أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

ما هي مشكلات التعليم الإسلامي لأبنائنا في أوروبا؟

ينطلق كثير من أبناء المسلمين في أوروبا نهاية كل أسبوع إلى المساجد ليتلقوا دروسا في اللغة العربية والقرآن الكريم والتربية الإسلامية، وسط تحفيز من أولياء الأمور حرصا منهم على المحافظة على هويتهم الدينية، ورغبةً في تعلم لغة القرآن الكريم وما تيسر من آي الذكر الحكيم، وقد شهدتْ تجربة مدارس نهاية الأسبوع في أوروبا تطوراً كبيراً على مدار العقدين الأخيرين بشكل ملحوظ مقارنة بالعقود الماضية، من حيث: المناهج التعليمية، وتطور أداء المعلم وتكوينه، وأماكن التعليم، ونشأت روابط واتحادات للمدارس العربية داخل العديد من الأقطار الأوروبية، ومؤسسات أوروبية لتأهيل معلمي اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ولازالت الحاجة للتطوير والتجويد مُلِحَّة، ذلك لأنَّ التعليم بوجه عام هو مفتاح التغيير وبناء الشخصية وصياغتها وفق رؤيةٍ وفكرٍ وتخطيطٍ، وهو طريقنا لبناء الشخصية الأوروبية المسلمة وفق قناعتنا المستقلة.

 

ولا ريب أن هذا التأخير في التطوير والمراجعة والتجديد أفضى إلى انتقادات ورفض لتدريس مفردات التربية الإسلامية في المساجد من طرف بعض المسؤولين الغربيين في بعض الدول الأوروبية. لذلك نحن بحاجة أن نراجع ما نقدم لأبنائنا بحيث يتناسب مع عالم سريع التغير، وبيئة لها ما يناسبها من الطرح والأفكار، على أن تلك المراجعة يجب أن تدور في إطار فلسفة التصور الإسلامي للمواطنة القائمة على الموازنة بين الانفتاح والمحافظة، والموائمة بين الثابت والمتغير، ومقتضيات الانتماء للدين والوطن والأمة والإنسانية.

 أهم المشكلات في طريق التعليم الإسلامي بأوروبا

لا نستطيع أن نعزل الإشكالات المتصلة بتدريس التربية الإسلامية بالغرب عن ظروف الوجود الإسلامي والمراحل التي مر بها، فكل مرحلة لها سماتها وتحدياتها، وهو نفس الأمر عندما نسلط الضوء على إشكالات تدريس اللغة العربية والقرآن الكريم، أذكر منذ خمسة عشر عاما حينما قدِمتُ إلى ألمانيا وتابعتُ حينها النزاع الدائر داخل بعض المراكز الإسلامية حول المناهج التي يجب أن نعتمدها في تدريس أبنائنا هنا في اللغة العربية والتربية الإسلامية، فكان هناك من يشتد ويتحمس للمنهج المصري مثلا أو الأردني أو غيرهما من المناهج، وهكذا يستمر الحال حتى يصل في بعض المرات إلى اعتماد منهجين فضا للنزاع.  ثم يدفع أبناء المسلمين ثمن هذا الجنوح والعشوائية.

ما يؤخذ على هذه المناهج ما يلي:

سأسجل بعض المآخذ على تلك المناهج التي كنا – ولا زلنا رغم التغير الإيجابي – نعتمد عليها في عدد من الأقطار الأوروبية.

1- أن تلك المناهج كُتِبت للأطفال الذي يعيشون في البلاد العربية الذين يتحدثون ويفكرون ويفهمون اللغة العربية، وبالتالي فكثير من المصطلحات والكلمات عسيرة الفهم عند الطفل المسلم الأوروبي.

2- تتضمن تلك المناهج قضايا ليس ليها علاقة بالواقع الأوروبي ولا طبيعة المجتمع الذي يعيش فيه الطفل.

 3- لا يتناسب طرحها – غالبا – مع عقلية الطفل المولود هنا، حيث تعتمد كثيرا على التلقين دون العناية الكافية بالتحليل والتعليل والاستنباط والمساحة المناسبة للحوار .

4- ضعف معالجة الإشكالات التي يعيشها الطفل في البيئة الأوروبية – البيئة- الاستهلاك – استقلال الشخصية وغيرها.

اعلان

 5- الإخراج الفني للكتب والأمثلة غير ملائم مع الذوق العام الذي يعيشه الطفل في المدارس الأوروبية الرسمية.

6- المناهج المستوردة مُقَسمة على عدد من الساعات التي تناسب الطفل في البيئة العربية، ولكنها لا تتناسب مع الوقت المتاح لتدريس مادة التربية الإسلامية بمدارس السبت والأحد هنا.

7- بعض المقاطع المرئية على اليوتيوب التي يعتمدها بعض المعلمين في التربية الإسلامية يتضمن قصصا ومواعظ جيدة جدا ومناسبة لكل طفل مسلم في العالم، ولكن هناك أيضا ما يدعو للخرافة وتسطيح العقل فعلى المعلم والمربي أن ينتقي ويختار بعناية فائقة، فالطعام الجيد له أثره الصحي على البدن، والمعلومات الخاطئة لها آثارها السيئة على بناء العقل.

نماذج من المناهج المستوردة

اطلعت منذ أسابيع على بعض الكتب في التربية الإسلامية للأطفال التي تم تأليفها في بعض الدول العربية، وتلقى رواجا لا بأس به.  فوجدتُها متعددة المزايا، وافرة الجهد في إعدادها، وكُتبت بطريقة مبسطة إلى حد ما.  لكنها غير مناسبة للطفل هنا بأوروبا، نعم يمكن أن يستفيد منها المعلم والمربي الذي يمتلك الحس النقدي والقدرة الانتقائية، على ألا تقدَّم للطفل كتابا مطبوعا أو مسموعا، حينما قرأت الكتاب المفترض تقديمه للطفل في عمر عشر سنوات وجدته يصنع شخصية منغلقة سحطية لا تعترف بالاختلاف ولا بتعدد الآراء. فقد عرض الكاتب بعض الأحكام الفقهية بطريقة أحادية الرأي رغم كونها من المسائل الخلافية مثل :

 

{حكم الشرب قائما}.  فقد قطع المؤلف بتحريم الشرب قائما، والمسألة واسعة، فإن ورد النهي عن أن يشرب المرء واقفا كما في صحيح مسلم، فقد جاء في البخاري من حديث ابن عباس أنه سقى الرسول صلى الله عليه وسلم من زمزم وهو واقف، وجمع العلماء بين الحديثين على أن النهى محمول على الكراهة التنزيهية أو الإرشاد، والحديث الآخر على سبيل الجواز.

فالمسألة إذاً فيها سعة فلماذا نضيق ونربي أبناءنا على القطع والإطلاق فيما هو محتمل؟! وقد رأيت بعض طلاب الجامعات في ألمانيا يكون وسط زملائه وقوفا في مكان عام فإذا أراد الشرب جلس على الأرض، في مشهد يدعو للتعجب ويفتح بابا للسؤال والنقاش لن يكون الإسلام فيها رابحا، فالقضية ليست أصلا من أصول العبادات أو العقيدة أو المعاملات. وقد اندهشت حينما وقع بصري على في هذا الكتاب على شرح مفهوم البدعة! وقلت: ما قيمة الحديث عن البدعة؟ إن الطفل لم يعرف شيئا عن الدين فكيف أطرح له هذا المفهوم في هذا العمر؟!  لقد انحرفت الغاية من العناية بمفهوم البدعة التي تقتضي حماية أصول الدين من تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتزييف الزائغين إلى ورقة في يد ثلة نَصَّبتْ نفسها حاكما على العلماء والدعاة، وما أسهل عليها أن تصف فلانا بأنه مبتدع وضال، لا لشيء سوى أنه حليق اللحية أو طويل الثياب أو مؤول إلخ. .

 

وأعجب منه تحريم الصور ذات الأرواح والاستدلال بالأحاديث التي لا يصح بها الاحتجاج في المسألة، وهي بعدُ من المسائل التي أرهقت الأمة وشَقَّتْ صفوفها وأنتجت طوائف من الشباب لا يعرفون قيمة لمن يخالفهم. وفي الكتاب شرح لسورة البينة والتركيز على مصير الكفار في الآخرة.  قلت: اختيار غير موفق تماما. ذلك لأنها ستفتح أبوابا من الأسئلة والنقاش فوق طاقة الطفل وربما فوق القدرة المطلوبة من المعلمين. يجب أن ندقق كثيرا في اختيار الآيات القرآنية والسور التي نتعرض لشرحها لأبنائنا، فلستبدل بآيات العذاب آيات الرحمة والحديث عن الجنة ونعيمها وصفات وأخلاق المؤمنين. وقد وجدت الكاتب تحدث بسطحية شديدة عن أعياد غير المسلمين وعدم المجاملة في الدين وتحريم تهنئة المسلم لغير المسلم في أعياد نهاية العام. يجب أن نتجاوز هذه المسألة في الشرق والغرب على السواء. إننا لا ندعو لغلق الباب أمام الاستفادة من الإنتاج العلمي والأدبي والتربوي المنتج خارج الساحة الأوروبية، بل يجب الإفادة منه والانتفاع به، لكن وفق معايير وقواعد تراعي تغير الزمان والمكان والظروف والبيئات والأحوال، وتلك هي الحكمة التي يسعى المسلم خلفها أنى وجدها فهو أحق بها.

 كيف نعرض العقيدة الإسلامية على أطفالنا؟

من نكد الدنيا علينا أن تلاحقنا منهجية التفكير التي صنعت قلوبا قاسية حينما قدمت العقيدة على أنها عملية رياضية جافة لا توقظ ضميرا، ولا تلهب عاطفة، ولا تغرس الحب والشوق إلى الله جل في علاه.  هلاَّ تعلمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أسس العقيدة الحية في نفوس الصحابة وصاغ منهم رجالا قلوبهم في السماء وأقدامهم على الأرض؟ ها هو يسكبها في قلب عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حين أودعه تلك النصائح الغالية العظيمة قائلا:  “يا غُلامُ إنِّي أعلِّمُكَ كلِماتٍ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سأَلتَ فاسألِ اللَّهَ، وإذا استعَنتَ فاستَعِن باللَّهِ، واعلَم أنَّ الأمَّةَ لو اجتَمعت علَى أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يَنفعوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ لَكَ، وإن اجتَمَعوا على أن يضرُّوكَ بشَيءٍ لم يَضرُّوكَ إلَّا بشيءٍ قد كتبَهُ اللَّهُ عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجفَّتِ الصُّحفُ” رواه الترمذي

 

لماذا لا نؤسس العقيدة انطلاقا من أسماء الله الحسنى وفق برنامج تربوي علمي متنوع الوسائل؟ ولعلنا نستفيد من كتب شيخنا محمد الغزالي رحمه في هذا الباب وهي كثيرة وقد ألح على تلك الفكرة طويلا.  خاصة كتابه ” عقيدة المسلم” وفي كتاب العلامة الإمام القرضاوي الإيمان والحياة نموذج رائع لتقديم العقيدة.

 من خصائص المنهج المنشود

يجب أن تُعَبر مناهج تعليم الإسلام للأطفال في مساجدنا عن أهدافنا ورؤيتنا لمعالم وصفات الشخصية التي نريدها للمسلم الأوروبي في جوانبها المتعددة، ولعلي أذكر بعض الأفكار لمعالم هذا المنهج :

 

1- أن يجمع المنهج بين المحافظة على الهوية الإسلامية للمسلم الأوروبي وتفعيل دوره في وطنه وتعزيز انتمائه له.

2- رعاية القيم الإيمانية والأخلاقية والاجتماعية التي تشكل الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة.

3- التأكيد على القيم المشتركة في المجتمعات الأوروبية التي تشكل القاسم الواسع بين مكونات أبناء الوطن الأوروبي.

4- التأكيد على دور الإسلام في تشكيل الهوية الأوروبية من خلال العلاقات التاريخية بين الشرق والغرب، والتاريخ الأوروبي الإسلامي في الأندلس وإشعاعاته الحضارية الواسعة.

5- أن يقوم المنهج على التحليل والتعليل والاستنتاج والحوار ويتجاوز أسلوب التلقين التقليدي.

6- يجب أن يكون التعليم في مساجدنا لأبنائنا على مستوى المدراس الأوروبية في كفاءة المعلم وأسلوبه، وجودة المناهج، ونظافة وترتيب المكان، وتطور وسائل التعليم، ولا ريب أن هذا هدف كبير دونه صعوبات وتحديات وجهود وزمان، لكن يجب أن نقبل التحدي ونكون على قدره وأن نقدم نماذج ناجحة تدفع الآخرين للمنافسة المحمودة نحو التي هي أحسن، ومن سار على الدرب وصل، ولكل مجتهد نصيب.

المعلم هو حجر الزاوية

لا تُغني أفضل المناهج عن المعلم القدير، صاحب الجهد الفريد، والحرص الشديد، والعمل السديد، ولن تحقق العملية التعليمية غايتها لو تركت المعلم لاجتهاده الفردي دون مناهج مدروسةـ وخطط مُحكمَةـ ومتابعة ومدارسة، وإعداد وتكوين في الجانب العلمي والواقعي ليجتمع فيه الفقه العميق في الدين والفهم الدقيق للواقع الأوروبي حتى نتجاوز التجارب القديمة التي قامت على استنساخ التجارب والأساليب التعليمية والخبرات التربوية دون رعاية المجتمع والبيئة الأوروبية. وبعد، فليس مقصودي من المقال تسويد الصفحات أو سرد ذكريات أو رصد تجارب هنا وهناك، إنما هو أملٌ نشترك فيه جميعا نحو صياغة أجيالنا الجميلة هنا على خير صبغة يرضاها الله رب العالمين، في عالم متلاطم الأفكار موار بالفتن.

 

ولا زال مسلمو أوروبا يضعون ثقتهم بالمساجد، ولا زال أطفالنا يترددون على بيوت الله تعالى، فلنحسن استقبالهم، ولننفق بسخاء على إعداد أفضل أماكن للتدريس وأفضل مناهج يُبذل من أجلها أغلى الأوقات والأموال، فإلى كل معلم ومعلمة، ومرب ومربية، وإلى كل مدير مدرسة ومسؤول عن مركز إسلامي في أوروبا والغرب عامة، علينا أن ندرك جيدا أن تعليم الإسلام في مساجدنا لأبنائنا خيار استراتيجي ومصيري سوف يرسم المستقبل، وأرجو من الله تعالى بفضله وكرمه أن يفتح هذا المقال مزيدا من النقاش والحوار وورشات العمل والكتابة حول مستقبل التعليم الإسلامي لأبنائنا في الغرب، آفاقه، ومعالمه، ومتطلباته، وتحدياته. هذا وقد أفدت من بحث قيم لأستاذنا الدكتور عبد المجيد النجار، الموسوم ب {التعليم الإسلامي بالغرب} وقد نشر ضمن كتابه الماتع {الآفاق الحضارية للوجود الإسلامي بالغرب}، والحمد لله أولا وآخرا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق