اراءرأي رئيسي

ما معنى شهر حرام؟

نحن في شهر رجب المحرّم لقوله سبحانه في سورة التّوبة المدنية ومن آخر ما نزل(إنّ عدّة الشّهور عند الله إثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السّماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدّين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم). ومعلوم أنّ الإسلام لم يبادر هو بتحريم تلك الأشهر الأربعة (محرّم ورجب وذي القعدة وذي الحجّة). إنّما أقرّ ذلك التّحريم الذي كان يعمل به العرب قبل الإسلام. بقيّة مما أورثوا من ملّة إبراهيم عليه السّلام. عدا أنّهم شغبوا على ذلك بوثنيات عجيبة. ذلك أنّ الإسلام له مستويات ثلاثة في التّشريع : مستوى إخباريّ عن الغيب الذي لا مناص فيه من وحي. ومستوى إنشائيّ للعبادات بمعناها الخاصّ. ومستوى إقراريّ يزكّي فيه ما وجده سابقا عنه من تشريعات سالفة. وذلك بسبب صلاحها أو منفعتها. وهي عادة ما تكون من إرث نبوّات سالفة

لماذا حرّم الله سبحانه ثلث الزّمان؟

معلوم أنّ ثلث الزّمان كلّه محرم. إذ أنّ نسبة أربعة شهور من إثني عشر شهرا يعني الثّلث. والثّلث كثير. كما قال عليه السّلام في شأن الوصيّة خاصّة. وهي قاعدة رياضية عقلية بصفة عامّة. فلسفة تحريم الزّمان معناها إلزام النّاس بوضع الحرب وبثّ الأمن والسّلم بينهم إلزاما دينيّا وجوبيا. وليس إستحبابا أو سنّة نبويّة فحسب. ولذلك تضمّنها القرآن الكريم نفسه. موردا فيها من التّشديد والوعيد ما قد نتعرّض له هنا إن شاء الله. ومعلوم أنّ المقصد الأسنى من ذلك هو تشوّف الشّريعة إلى بسط الأمن والسّلم والطّمأنينة بين النّاس في الأرض إلى أبعد الحدود الممكنة. وعندما يلتزم النّاس بوضع الحرب وسلّ أسبابها بينهم ثلث الزّمان كلّه فإنّ ذلك لكفيل بتربيتهم على تركها وتنشئتهم على إستهجانها وتزكيتهم على عدّها كرها مكروها. فمن لا يكره الحرب لما فيها من إهراق دماء ـ قد يكون بعضها بريئا ـ هو صاحب فطرة تلوّثت. ولذلك قال سبحانه (كتب عليكم القتال وهو كره لكم). والغرض من بسط الأمن بين النّاس بسلطان الدّين ـ وهو أقوى سلطان قمين بحبس الأهواء ـ هو إفساح مجال لهم للقيام بما كلّفوا به من عبادة وتزكية وعمارة أرض. وهي مهمّات تحتاج إنبساط أمن وإندياح سلم. ممّا يتعلّق بالعبادة هنا هو أنّ ذلك التّحريم طال ثلاثة أرباع تلك المساحة الزّمنية كلّها. ذلك أنّ الشّهور الثّلاثة المحرّمة تباعا دون إنقطاع إنّما كان تحريمها بغرض إفساح مجال لحجّاج بيت الله الحرام أن يفضوا إليه من فجاج عميقة بعيدة ثم يعودوا إلى أهليهم سالمين آمنين. وكان ذلك في تلك الأيّام يتطلّب شهورا بسبب وسائل النّقل المعروفة. ذلك أنّ إنعدام الأمن وتفشّي الخوف بين النّاس يؤخّر أسباب العمارة وأسباب العبادة سواء بسواء. إذ فطرنا الفاطر سبحانه على إنقباضنا عند الخوف تأمينا لأنفسنا وعلى إنبساطنا حيوية وعملا عند الأمن أملا في كسب وعيش وحرّية

لماذا حرّم الله المكان كذلك؟

ولكنّ تحريم الزّمان ثلثه لا يكفي سببا للقيام بالعبادة والعمارة. فكان لا مناص من تحريم المكان كذلك. ومن ذا حرّم الله سبحانه المكان الخاصّ المغلق الذي لا يلجه إلاّ أصحابه من ذوي ملّة واحدة. من تلك الأماكن : المعابد بكلّ أنواعها وذلك لقوله سبحانه في سورة الحجّ المدنية (ولولا دفع الله النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامــــــع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها إسم الله كثيرا). معلوم أنّ الصّوامـــــــع والبيع والصّلوات معابد لغير المسلمين. ومعنى ذلك هو تكليف الأمّة الإسلامية نفسها بحماية كلّ المعابد. بغضّ النّظر عن شرعيتها الدّينية وبطلان التّعبّد فيه من وجهة نظر إسلامية. وهو الأمر الذي إلتزمه عليه السّلام ومن بعده آمرين في كلّ مرّة بإجتناب العابد في معبده والفلاّح في مزرعته وكلّ من لا أرب له في الحرب والعدوان. وذلك لقوله سبحانه (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا). أي أنّ القتال لا يكون إلاّ ضدّ من يقاتلنا. وأنّ غير ذلك هو عدوان لا يحبّه الله سبحانه. بل يعاقب عليه. ومن الأماكن المحرّمة ـ مثل المعابد ـ المساكن الخاصّة بالناس. وذلك لقوله عليه السّلام (من إطّلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينيه فما عليهم من ضمان). ولمّا فعل الفاروق عمر شيئا من ذلك خطأ روجع فتراجع معتذرا. رغم أنّ البيت الذي تسلّل إليه فيه منكر حقّا. وبالجملة فإنّ كلّ مكان في الأرض يكون معبدا لأيّ طائفة أو مسكنا لأيّ عائلة أو أناس أو سوقا يغشاها المسلم والكافر والمتديّن والمتسيّب هو مكان محرّم لا يولج إلاّ بإذن أهله وإلاّ عاد المستأذن من حيث أتى لقوله سبحانه (وإن قيل لكم إرجعوا فارجعوا). ومن ذلك يعلّمنا الإسلام أنّ الفضاءات في الحياة فضاءان لا ثالث لهما : فضاء خاصّ لا يولج إلاّ بإذن أهله. حتّى لو علمنا أنّ فيه منكر منكور. إلاّ لإستثناءات أمنية خاصّة يكون فيه لصاحب القضاء وحده الكلمة الفصل. ومن تلك الفضاءات الخاصّة المعابد والمساكن والمنازل والأسواق والنّوادي. وغير ذلك ممّا يكون مقصورا على طائفة أو ملّة أو عائلة أو مشمولين بشيء مشترك بينهم. حتّى لو كان ذلك الشّيء هو البيع والشّراء من مثل الأسواق التي يغشاها كلّ أحد. وفضاء عامّ يلجه كلّ من هبّ ودبّ بدون إستئذان في العادة. وهذا تقوم الدّولة أو من يقوم مقامها على تنظيمه. والأصل أنّه يلتزم فيه بالتعاليم الفطرية العامّة المعروفة عند كلّ النّاس. من مثل عدم التعرّي الفاحش أو إستفزاز أهل دين مخصوصين أو إكراه أو عنف أو إرهاب أو أيّ خروج عن آداب الفطرة التي فطر الله النّاس كلّهم عليها

ما هو المقصد الأسنى من تحريم الزّمان والمكان؟

لا شكّ أنّ الزّمان والمكان كائنات إعتبارية مقياسية. ومن ذا فإنّ تحريمها ليس مقصودا لذاته. وإنّما حرّمت لمقصد آخر هو : حرمة الإنسان. الإنسان إذن هو المقصود بتحريم الزّمان والمكان. لأنّ الزّمان والمكان خلقا له تسخيرا حتّى يقوم بمهمّاته التي لأجلها خلق. أي العبادة والتّزكية والعمارة. فإن كان كافرا وأبى فله السّلم العامّ ما لزم السّلم وبثّ الأمن. حرّم الزّمان حتّى يتسنّى للإنسان بذل ما يمكنه لعمارة الأرض وتزكية نفسه روحا وعقلا وعبادة ربّه سيما في رحلة الحجّ التي تتطلّب حتّى اليوم ـ فما بالك بالسّالفات ـ أيّاما وتجشّما وإعدادا. وكذلك حرّم المكان حتّى يكون الإنسان آمنا مطمئنّا في بيته الخاصّ ومعبده الخاصّ وناديه الخاصّ وسوقه التي يغشاها لطلب عيشه. وغير ذلك ممّا لا يطؤه غيره أو من غير ملّته وطائفته. مادام كلّ ذلك مغلقا غير مفتوح لعموم النّاس. فإن فتح لعموم النّاس فهو فضاء عامّ تحكّم فيه الفطرة المعروفة بين النّاس. وليس تقاليد هذا الدّين أو تلك الملّة

لماذا حرّم رجب؟

إذا صحّ أنّ رحلة الإسراء والمعراج جدّت في رجب فإنّ رجب حرّم بسبب ذلك. ذلك يعدّ صحيحا في الأرجح. ولكن ليس مسلّما به بشكل لا يتعرّض لأيّ معارضة كما يعرف ذلك طلبة العلم. ذلك أنّ تحريم رجب يعني ـ في هذه الحالة ـ تحريم شعيرة الصّلاة التي فرضها الله سبحانه في تلك الرّحلة من جهة. وتحريم الأرض المقدّسة. أي المسجد الأقصى الذي بارك الله فيه وحوله أن تطاله رماح الظّلم وسنان الإحتلال. ومعلوم أنّ المسجد الأقصى هو ثالث ثلاثة من الحرمات التي لا تشدّ الرّحال إلاّ إليها كما ورد في الحديث الصّحيح عنه عليه السّلام. فهو مسجد أي معبد من جهة. وهو من الحرمات الثّلاث العظمى. مثله في الحرمة مثل الكعبة البيت الحرام ومسجده هو نفسه عليه السّلام ولذلك قال سبحانه (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للنّاس والشّهر الحرام والهدي والقلائد). ومعلوم أنّه رتّب سبحانه كفّارات مغلّظة على من إنتهك تلك الحرمة إذا صاد شيئا وهو محرم. قيمة الحرمة نفسها لا تتجزّأ. رجب يعني لسانا الحرمة والعظمة والشّرف والتّقدير. حرّم رجب إذن تحريما لشعيرة الصّلاة التي هي عماد الدّين وبلسم الرّوح ومعراجها إلى الله سبحانه من جهة وتحريما للمسجد الأقصى من جهة أخرى

كيف نحرّم اليوم رجبا؟

على المتحاربين وضع أسلحتهم تحريما لشريعة الله سبحانه ولزوما لأمره إلاّ مظلوما لقوله سبحانه (يسألونك عن الشّهر الحرام قتال فيه؟ قل : قتال فيه كبير. وصدّ عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عن الله). ذلك أنّ وطء المحرّمات المعنوية ـ أي الزّمان والمكان ـ أعظم وزرا عند الله سبحانه من تناول المحرّمات المادية. من مثل شرب الخمر. الأولى حمى الله سبحانه التي لا توطأ تقديسا لحرمة الإنسان نفسه الذي قدّسه القدّوس نفسه سبحانه. وطء الأولى تمرّد شبيه بتمرّد إبليس في الجنّة. وطء الأخرى ذنب كمثل ذنب آدم عليه السّلام فيها. ومن ذا غفر الله سبحانه لآدم لأنّه صاحب شهوة. ولم يغفر لأبليس لأنّه صاحب شبهة. كما نحرّم اليوم رجبا بكبح ألسنتنا وأقلامنا وأفلامنا وأجهزة التّصوير عن حرمات النّاس كلّهم أجمعين إلاّ ظالما فلا حرمة له حتّى يقلع عن ظلمه. أكثر الحرب اليوم لم تعد بالسّنان إنّما باللّسان. والقياس يقتضي تعدية ذلك إلى هذا لإشتراكهما في العلّة التي هي تحريم الإنسان وصون كرامته وعدم تعريضه للدّون والهوان . ذلك أنّ قوله سبحانه كما أنف معنا (فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم) يعني عود الضّمير على الشّهور الحرم الأربعة. وظلم النّفس فيها يعني وطء حرمات النّاس سنانا أو لسانا أو قلما أو صورة. وأنّ ذلك أعظم وزرا من وطء ذلك في غير تلك الشّهور المحرّمة

خلاصة

الإسلام متشوّف إلى بسط الأمن وبثّ السّلم. ومن ذلك أنّه لم يقصر تعليماته حضّا على ذلك وتحريضا قد يلقى قبولا وقد يلقى إعرضا. إنّما خطّ للنّاس حمى شدّد على عدم وطئها. وهي الشّهور الحرم الأربعة. أي ثلث الزّمان. ومن حبس هواه عن العدوان ثلث حياته فإنّه لقمين بقيم الأمن والسّلم بقية حياته. وكلّ ذلك إنّما غرضه تحريم الإنسان والمبالغة في تكريمه وتقديسه وإتاحة الفرصة أمامه لعمارة الأرض بالخير

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق