعّالة؛ لكنّ البشر أدركوا أنّ تاريخهم مع الأسقام لم يَنتِه، فمزيد من الجوائح تطاردهم، وانساحت الأمراض السارية عبر القارّات بسرعة تنامَت مع تشابكات العولمة، وتعاظمت الخشية من قدرة كائنات مجهرية فتّاكة على تلافي المضادّات المكرّسة للتحصين من خطرها بعد أن أسرف البشر في تعاطيها، وصارت المخاوف المتأصِّلة من الكائنات الدقيقة فرصةً لتجارة الهلع الرمزي التي لا تبور في أفلام الشاشة. ثم اكتشف البشر شيئاً من مسالك التزييف التي احترفتها مخابر آثمة تلاعبت بنتائج أبحاثها المزعومة لخدمة أنظمة وشركات ومراكز نفوذ، كما اتّضح مفعولٌ جسيم لمستحضرات مطوّرة أهلكت الحَرث والنّسْل وأخلّت بتوازن الأنظمة الأيكولوجية طمعاً في وفرة الإنتاج. وحُقّ للبشر أن يَخشَوْا ما يُدبَّر لأجيالهم في مخابر محجوبة عن الأنظار؛ يَسهَر مختصّون فيها على توظيف خلاصات العلوم في تجارب تستجيب لشغفهم بتحوير المورِّثات والتدخّل في الخلايا الجذعية وتصميم “كائنات نموذجية” تُوافِق مخيال أقوام دون أقوام وتخدم مصالح بشر دون بشر.

إنْ مَهّدت العلومُ الطبيعية لهيْمنة الإنسان على الطبيعة؛ فإنّ نظيرتها الإنسانية استُعمِلت أداةً لهيمنة الإنسان على الإنسان بحسب فوارق الحظوة من العلم والموارد وأدوات الفتك

ثم أفضى الانفلات الجنسي بعد “أقراص المنْع” إلى أسقام لم يعرفها السابقون، فأقضّ نقصُ المناعة المكتسبة مضاجعَ العابثين في خريف القرن العشرين، وتبدّلت من بعدُ أنماطُ العلاقة وتقلّبت، فصار “الشريك” المُعترَف به في الملأ من أنواعٍ شتّى من البشر والآلة، وفقد الزواج معناه في مواثيق الأمم، وخسرت الأسرة تعريفها المنعقد في سنن الفطرة وعبر التاريخ وبمقتضى الشرائع، وانتفت الدلالة عن الذكر والأنثى، حتى صارت الآلة التي ابتكرها الإنسان على هيئته الظاهرة بديلاً محتملاً عنه في آصرة الاقتران المستجدّة التي أسقطت المعنى واجتثّت المغزى.

سجود للمُنجَز

اندفع بعض البشر إلى السجود الرّمزي لمُنجّز تراءى لهم عجلاً جسداً له خوار، وسرَت ببعضٍ آخر من النّاس رعشةُ تألُّه مُتأتٍّية من إحساس غامر بالتمكّن والعلوّ والعَمْلقة والاقتدار، وهذه من تجلّيات التردِّي في دركات الوَهْم. صرَفَ الانبهارُ بالاكتشاف أنظارَ بعضهم عن عظمة المُكتشَف (بفتح الشين) وعُطِّل التفكّر بمَن أوجَده، ورُفِع بعض المكتشِفين (بكسر الشين) إلى مراتب القداسة وكأنّهم مَن أوجدوا المكتَشف في أصله. وانبهر الإنسان بقوانين ناظمة اكتشفها ضمن عوالم الكائنات والطبيعة والأفلاك، حتى انجرف بعض البشر إلى ما يحاكي تأليه القوانين الناظمة وتلفيق نظريات عدمية في تأويلها، فعُدّ الاشتغالُ الباهر آيةً مستقلّةً بذاتها صارفةً عن التفكّر في مفهوم الإيجاد المُعجِز.

تعاقبت الفتوح التي جرت على أيدي البشر في حقول الإنجاز العلمي والتقني والعمراني ففتنت بعضَهم فتوناً؛ على نحو حسبوا معه أنّهم بلغوا المُرتقى مع ناطحات السحاب وشغلوا مركز الكوْن بعلوّ “الإنسان الخارق” أو “الأعلى”، أو “الأوبرمينش” بتعبير نيتشه؛ دون أن يلحظوا أنّ “مُنجَزَ” الإنسان ظلّ برهانَ إعجازٍ مشهود على صنعته هُو، فإنْ أظهر “الروبوت” جدارةَ الإنسان الذي اصطنعه وطوّره ليحاكي هيئته؛ أفلا تكون الجدارة هذه آيةً مشهودة على عظمة مَن أوْجد الإنسان وعلّمه البيان؟ومن سيرة العلم أنه يكشف جهلاً سابقاً وقد يُسفِر عن جهل لاحق، فما اكتشفه الإنسان فضح جهله المنعقد من قبل، ثم أفضى به اعتدادُه بعلمه هذا إلى استعجال ثمرته بلا درايةٍ بالعواقب؛ فاندفع إلى استلال مبتكراتٍ شتى من فيْض العلوم دون التنبّه إلى تبعاتٍ جسيمة تتكبّد الأجيال اللاحقة أعباءها الثقيلة؛ ومعها الكوكب وما يحتويه. وكم أغوى المُنجَز أقواماً بتجريبه في العبَث الماحق والفتك الجماعي والتدمير الواسع؛ كما جسّدتها مآسي الحربين العالميتين، فصار بعض المُنجَز مقصلةً جُرِّبت بمَن استعجَل نَصبَها وحدّ شفرَتها.

وإنْ مَهّدت العلومُ الطبيعية لهيْمنة الإنسان على الطبيعة؛ فإنّ نظيرتها الإنسانية استُعمِلت أداةً لهيمنة الإنسان على الإنسان بحسب فوارق الحظوة من العلم والموارد وأدوات الفتك. وما انبلجت بعضُ العلوم، أساساً، إلاّ من رحم حملات البغي والاستعلاء، فاتّصل “علمُ الإنسان” أو الأنثروبولوجيا في منشئه بخبرة الاستعمار وسَعيِه لاكتشاف المجتمعات وفهم الأمم؛ تمهيداً لاجتياحها أو إخضاعها أو التحكّم بها. ولم ينفصم توظيف علم النفس عن منحى استعمالي جائر، فتأويل الإنسان وسبْر أغواره واستجلاء بواطنه ممّا مكِّن لفنون التأثير المُسلّطة عليه أو التحكّم المحبوك به وأنعش خبراتٍ متجدِّدة تتقاسَم السياسةُ عوائدَها مع السُّوق في اشتغالهما المُتحايِل على الجماهير.

ولا يكفّ المُنجَز عن مزاحمة البشر في قوت يومهم. فالإنسان يطوِّر كلّ نهار أنظمةً تزحزحه عن مواضع عمله وتحرمه من موارد كسبه، فيدفع مزيداً من البشر إلى قارعة الطريق مفلسين بعد أن احتلّت الآلةُ معاملَهم وشغلت مكاتبهم، وتوشك الحالة أن تتفاقم لتزيح شرائح عريضة في بعض المجتمعات إلى هوامش الفاقة وبؤر الغضب. آلَ التقدّمُ في بعض وجوهه إلى عِبء ثقيل على الإنسان يتباطأ بمسيره أو يتراجع به عن مكتسبات أحرزها من قبل، فانبهاره بالتشبيك أوقعه في شِباك لا فكاك له منها، وأحالته الرقْمنة إلى كائن شفّاف تخترقه أنظمة مُحَوْسبة تتصيّده بمنطقٍ يحاصره بخوارزميّات مُطوّرة تقعد له كلّ مرصد. صار الإنسان في “الزمن الجديد” مُخترَقاً حتى النخاع وإن احتفى بانعتاقه وتحرّره بصُوَر ومقاطع يلتقطها مزهوّاً بما في يديه، فأفقده مُنجَزُه خصوصيّتَه، حتى انكشف عارياً لأنظمة تتعقّبه وبرمجيّات تطارده وعيونٍ شبكية تتلصّص عليه آناء الليل وأطراف النهار.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق