تحاليل

ما وراء مقولة “الكفر” في “سبع سنين”؟

تبلغ الثلاثية المستفيضة مبلغها مع هذا المقال الذي يأتي بعد مقاليْن اثنيْن، أوّلهما “سبع سنين.. صدمة جيل على أريكة الإفصاح” وثانيهما “فتاتان في سبع سنين.. ما وراء الحكاية”. فالإنصات إلى بوْح شبّان وشابّات على أريكة الإفصاح يستحقّ هذا وزيادة، وهو ما أتاحه وثائقيّ “في سبع سنين” علاوة على أفلام ومقاطع وشواهد أخرى ذات صلة.

لعلّ أكثر ما صدم الجمهور الذي استقبل العمل الذي بثّته “الجزيرة” في يناير/ كانون الثاني 2019 هو التصريح اللفظي بكلمة “الكفر”، التي تموضعت بعناية في مقطعه الترويجي وفقرته الاستهلالية كما نطقت بها إحداهنّ. فما مغزى أن تواجه فتاة عربية مجتمعها بالقول: “أنا كافرة!” مع رسم ابتسامة محيِّرة على وجهها أيضاً؟

أنْ تأتي المقولة من إحداهنّ أو من أحدهم على هذا النحو تحديداً؛ لا يُفصِح في جوهره عن معتقد محدّد، فالمقولة تُعلِن التحدِّي وتُظهِر المناوأة وتشي بالتمرّد بالأحرى. وعندما يقول آخر في حسابه الشبكي: “لستُ مسلماً”، أو “كنتُ مسلماً”، فإنها المرافعة تعني ضمناً: “لست منكم!”، أو “لم أعد منكم!”، أو شيئاً من هذا القبيل؛ فإعلانٌ كهذا لا يشتمل على مواصفات المعتقد الجديد وإنما يكتفي بوضع الأنا على الضدّ من مجتمعها. فلسان حال أحدهم هو: لست منكم، وآية ذلك أنْ فارَقتُ دينَكم وصِرتُ في هيئتي مثل أولئكم الذين ترَوْنهم في الشاشات والشبكات، فمجتمعنا هنالكم، وليس هنا!.

 

ليس إفصاحاً وافياً هذا كما قد يُحسَب للوهلة الأولى، وإنما هي كناية عن رغبة جارفة في إظهار المُغايَرة أو مباشرة العناد والاستفزاز؛ وقد تشي بإعلان براءة من النسَق وخوض مفاصلة وجدانية معه؛ أو هكذا تقريباً. يُعاد في هذه المفاصلة، مثلاً، تأويل “الجاهلية” لتصير “جاهلية المؤمنين”، وهي هنا، بحسبانهم، جاهلية القرن الحادي والعشرين، بما يقتضي مفاصلةً مُعلَنة معها، وانسلالاً رمزياً منها؛ بغية الالتحاق بنسَق مُعَوْلَم يطوف من تلقائه حول كوكب غربي يُشِعّ من بعيد بوعود العيش الفردوسي الموهوم. هذا ما فعلته صبيّة من جزيرة العرب قرّرت عدم العودة إلى بيتها، ففُتح لها باب “العالم الحرّ” على مصراعيْه، وقيل لها من أقاصي الأرض: طوبى لك يا رهَف!. (انظر مقالتنا السابقة بهذا الشأن: “عولمة الفرار من المنزل.. رهف نموذجاً”).

كفروا بالواقع وبالمجتمع

تستبطن مقولة “الكفر” في هذا السياق موقفَ “كفر” بالواقع وبالمجتمع وبالنُّخَب أيضاً. إنّ التعبير عن نزعة “الكفر بالمجتمع” أو بالذات الجمعية بالأحرى؛ يتمظهر عند بعضهم في انزواء إلى زاوية متطرِّفة سلوكياً و/أو منفلتة اعتقادياً، أو قد يتجلّى في عزلة اختيارية بدت واضحة عند الشاب “حسن” مثلاً لدى ظهوره في وثائقي “سبع سنين”. يتملّص أحدهم من الذات الجمعية أو “نحن”، بإرادة الانقطاع عن السِّمات والأواصر المشتركة معها، والفكاك من خصائص الهوية الجامعة، ويتجلّى إظهار المروق من الدِّين تعبيراً نمطياً عن هذا المنحى.

تصعد هذه الحالة لدى شبّان عرب وشابّات ينتسبون إلى بيئات مأزومة تعلو فيها أدخنة الحرائق وتدفع بمشاهد التوحّش الميداني على مرأى من العالم، فيصير إفصاح بعضهم عن مفارقة دين القوم أو ظهورهم في هيئة مُغايِرة للنمط التقليدي المتوقّع من منتسبي هذه البيئة؛ بمثابة إعلان براءة صريحة أو رمزية من واقع كريه تتصدّره ممارسات كريهة ومشاهد وحشية؛ فيأتي المروق الصريح أو الرمزي من النسَق إشعاراً بالانفصامٍ عنه وكناية عن الانعتاق منه والتخفّف من أثقاله.

ممّا تحتمله مقولة “الكفر” في هذا السياق: “أنا مختلف عنهم ولست منهم، لا تحسبوني مثلهم، لهم دينهم ولي دين”!. إنّ إظهار المروق الاعتقادي، بصرف النظر عن مدى تماسُك القناعة بشأنه في وعي أحدهم؛ قد يكون في المقام ذاته تعبيراً انتقامياً موجّهاً إلى المجتمع أو صفعةً معنويةً للبلد وناسِه وما تواطؤوا عليه بالأحرى، ومثله، تقريباً، ما يُعَبِّر عنه فتية انزلقوا إلى خنادق المسلّحين وأعلنوا نقمتهم على الواقع وبالَغوا في ذمِّ المجتمع “المتخاذل”، وهو ما يمكن رصده في حديث شباب ملثّم ظهر في النصف الثاني من وثائقي “في سبع سنين”.

لهذا “الكفر بالمجتمع”، بصوره المتعددة، متلازماتٌ حرّضت عليه. ألَم يدُفَع الشبّان والشابّات الذين ظهروا في العمل إلى التطرّف والانزواء دفعاً؟ ألَم يُقَل لهم ولجيلهم المنتفض في الميادين: “لستم منّا”؟ ألم يُتّخذوا مادةَ تنكيلٍ معنوي وموضوعَ إقصاءِ متطرِّف كما في أغنية عرضتها شاشات البلد سنة 2013 جاء فيها: “احنا شعب وانتو شعب، لينا ربّ وليكو ربّ” (أداء علي الحجار)، وهي توطئة دعائية تكفيرية أنتجتها سلطة مستبدّة لتخدير إحساس المجتمع بمتظاهري الميادين؛ تحضيراً لفعل البتر الذي سيجري معهم.

التشجيع الكروي مثالا

من مضامين البوْح التي تستحقّ التأمّل؛ قول أحدهم إنه لم يَعُد يشجِّع فرقاً محلية، و”صِرتُ أشجِّع فرق أوروبا”، يأتي هذا الاعتراف (دقيقة 49، “في سبع سنين”) على لسان شابّ التحَق بالميدان المسلّح ليُفصِح عن تفضيلات جيل لا يرى في ملاعب بلاده ما يستحقّ التشجيع، وهي حالة تتجاوز مشجِّعي الكرة إلى إحساس عربي جارف بالقنوط من الواقع المباشر وربما بازدراء الذات.

وفي حالة مشجِّعي الكرة وجماهير الملاعب ما يفتح أفقاً للتفكير. بلغت إحباطات الشباب العربي مبلغها من منتخباته الكروية في دوري كأس العالم الذي دارت رحاه سنة 2018 في روسيا. ارتفعت وعود “العودة بالكأس” في بواكير الموسم عبر عواصم عربية دفعت بمنتخباتها إلى “المونديال”، وسرعان ما تجرّعت جماهيرها مرارة الخيبة المرئية على شاشات الأمم وقت المنازلة المشهودة.

من ارتدادات المشهد أنْ أقدَم مشجِّعون مصريون على مطاردة حافلة منتخبهم الوطني بالشتائم القاسية بعد هزيمة القمصان الحمراء في الملاعب الروسية، كما ظهر في مقاطع مبثوثة من الميدان. يجدر التأمّل، أيضاً، في مقطع مرئي أطلق فيه شابٌّ قانط العنانَ لسخطه الشديد على كلِّ ما يدور حوله، وهو يقود سيّارته في شوارع القاهرة المزدحمة بعد خسارة المنتخب المدوية في كأس العالم. عبّر المقطع، الواقع في سبع دقائق ونصف الدقيقة، المبثوث وقتها في مواقع التواصل الاجتماعي، عن “سبع سنين” شبيهة نسبياً بإحباطات الميادين المنتفضة؛ مع استبدال القضية السياسية والمطالب الإصلاحية بشواغل كروية تدور حول المنتخب والآمال التي عُقِدت على ركلات اللاعبين. ارتفعت الوعود العربية المثقلة قبيل كأس العالم 2018 ثم سقطت فجأة على رؤوس المشجِّعين؛ الذين داهمتهم الانتكاسات الكروية الجسيمة والإحساس العميق بالقنوط.

أطلق الشاب من جوْف سيارته المُسرِعة خلاصاته المتذمِّرة من الواقع، فقال مثلاً: “هو احنا ليه ما نِفْرَحش يا جماعة؟ أنا مش عارف (…) مفيش أي حاجة بتِفْرحنا في البلد دي، لا كورة ولا أي أخبار تِفْرِح (…) مفيش منتخب عربي يرفع راسنا”. تأجّجت في المقطع نقمةٌ جارفة على الصفوة الرياضية والنخبة الإعلامية والطبقة المجتمعية الهَرِمة التي حمّلها الشاب المُحبَط مسؤولية الهزيمة الكروية؛ ثمّ عَدّ إيفاد مقرّبي السلطة هؤلاء لمهمة التشجيع في روسيا دون شباب البلد الممتلئين حيوية؛ نذيرَ شؤمٍ على المنتخب الوطني الذي جرّ أذيال الخيْبة. أفرغ الشاب سخطه على النخبة المتصدِّرة في البلد معلناً عن فقدانه الثقة بها؛ بما يشبه حال قانطي الميادين المنتفضة سابقاً مع النخبة السياسية المتصدِّرة.

تخلّل مقطع السيارة ذاته استسهالٌ واضح للإقدام على خيارات عدمية؛ فالشاب الغاضب أعلن أنه ارتدى قميص المنتخب المصري أيّاماً بلياليها؛ ثمّ أبدى من فرط قنوطه استعداداً للهلاك الطوْعي في حادث مروري بسيارته المسرعة التي تجاوزت الإشارات الحمراء بينما كان يصوِّره رفيقه الراكب بجانبه، أو أن يتجرّع سمّ الفئران ببساطة، على أمل أن ينسلّ من أزمته المعنوية بخيارات انتحارية مُتذاكية. كما أوْحى الشاب في ثنايا حديثه بأنّ “الإلحاد” يبقى خياراً ضمن خيارات الانفلات من الواقع المزري أيضاً، بقوله: “أتمنّى من ربنا إنه هو ياخدني، إحنا كدة حانْخُش في إلحاد، إيه اللي بيحصل في مصر دلوَقتي، كلّ حاجة فيها سواد، عيشة بَئِت مرار” (أتمنّى من الله أن يأخذني، نحن بهذا الحال سندخل في إلحاد، ما الذي يحصل في مصر الآن؟! كل شيء فيها قاتم وعيشنا صار مريراً).

إنّ التلويح بخيارات انتحارية أو إلحادية بعد صدمة كروية ألمّت بجماهير ترتدي قمصان منتخبها؛ يكشف في مغزاه عن الطابع التنديدي الذي ينطوي عليه بعض المروق الاعتقادي والاضطراب المسلكي، بما يتجاوز قراءات شائعة لحالات كهذه عن أنها اختيارات واعية تمخّض عنها فحصٌ ونظر وتَدَبُّر، وهو ما يشير إلى أنّ “الإلحاد” ينتصب في الواقع العربي الراهن خياراً للتنديد بالواقع ذاته والتذمّر منه والتمرّد عليه وإظهار الانفصام عنه.

شهدت بلاد العرب وغيرها شيئاً من ذلك في محطات الصدمة والذهول عبر نصف قرن. ففي زمن مضى انتحر بعضهم؛ بمجرد أن داهمهم نبأ صادم عن موت الزعيم الأوحد “حبيب الشعب” أو رحيل الفنان الذي سُمِّي زعماً في رواية متطرفة “معبود الجماهير”، فجاءت الأنباء أنّ بعضهم ألقَوْا بأجهزة المذياع من عَلٍ ثم لحقوا بها إلى التهلكة مباشرة. لم تحظَ أجيال سبقت بأجهزة محمولة ومواقع تواصل اجتماعي فحُرِمَت توثيق اختياراتها العدمية تلك كما يفعل محظيّو الزمن الجديد؛ ومنهم المشجِّع الكروي القانط من أداء المنتخب الذي قاد سيارته المسرعة في شوارع القاهرة. ما استجدّ في أيّامنا هذه هي قدرة الفرد على الإفصاح الجماهيري، وامتلاكه مقوِّمات الإسماع والإزعاج والإيلام والتنديد العلني بالمجتمع والثقافة والدين والقيم والحياة؛ إن طاب له ذلك، وقد يربح إعجابات وفيرة إنْ فعَل؛ فيجد ذاته في مركز الاهتمام العام بين عشية وضحاها ويصير من مُلهِمي الحالة المارقة من الذات الجمعية أو النزعة الطافحة بالعدمية.

غياب أسرة واستقالة مجتمع

غاب المجتمع بحكمائه ومرشديه ومعلِّميه عن تطوّرات المشهد الذي عرضه “سبع سنين”، وكأنّ الفيلم استبطن عريضة اتِّهام للأدوار المجتمعية التقليدية بالعجز والقصور والغياب. وكشف الوثائقي النقاب عن أنّ الأسرة لم تكن محضناً حقيقياً لهذه العيِّنة القصدية المعروضة فيه، حتى أنّ أحدهم “حسن”، انتقل للعيش في كنف شقيقه الأكبر بمعزل عن والده، ثم آل به الحال إلى يُتْم معنوي استدرجه إلى مروق اعتقادي يشي بكُفْره بقسوة الواقع ونقمته على المجتمع بالأحرى وإحساسه العميق بالعدمية وانتفاء المعنى والقيمة والغاية من عينيه.

تعبِّر حالة هذا الفتى بوضوح عن فقدان البيت الاجتماعي الذي تقوّض فجأة، فوجد ذاته مكشوفاً في العراء. نشأ “حسن” في بيئة تماهت فيها الأسرة وأواصرها ومحيطها مع التشكيل المجتمعي، وكان لاختيار اسمه المركّب “حسن البنّا” دلالته في منسوب التوقّع منه بأن ينشأ رائداً إصلاحياً على منوال رمزية مؤسِّس جماعة الإخوان المسلمين. كان الوسط المحسوب على هذه الجماعة بمثابة البيت الاجتماعي لفتى بدا في الوثائقي في غيبوبة عن نسقه التقليدي ووشائجه التي نشأ معها. لم تكن صدمة “حسن البنا” الفتى في ما جرى من انقلاب عسكري وما أعقبه من مذابح الميادين؛ وإنما تجلّت لحظة الصدمة عندما عايَن جثمان أخيه الأكبر الذي أحاطه بالرعاية، فأدرك في موقف الذهول أنه فقد الأخ والمربِّي والمأوى والمعنى فألفى ذاته وحيداً متروكاً لحيْرته وعجزه وقنوطه، فألقت به صدمة الفَقْد فريسةً لإحساس داهم بالانكشاف إزاء سطوة الواقع المسلّطة عليه.

وَهمْ “الحياد الاعتقادي”

وَضَع وثائقي “سبع سنين” جلساءه على ما يشبه أريكة الإفصاح لدى معالج نفسي عندما وَلَج شيئاً فشيئاً إلى عوالمهم الخاصّة. لكنّ البوْح انقلب في بعض محطّاته إلى تنظير لاختيارات اعتقادية ومسلكية. كان من بين الذين ظهروا في الوثائقي شابٌّ جامعي لا تدور حكاية تحوّله حول موقف صادم أو لحظة ذهول كما لوحظ لدى غيره؛ فما جرى أنّ ثقته بالنخبة الموجِّهة انهارت في اختبارات الواقع السياسي، وهو ما تجلّى لديه مع حالة عمرو خالد الذي كان شخصية مُلهِمة له، حتى أنّ الشاب انخرط بنشاط في مبادرات “صنّاع الحياة” التي أطلقها الداعية المثير للجدل إلى أن صدمته مواقفه السياسية بعد “ثورة 25 يناير”. وجد الشاب ذاته من بعد في أوساط جامعية من مشارب فكرية أخرى، فكانت المدارسات التي خاضها مفتاحاً لانعطافة اعتقادية.

عرض الشاب الذي بدا مثقّفاً مقولاتٍ منطقية ومنهجية، وشرح رؤيته لمنهجية الشكّ الاعتقادي التي أخذ بها (دقيقة 20، “في سبع سنين”) فتحدّث عن أنّ الشكّ يفترض “الحياد” و”استواء النقيضين”، وحتى يبحث المرء عن إيمان جديد ينبغي عليه أن يتوقّف عن كلّ إيمان، وأن يكون “محايداً” كي يبدأ الرحلة!. لا تجنح هذه المقولات عن محفوظات رائجة يتداولها “لوبي الإلحاد” والمتأثِّرون به، ولا يبدو أنّ مردِّدها هنا اكترث بتمحيصها كما ينبغي. فأيّ “حياد” اعتقادي هذا الذي يتحقّق بمفارقة الإيمان أساساً؟ وهل اختبار القناعات لا يتأتّى إلاّ بالكفر بها أو المروق منها؟

علّة الأمر في ما يحسبه بعضهم من إمكان الوقوف على “مسافة واحدة” من “اختيارات متعدِّدة” في الأحوال جميعاً، دون أن يلحظوا أنّ منطقهم هذا يستحيل تنزيله على الواقع في حالات شتى، فما يحسبونه فراغاً اعتقادياً إنّما هو اعتقاد بحدّ ذاته؛ حتى إنْ افتُرِض أنه اعتقاد بالفراغ أو بشيء منه. لا يتعلّق الأمر هنا بشراء معطف من معاطف متعدِّدة مثلاً، أو بمفاضلة بين مشروبات ساخنة من أصناف شتى، أو باختيار بين وجهات سياحية متفرِّقة أو بتحديد تخصّص دراسي محدد من تخصّصات عدّة. فاللحظة التي يقرِّر فيها أحدهم أن ينسلّ من إيمانه إنّما يفارق إيمانه بهذا ولا يتّخذ موقفاً “محايداً” منه، كما أنّ مغادرة نقطة معيّنة لا يكون إلاّ إلى نقطة أخرى لها إحداثيّاتها.

نجح العمل في إخراج مسلّحين ملثّمين من الميدان، واستدرجهم إلى بوْح نادِر؛ حرّر شحنات العاطفة المكبوتة وراء قناع يُخفي تضاريس الوجه وانفعالاته

ليست الاختيارات البيْنيّة والنسبيّة ممكنة التحقّق في شؤون شتى، وقد تكون تصوّراً عدمياً متخيّلاً، فهل من حياد بين أن يتنفّس الإنسان أو أن لا يتنفّس، أو أن يعيش حرّاً أو عبداً؛ حتى وإن تشكّلت هوامش رمادية تختلط فيها سطوة التسخير مع حرية مزعومة؟ من المألوف على أي حال الزجّ بـ”الحياد” كمقولة ذرائعية متواطئة مع انحياز ما أو رغبة مُسبقة، فمفارقة الإيمان تتواطأ مع الانسلال منه أو مع الكفر بمعتقد مخصوص، والتخلِّي القطعيّ عن الآصرة الزوْجية لا ينشأ معه حياد نحوها؛ فإمّا الإبقاء على الزواج أو الانسلال منه. أمّا التهيّؤ للزواج بالتودّد والمفاتحة والخطوبة ونحو ذلك فهي مقدِّمات إرادية غير حيادية في مقصدها ووجهتها وإن بدت للوهلة الأولى منزلةً بين منزلتيْن. قد يفكِّر الأعزب بالاقتران ويفحص خياراته دون أن يقتضي هذا منه مفارقة عزوبيّته كي يتّخذ موقفاً “حيادياً” في تفكيره، ومثل هذا يحصل من متزوّجين تعبث نزعة الانفصال برؤوسهم دون أن تقتضي منهم اندفاعةً إلى “طلاق” لتحقيق شروط “حيادية” التفكير والاختيار.

إنّ الرضوخ لوَهْم الحياد الاعتقادي، كما جاء في المقطع المُشار إليه من “سبع سنين”، يُظهِر، مع شواهد أخرى تلاحقت في الوثائقي؛ هشاشةَ البنية الفكرية واضطراب الحسّ النقدي لدى شبّان وشابّات قلّبتهم عواصف المرحلة وأُشرِبوا في قلوبهم مقولات حتمية بلا تمحيص؛ فانعكست على تصوّراتهم وأخضعتهم لوجهات مَضَوْا نحوها على غير بصيرة. وبعضهم في جنوحهم هذا عبّروا عن مفعول الصدمات والتحوّلات الجارفة في وعيهم؛ أو عن تأثير خسارتهم المأوى الاجتماعي الذي احتواهم؛ وانهيار ثقتهم بالنُخَب التي وثقوا بها وتلقّفوا ما صدر عنها من قبل.

على الجبهة الأخرى دفع مسّلحو الخنادق الذين ظهروا في العمل الوثائقي بمقولات لا تفترق عن محفوظات دعائية تروِّجها تشكيلات مسلّحة تكاثرت في ثنايا الواقع العربي في “سبع سنين”. تصطنع هذه المقولات منطقها الخاصّ لتنتهي إلى أحكام محدّدة سلفاً، بلا تمحيص، وهو تطوّر متوقّع بعد انكفاء تجارب الميادين العربية التي انتفضت عام 2011 وانهيار وعود التغيير الجماهيري السلمي في عيون قطاعات من هذا الجيل.

أحاسيس مرهفة خلف الأقنعة

أدخل وثائقي “في سبع سنين” مشاهديه إلى عوالم شخصياته الخاصّة، وخاطب كلاّ منهم بأسئلة استنطاقية من قبيل: “كلِّمني عن اللِّي فات، عن مشاعرك وقتها” (دقيقة 47). لم يكن سهلاً أن يُظهِر العمل الوجه الشاعري لشباب مسلّح ومقنّع. اكتشف المشاهدون شباباً رقيقاً حالماً هشّمته السطوة، وألقت به أعاصير المرحلة وحيداً وسط أمواج متلاطمة، بعد أن خذله المجتمع وعجزت الأسرة عن دعمه. إنه شباب لا يُحسِن السباحة، فاستسلم بعضه للغرق بينما تعلّق بعضه الآخر بما حسبها أطواق نجاة فانجرف معها إلى وجهة لم يقرِّرها بوَعي؛ بما جسّد حيْرة جيْل لم يتهيّأ لمثل هذه اللحظة وتُرِك بلا دليل إرشادي للتعامل مع النوازل. نجح العمل في إخراج مسلّحين ملثّمين من الميدان، واستدرجهم إلى بوْح نادِر؛ حرّر شحنات العاطفة المكبوتة وراء قناع يُخفي تضاريس الوجه وانفعالاته. يكشف شاب مسلّح عن شخصية مرهفة الحسّ، شارحاً ما جرى معه في لحظة التحوّل التي أمْلَتها صدمة الانقلاب العسكري على ضفاف النيل (2013) بقوْله: “فِضِلْت أبكي، فِضِلْت أعَيَّط” (دقيقة 39، سبع سنين).

تحدّث مسلّح آخر من جوْف لثامه عن أغنيته المفضلة. إنها “أنا وشادي” لفيروز، وهو اختيار ينسجم مع شخصية رقيقة لم تحتمل وطأة البطش. تروي الأغنية حكاية طفل سقط ضحية الحرب الأهلية فافتقدته رفيقة طفولته التي تسترجع ذكريات لعبهما سوياً على التلّ، ثم كبُرت الصغيرة وبقي شادي – الضحية – طفلاً صغيراً في وجدانها؛ وظلّ يلعب هناك في مراتع الطفولة المتخيّلة. أمّا الأغنية المفضّلة للمسلّح الآخر فهي “أمل حياتي”، وهي من عاطفيات أم كلثوم (دقيقة 47، “في سبع سنين”)، لكنّ أمل حياته تبدّد من عينيه على الأرجح؛ وإن بقيَت ذيول الأغنية عالقة في وجدانه من إرث زمن طُويَت صفحته وصار يصفه بـ”الجاهلية”.

هل فات الميعاد حقا؟

استنطق وثائقي “في سبع سنين” مَن أجلسهم على أريكة الإفصاح واحداً تلو الآخر؛ ثمّ ألقى بمشاهديه في دوّامة الحيرة مع سؤال جوهري جاء فيه: “ليس هناك حدّ فاصل بين ما هو شخصي وما هو عامّ، أم أنّ المسألة كلها تجارب شخصية لا تربطها ظاهرة وليس بينها خيط منهجي؟” (دقيقة 56). أظهر الوثائقي كيف انزلق هؤلاء الشبّان والشابّات نحو مسالك مناقضة لما كانوا عليه، فهل وجدوا ما وعدوا به أنفسهم من خلال الوجهات الجديدة حقاً؟ وهل لامس الباحثون عن فرودسهم الأرضي حقيقته؛ أم أنّ الانغماس في لحظة التحوّل أسكر وعيَهم؟ ارتطم الفريق المسلّح الذي ظهر في العمل بجدار العبثية المسدود، وتوزّع فريق الشكّ الاعتقادي على مربّعات العزلة والحيْرة والوهم والأيديولوجيا. اقترب وثائقي “في سبع سنين” على مدار ساعة كاملة من وجوههم، ومنح المشاهدين فسحة تلصّص على أقدار من خصوصيّاتهم وأشكال من انفعالاتهم، دون أن يزعم أنه رسم صورة كاملة لواقع شبابي ارتبط بالميادين العربية المنتفضة؛ وإن عمد إلى تأطير المضامين وتحديد نطاقها.

 

أثار عمل “في سبع سنين” نقاشاً ساخناً وتجاذبات حادّة، وأطلق تساؤلات عدّة في الأفق العربي، وتبقَى الحاجة قائمةً إلى “سنة ثامنة” أو ما بعدها؛ كأعمال تكميلية للاستدراك ولاكتشاف جوانب أخرى من الواقع أو للتعرّف على ما طرأ من تحوّلات لاحقة على وجوه العمل المشهود مثلاً، أو لمنح الخبراء والمحلِّلين والنقّاد وشهود المرحلة فرصة التعليق والتعقيب والتفسير والاستشراف. وإن استنطق العمل عالَمَيْن اثنيْن كما حسِب بعضهم؛ أولهما مع حالات المروق الاعتقادي وثانيهما مع تجارب التخندق المسلّح؛ فإنّ التأمّل الفاحص قد يكتشف أنه عالَم واحد تعدّدت وجوهه، فالمشتركات الماثلة بين شخصيات البوْح المشهود في الوثائقي وملامح التناظر النسبي في تجاربها الصادمة أو المؤلمة تعبِّر عن صدمة جيل وتشي بحيرته وتُفصِح عن اضطراب خياراته وتفرّقه بين شِعاب التِّيه؛ في مرحلة هوت فيها الآمال على الرؤوس وتساقطت فيها النخب من العيون وسُدّت معها سبُل الخلاص وانقشعت خلالها الشعارات المجيدة.

ثم جاء ختام الوثائقي بأغنية ذات دلالة متشائمة ومُوحِشة؛ استُحضِرت فيها أمّ كلثوم من مرقدها لتعلن أنْ “فات الميعاد.. وبقينا بُعاد، والنار بقت دخان ورماد”. من التوافقات غير المقصودة على الأرجح أنّ هذه الأغنية التي تختلط فيها الحسرة مع الندم؛ خرجت إلى الجمهور العربي سنة 1967 تحديداً، إيذاناً بهزيمة كبرى خلّفت ندوباً غائرة إلى اليوم في وعي جماهير الأمّة؛ بما ينكأ جراح الأجيال وصولاً إلى الذين هوَت آمالهم “في سبع سنين”. فرَض إسدالُ الستار مع مقولة “فات الميعاد” حُكماً حتمياً على حائري الجيل العربي؛ بأنّ مراكب عودتهم أبحرت بلا رجعة، وما عاد لهم من فرصة لملامسة برّ الأمان من جديد. قد يكون هذا صحيحاً مع بعضهم، لكن مَن بوسعه أن يجزم بأنّ التحوّلات الحادّة لدى هؤلاء الشباب تُسَوِّغ بهذه العجَلة إعلانَ نهاية تاريخهم.. بمجرّد انقضاء “سبع سنين” وحسب؟

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق