اراءاهم الاخباررأي رئيسي

محمد عليه السلام أبو النظام الفدرالي

يطيب لي بداية أن أزف أطيب الكلام وأحر السلام إلى الأمة قاطبة بمناسبة قدوم العام الهجري الجديد 1441 سائلا وليّ النعمة الأكرم سبحانه أن يجعل يومنا خيرا من أمسنا وأن ينشر بنا قيم الحق والعدل والخير فما كانت حركة الهجرة الأولى ـ وقد قادها على الأرض رجل مشرك أمين ـ عدا حركة تحرر وإنعتاق ولم تكن حركة فرار كما تطن به أفواه الخطباء مذ عرفت الدنيا وما الحياة إلا كرّ من بعد كرّ إبتغاء الفكاك من القهر أيّا كان مصدره ونوعه وكفى الهجرة خيرا أنها تورث أصحابها ( مراغما كثيرا وسعة ) وكفاها فخرا أنها تجبّ ما قبلها

الدستور النبوي هو دستور فدرالي

أعمال ثلاثة كبرى عالجها عليه السلام من أول ليلة وصل فيها إلى المدينة يثرب محررا نفسه ومن معه من الإكراه القرشي وهي ( تشييد المسجد و عقد المؤاخاة وكتابة الدستور السياسي ) وبذلك علمنا عليه السلام أسس الحضارة ومباني التقدم ومرتكزات الإجتماع السياسي الذي تفرغ له العلامة عبد الرحمان إبن خلدون فبرع فيه ونبغ. وثيقة ذلك الدستور لن تزال مكتوبة في كثير من الوثائق التاريخية منها كتب السيرة من مثل سيرة إبن إسحاق وإبن هشام وغيرهما كثير من كتب التاريخ. هي وثيقة مطولة نسبيا إذ سمى فيها عليه السلام القبائل بطنا بطنا إمعانا في توفير قيم المساواة بين الناس عدا أن روح ذلك الدستور الموثق من رجل أمي بالكامل تقوم على أمرين كبيرين : أولهما أن أهل المدينة كلهم بمختلف أديانهم وطوائفهم وعناصرهم مسؤولون مسؤولية مدنية لا دينية ـ إذ لا مسؤولية دينية من لدن غير متدين أو متدين بدين باطل ـ بالتكافل وكلّ مما يليه على حماية المدينة ( الدولة الجديدة ) ضد أي عدوان خارجي محتمل. وثاني الأمرين اللذين قام عليهما الدستور النبوي هو أنه لكل طائفة دينية أو عرقية أو عنصرية أو لسانية من أهل المدينة ( الدولة الجديدة ) حق الحياة الكريمة وفق ما يرونه لأنفسهم ويختارونه إذ هم مقرّون على ما هم عليه لا يكرهون أبدا البتة على إعتناق دين جديد أو إقتراف نمط جديد في الحياة. سمّى عليه السلام القبائل الإسرائيلية التي وقّعت على ذلك الدستور طواعية بأنامل رقبائها ونقبائها بطنا بطنا

حقيقة النظام الفدرالي ومزاياه

معنى ذلك أنه عليه السلام إختار النظام الفدرالي إدارة سياسية للدولة الجديدة بالمدينة دون تمييز ديني ولا عرقي بين أهلها جميعا إذ لم يقم بطرد أي واحد منهم ولا بإستثنائه بل دعاهم جميعا وهم في أغلبهم قبائل إسرائيلية عريقة معروفة إلى التوقيع على ذلك الدستور الكتابي ففعلوا وما فعلوا سوى لأن ذلك الدستور يمنحهم حق الحياة الكريمة وفق معتقداتهم إذ ينظمون شؤونهم الداخلية في نطاق إستقلال وظيفي داخلي حر من دون تدخل من رأس الدولة التي يرأسها نبي مؤمن مسلم ومعنى ذلك أنهم يتعاملون بالربا فيما بينهم إن شاؤوا وإن كان الإسرائيليون لا يفعلون ذلك فيما بينهم ويأكلون لحم الخنزير ويبيعونه بينهم إن شاؤوا ويشربون الخمر ويتاجرون فيها فيما بينهم إن شاؤوا ويشيدون المعابد الخاصة بهم وغير ذلك ومثل ذلك للمسلمين المتكونين هم أنفسهم من عناصر مختلفة عرقا ( المهاجرون من جهة والأنصار من جهة أخرى والمهاجرون أنفسهم ينتمون إلى فصائل قبلية مختلفة بل كانت متناحرة قبل الإسلام ومثلهم الأنصار من قبيلتين كبيرتين : الأوس والخزرج عدا بطون أخرى صغيرة من النصارى وغيرهم من الفسيفساء العقدية التي كانت تعمر المدينة ). ذلك هو معنى أن محمدا عليه السلام هو أبو النظام الفدرالي الذي يجمع بين مزيتين : مزية إلتزام الناس كلهم أي المواطنين بمختلف إنتماءاتهم بالفريضة الوطنية العظمى أي حماية الدولة أرضا ونظاما ووجودا إذ لم يكن هناك في تلك الأيام جيش نظامي ولا أمن رسمي لأسباب لا أرب لنا فيها الآن وبذلك سنّ عليه السلام قيمة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات بين الناس ليس على أساس ديني بل على أساس مدني. ومزية حرية الناس أفرادا ومجموعات تحت سقف تلك الدولة ودستورها الموثق في الحياة وفق معتقداتهم وما يحلون لأنفسهم وما يحرمون ويكون دور الدولة التي يرأسها هو عليه السلام حماية تلك الحرية وصون تلك الحقوق وبذلك يشعر الناس كلهم أنهم أحرار من جانب الدولة التي لا تكرههم على ما لا يرضون وهو من أقوى عوامل تحشيدهم النفسي والعملي للدفاع عن دولة لا تتدخل في حرياتهم الشخصية وحقوقهم الفردية ومعتقداتهم

من مزايا النظام الفدرالي

ليس هناك نظام إداري أو سياسي مثال أو نموذج يجمع كل الحسنات وينبذ كل السيئات إذ أن هذا ينتمي إلى العقل وليس إلى الدين لأنه من المعاملات التي لم يتدخل فيها الدين عدا بكليات عامة حرص على رعايتها منها الوحدة والصف المرصوص وضمان حق الإختلاف وتقديس حرمات الناس وتجريم العدوان على حرياتهم وغير ذلك أو ما بثه من قيم أخلاقية تكون وقودا لتلك الأنظمة العامة في مختلف الحقول. ولا يهتم الإسلام بإسم النظام ولا بتفاصيله إنما يهتم بأمر واحد لا يفلته وهو الأسس القيمية التي يقوم عليها ذلك النظام من مثل التشاور والتراضي ورص الصف وحق التعدد وطلب القوة وغير ذلك. تلك المنظومة القيمية الإسلامية جسدها عليه السلام في نظام فدرالي يضمنها ويوفر مزاياها

المزية الأولى

ضمان حق الأقليات والأفراد

معلوم في فقه الإجتماع السياسي أن هناك مشكلتين لا بد من تجنبهما قدر الإمكان وهما : مشكلة الفوضى التي قد تحدث ـ بل تحدث قطعا ـ عند غياب الدولة أو ما في حكمها أو ضعفها وهي مشكلة تحتية كما تسمى ومشكلة القهر الذي قد تحدثه الدولة ـ بل تحدثه قطعا في الأعم الأغلب ـ عندما تتغول وتتبرج وتتوسع وتتدخل في حريات الناس وحقوقهم. هما مشكلتان يندر جدا في التاريخ من ينجح في تجنبهما معا وفي الآن نفسه يقيم دولة قوامها العدل والقوة وأمة قوامها الحرية والكرامة. في الفلسفة لا يكون ضبط مع حرية إذ هما متخاصمان ولذلك يكون الفلاح في إنبجاسهما متوازيين لتكون من ذا حضارة ومثقافة ورقي وسعادة. وقد قضى سبحانه أن الأقليات في كل مصر وفي كل عصر لها حضور سياحة في الأرض وطلبا للعيش وتناسلا للناس بعضهم من بعض ومن ذا فإن المرقوب في عالم الناس أن يقع قهر الأقليات من لدن الأكثريات بمثل ما إن الدولة تطمح في العادة إلى قهر الناس نشدانا للضبط أو تضعف فيطمح الناس إلى الفوضى نشدانا للحرية. ومن ذا جاء التنزيل النبوي في ذلك الدستور الفدرالي الأعظم محتويا للأمرين المتنافرين معا فهو دستور يضمن حق الدولة في القوة أن تغتال من خارجها بغزو فجعلت القوة الشعبية هي المصدر الأكبر لتلك الحماية وهو دستور يضمن في الآن نفسه حق الناس بمختلف معتقداتهم في مقارفتها أن تحد الدولة من تلك الحرمات ومضى ذلك فعليا وعمليا وليس دستورا باردا لا أثر له في الواقع

المزية الثانية

تفرغ الدولة للقضايا الإستراتيجية الكبرى

المزية الثانية للنظام الفدرالي هي تفرغ الدولة وأجهزتها إلى القضايا الدفاعية والأمنية والتجهيزات التي تضمن الحريات والكرامة في مختلف حقولها من أمن نفسي وأمن غذائي خاصة في الحالات التي يكون فيها المجتمع ليس مؤهلا لإنتاج غذائه بمعزل عن ذلك. ولذلك أرهق عليه السلام كثيرا ومن معه عندما بدأت القبائل الإسرائيلية تخون الدستور التوافقي الذي وقعت عليه بأناملها وبمحض إرادتها إذ أضحت مهمة الدولة مزدوجة فهي ترعى الأمن الداخلي أن تغتاله الخيانات الداخلية المعروفة وهي ترعى حماية الحدود كذلك من غزوات ظلت تترى على إمتداد عقد كامل. ذلك هو معنى تكافل الشعب والدولة معا على قضايا الأمن والحريات فالدولة تضمن ذلك خارجيا والمجتمع بفعالياته ودستوره يضمن ذلك داخليا ولو ظلت الدولة منكبة على القضايا الداخلية فحسب فإنها ستكون حتما أطماعا وفرائس للعدو الخارجي

المزية الثالثة

تفرغ الجميع دولة وشعبا للعمارة وتسخير الدنيا

عندما ينشأ نظام فدرالي يضمن قوة الدولة من جهة ويضمن حرية الناس من جهة أخرى فإن الناس كلهم سيتفرغون لقضايا العمارة ورغد العيش وكسب العلوم والمعارف وبثها وتسخير الدنيا وغير ذلك مما يطمح إليه الإنسان غريزة وجبلة. أي أن الذي يحول دون الناس دولة وشعبا ودون العمارة هو في الأعم الأغلب عدم إنحسام الهويات الفكرية في عناوينها الكبرى وبذلك تظل الدولة في حرب مع الناس والمجتمع لأجل إكراهه على هوية ما ويظل المجتمع بفعالياته في الحرب نفسها يذود عن نفسه ويذب عن هويته والثمرة هي جدالات فلسفية لا أوّل لها ولا آخر والعاقبة تدمير الثروة وتعطيل النماء ووأد العمارة

مغالطات تاريخية إيديولوجية باردة

العلمانية شرط مشروط للحرية

هذه مغالطة لم يدخر سدنة المعبد العلماني جهدا لغرزها في العقل الإسلامي المعاصر وقوامها هي إسقاط التجرية الغربية على المناخ العربي والحقيقة أن الإسلام نفسه يضمن الحريات والحرمات والحقوق في كل حقل ولكل صاحب معتقد من دون الحاجة إلى نظام علماني وذلك بسبب تركبه على مساحتين متكافلتين ومستقلتين في الآن نفسه وصلا ووصلا وهما مساحة الفردي الشخصي علاقة بين الإنسان ومعبوده أيّا كان معبوده ومساحة العام التكافلي التضامني التعاوني علاقة بين الإنسان والإنسان أيّا كان ذلك الإنسان ما دام في دائرة المواطنة. المساحة الأولى لا تتدخل فيها الدولة بأي حال مادامت تجري وفق السلم والحرية والأمن وبذلك تضمن الدولة التي تتخذ الإسلام دينا للناس كلهم حرياتهم الشخصية والفردية فلا تحتاج إلى نظام علماني يضمن لها ذلك. وفي المساحة الأخرى يقع تعاون بين الناس وبين الدولة التي إنتخبوها على مجموعة من القيم المعروفة بين الناس كلهم إذ الناس ينشدون دوما الحرية والسعادة ورغد العيش والأمن والعلم والمعرفة والقوة وغير ذلك وهي قيم يقع فيها ذلك التعاون بين المكونين : الشعب من جهة والدولة من جهة أخرى وفي هذه المساحة لا حاجة كذلك لنظام علماني لأن الحياة هنا تسير وفق نظام قيمي معروف بين الناس وتدخل الدولة نفسه لا يكون إلا في حدود توفير ما لا يطيق توفيره الناس من مثل الأمن الداخلي والخارجي. فلا مكان إذن للعلمانية بتركب الإسلام على مساحات حرية واسعة في المساحتين معا إذ هو لا يكره أحدا على عقيدة ما حتى لو كان الحق نفسه أي الإسلام ومتى إنتفت أسباب الإكراه فإن العلمانية تموت بالضربة القاضية. صحيح أن العلمانية نشأت في أروبا في إثر ذلك الخلاف التاريخي الحضاري المعروف ولكن لم يكن هنا بدّ من إستدعاء العلمانية التي كانت تعني في نشأتها الحرية الفردية بسبب أن الناس لا علاقة لهم يومئذ بالإسلام فكان الحل العلماني هو أنسب علاج ولا يزال لأي مجموعة لا يغشاها الإسلام. هي إذن مغالطة سببها قوة الآخر وتبرجه وضعف الأنا وهزال الذات وجهل بالإسلام قطعا مقطوعا وبتجربته التاريخية والنبوية

العلمانية خير علاج للتعدد وضمان للتنوع

هي مغالطة أخرى مثلها وتنبجس عنها ولكنها في الإسلام لا محل لها لإن الإسلام نفسه بتشريعه المحكم حتى لو جهله الناس من مسلمين وغيرهم يتيح لقانون التعدد مداه الأبعد ويبيح لسنة التنوع أن تنداح شرقا وغربا وأفقيا وعموديا من دون أي مانع. أليس دستور محمد عليه السلام ـ ذلك الدستور الفدرالي التوافقي ـ خير دليل على أنه لا حاجة للعلمانية ولا لغيرها لأجل ضمان حقوق التعدد وحريات التنوع وقوانين الإختلاف بين الناس في أبعد آمادها العقدية؟ بلى. ألم يقم ذلك الدستور نفسه على مبدإ التعدد العقدي وسنة التنوع الديني وقانون الإختلاف العنصري والفئوي واللوني واللساني؟ بلى. ألم يلق ذلك الدستور الفدرالي التوافقي نفسه موافقة اليهود أنفسهم إذ وقعوا عليهم بأناملهم وغيرهم من مكونات المدينة؟ من بدأ بخرق ذلك الدستور؟ القول إذن بأن العلمانية هي خير علاج لقضايا التعدد كما يردد الببغاوات العربية اليوم ـ ومنهم مسلمون ـ هو قول عار عن الصحة بالكلية وهو ناشئ عن جهل بالإسلام وتجربته النبوية والراشدية والتاريخية أو عن إنبهار بالمنتج الغربي وإنسحاق وإنسحار

خلاصة

لأن الإسلام أحرص من الحرص على حريات الناس وكرامات الشعوب وحرمات الأمم فإنه عليه السلام إختار النظام الفدرالي منهاجا إداريا وسياسيا لقيادة دولة المدينة المتنوعة عرقا والمتعددة دينا والمختلفة لونا ومشربا وبذلك لم أتردد يوما لا قولا ولا كتابة في القول أن محمدا عليه السلام هو أبو النظام الفدرالي بما يرمز إليه من تكريم للناس وتجريم للعدوان ولا تعنيني الأسماء والألقاب والأشكال ولكن تعنيني المضامين ولو أنصف الناس هذا النبي الكريم لوفوه حق الإختراع ولكن جهل المسلمون دينهم إلا قليلا وإنشغلوا بالأسماء فنبذوا القيم لأنها تلبست بأسماء لم يجدوا لها أثرا في الكتب التي يقرؤونها وغشيتهم الحضارة الغاشية فأسرت كثيرا منهم فهي المثال عندهم والنموذج وليست منزلة محمد عليه السلام عند أكثرهم عدا منزلة رجل صالح تقي لا شأن لهم بالسياسة والعمران والعدل والحريات والكرامات والحرمات والحقوق وبالدولة والدساتير. هي نكبة ناكبة وناكية ناكية لولا أن الأمل معقود في الله أوّلا وفي الإنسان ثانيا

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق