اراءاهم الاخباررأي رئيسي

ماذا خسر العالم بسقوط غرناطة؟

مرّت بنا في الأسبوع المنصرم ذكرى سقوط غرناطة ـ العاصمة الإندلسية الأروبية ـ وذلك في عام 1492 ميلادية بعد أن دالت دولة الإسلام هناك ثمانية قرون كاملة تعلّم فيها الأروبيون الذين يعيشون في ظلام دامس في تلك الحقبات حقيقة التحضر والتمدن والأنسنة والترقي ولم يشهد من أهلها شاهد بمثل ما شهدت المستشرقة الألمانية العظمى ( سغريد هونكه ) في سفرها الفريد الذي ترجم إلى كل لغات العالم تقريبا ومنذ نصف قرن كامل : شمس الله تسطع على الغرب. مما تذكره هذه المرأة الكبيرة أن الأروبيين لم يكونوا يعرفون دور الإستحمام في بيوتهم وما يعنيه ذلك من إستمراء للقذارة وتشبه بالبهائم. هما مناسبتان أهداهما الله سبحانه للغربيين عموما والأربيين بصفة خاصة : مناسبة حروب الفرنجة في فجر الألفية المنصرمة إذ غنم الأروبيون من المسلمين علوما ومعارف تحولوا بفضلها إلى سادة العالم ومناسبة سقوط غرناطة في منتصف الألفية نفسها ومازالت حضارة المسلمين في إسبانيا شاهدة على مشهد جديد من المدنية والإحسان وحياة الأنسنة . أما من يريد الجواب كاملا عمّا خسره العالم بأسره بإنحطاط المسلمين فما عليه سوى مراجعة سفر آخر أشمل هو : ماذا خسر العالم بإنحطاط المسلمين للعالم الهندي أبي الحسن الندوي عليه الرحمة

كسب المسلمين بعد خمسة عشر قرنا

هناك نقطة منهاجية لا بدّ من الإشارة إليها إبتداء وهي أن دأب المصلحين اليوم على قولهم أن المسلمين أصيبوا بالذي أصيبوا بسبب ما جنت أيديهم لا يعني أن الكسب العام للميزان الإسلامي بعد خمسة عشر قرنا هو كسب سيء وخاصة بالمقارنة مع غيرهم ولكن المصلحين ينتحلون لسان التعبئة ويمتشقون قلما يحمّل المسلمين مسؤوليتهم وبذلك يعاودون محاولة جديدة للنهوض. عدا أن كثيرا من الناس لا يحسنون إلتقاط الرسالة فيظنون أن الكسب الإسلامي كله أسود قاتم وفي كل الحقول بل إن ذلك هو الذي دفع بملايين مملينة من الشباب المسلم في الأصل إلى إعتناق مذاهب غربية لأنهم ظنوا أن الإسلام طويت صفحته. والحقيقة التي ظفرت بها والحمد لله هي أن التدين لا ينصلح حتى يدرس صاحبه التاريخ دراسة وافية ضافية. بل أكاد أقول : من لم يتعلم التاريخ وعبره فلا يتصدرن مجالسنا ولا يكتبن ما به ينفّر عن الإسلام أو يوهن العزائم

الكسب العلمي الفكري : هو الأعظم بين الشعوب

برز ذلك بعاملين إثنين : أوّلهما هو أن الإسلام غرز أتباعه بعقيدة معيارها ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) وأن العبرة في كل شيء من الإعتقاد حتى طرد نملة هو العلم والعرفان وليس التقليد والبهتان. العامل الثاني هو أن الخلافة العباسية التي إمتدت خمسة قرون وربع القرن إزدهرت فيه الحريات الفكرية فبرزت فيها المذاهب الفقهية والمدارس الكلامية والطرق الدينية والتيارات الفكرية إلى حد بلغ مبلغه إذ إنشقت عنها خلافات إسلامية شرقا وغربا ومنها هذه التجربة الأندلسية التي بمناسبة سقوطها جاء هذا المقال. ليس هناك اليوم علم ولا فكر ولا معرفة كونية وفي كل الحقول والمجالات إلا ولها من ذلك العهد العباسي نبتة أصيلة سواء تعلق ذلك بالطيران ( أوّل محاولة لعباس إبن فرناس ) أو للدورة الدموية الصغرى والكبرى أو بالعمليات الجراحية أو بعلم الفضاء والإسطرلاب وأدوات قياس الحرارة والبرودة أو بعلم النبات والطب والصيدلة. ومازالت آثار إبن سينا ظاهرة في أعرق الكليات الغربية أو كان ذلك في العلوم الإنسانية والإجتماعية. ومازال إبن خلدون هو مرجع كل ذلك. حتى في العلوم التي أراد بعض الأروبيين نسبتها زورا إليهم برز منهم من سفه ذلك وأعاد البضاعة إلى أهلها ( علم الجاذبية مثلا ونسبته زورا إلى نيوتن ) وكما ذكرت أعلاه لا يغنيك من هذه الدعوى التي أكتبها الآن عدا سفرين كبيرين عليك بهما إن كنت جادا : سفر الندوي وسفر هونكه. ولا حديث هنا عن العلوم الدينية والشرعية لأنها لا تكون محل مقارنة مع الآخرين ولكن حسبي أن أذكر أنه ليس هناك دين لا سماوي ولا أرضي دونت عقائده وعباداته وكسوبه الفكرية وبحوثه التراثية بتنوعاتها غير المحدودة مثل ما فعل بالفكر الإسلامي ومن ذلك مفخرة الإسلام والمسلمين في علوم الإسناد والتوثيق والتحري أي علم الرجال أو علم الحديث أو علم الجرح والتعديل الذي شيّد للإسلام صرحا لا يهوى وهو أكثر علم يبرهن على أن المسلمين ملقحين بمصل عنوانه : الفصل بين قيمة الرجل وبين علمه وأثره ودعواه إذ لم يتحرج الناس أن يصنفوا لزهاء عشرة آلاف صحابي وأضعاف أضعافهم بما لا يحصى لكل واحد منهم ملفا شخصيا يمتحنون فيه ضبط الصحابي وأمانة غيره. ليس هناك دين ولا حضارة بلغت هذا المرقى الأعظم وبذلك تحقق حفظ الله سبحانه لذكره وبوسائل أخرى لا نعلمها. حصيلة الكسب العلمي المعرفي الفكري إذن في التاريخ الإسلامي زاخرة بكل عناوين الفخر والعظمة

الكسب العسكري الدعوي : هو الأنقى بين الشعوب

هذا حقل مزدوج وذلك بسبب أن الدعوة إلى الحوار في السابق كانت تتم خارج الحدود عبر الفتوحات التي أسيء فهمها اليوم إذ هي في عيون كثير من المسلمين غزوات قهرية لإكراه الناس على الإسلام أو إجتياحات عسكرية بالقوة وهو ظن خاطئ إذ ان الفتح في الإسلام ليس هو سوى طلب عدم الحيلولة دون الناس ودعوة الإسلام من لدن الإمبراطور الحاكم فإن فتح الحدود للحوار فله السلم والأمان وإن أبى فإن له الحرب ليس إكراها له أو لغيره على الإسلام ولكن تأمينا لحق الناس كلهم في الإستماع إلى كلمة الله سبحانه فمن أسلم فله السلم والأمن ومن كفر فله مثل ذلك. هذا حقل مزدوج يتركب من الكسب العسكري من جهة ومن الكسب الدعوي من جهة أخرى. أما على الصعيد الفتحي الدعوي فإن مفخرة الإسلام والمسلمين هي أنهم وصلوا فاتحين بالحسنى وداعين إلى الحق شرق الأرض بغربها حقيقة لا مجازا فمن الصين والهند وجنوب شرق آسيا شرقا إلى غرب إفريقيا وغرب أروبا غربا ومن وسط أروبا شمالا إلى أقصى جنوب إفريقيا جنوبا وهي مساحة جغرافية تحتل ما لا يقل عن نصف الأرض كلها والعجيب أن جزء كبيرا من ذلك وقع في القرون الأولى وهو عمل إشتراك فيه النبي محمد عليه السلام مع الخلافة الراشدة ثم واصلته الدولة الأموية ثم العباسية ثم المملوكية ثم العثمانية وفي الأثناء خلافات أخرى شرقا وغربا إنشقت عن الرأس الأكبر وأهمت نفسها بالفتح. الناس اليوم مسلمون بهذا العدد الكبير أي بين خمس البشرية وربعها بسبب تلك الفتوحات ومنها فتوحات عنوانها التجارة وإلتقاء الشعوب والمجتمعات والأمم بمثل ما حصل في إفريقيا مثلا ولم يتم كل ذلك على ظهور الخيل والأسلحة. ليت شعري لو أن دينا إنداح بحد السيف لأرتد الناس عنه في أوّل فرصة خبا فيها صوت الزئير ولكنه إنداح بالخلق الحسن ولذلك قطن الأرض
ومكث فيها

الكسب السياسي : سواده أكثر من بياضه

الكسب السياسي بمعنى سقوط الحواضر والعواصم وإجتياحها من لدن الأعداء له ما له وعليه ما عليه ذلك أن سقوط بغداد عاصمة الأرض في تلك الأيام وليس عاصمة الإسلام فحسب كانت ضربة عنيفة عدا أن الإسلام بجهازه المناعي الداخلي إستوعب الضربة إذ أسلم التتار الغزاة الذين هزموا المسلمين فهزمهم الإسلام بقيمه. كما أن سقوط غرناطة بعد ذلك بثلاثة قرون فحسب ( من 1258 حتى 1492) بل بأقل من ذلك كان ضربة أخرى موجعة في الخاصرة الإسلامية عدا أن الغزاة الجدد ـ الأروبيون ـ لم يستوعبهم الإسلام إذ عرفوا بأحلك فترة تاريخية في العصر الحديث وهي محاكم التفتيش التي هي أسود نقطة عار وشنار في جبين أروبا. ثم سقطت ثالث عاصمة إسلامية وهي القسطنطينية أي إسطنبول التركية عام 1923 بعد أن عمرت في الأرض زهاء أربعة قرون ولكن هذا السقوط الجديد كان سقوطا من نوع آخر إذ هو سقوط الرأس السياسي فحسب وظل الأتراك مسلمون يحتفظون بحق الرد الموجع حتى قيض الله لهم قيادات عظمى من مثل أصحاب الطريقة النقشبندية الصوفية التي راكمت الهزيمة وإنتصرت بطريقتها الروحية ومن مثل المهندس الكبير نجم الدين أربكان ثم تلاه تلميذه رجب الطيب أردوغان. ذلك هو الكسب السياسي بمعنى سقوط الحواضر السياسية والعواصم العظمى. أما الكسب السياسي بمعنى علاقة الدولة بالناس والمواطنين في التجربة الإسلامية فإن سواده أكثر بكثير من بياضه إذ أن بياضه الساطع عمّر بعد موته عليه السلام ثلاثة عقود فحسب وهو عمر الخلافة الراشدة وبإزاحة الحسن إنقلابا على الشرعية الدستورية هيمنت الفردية والحكم العائلي الوراثي على تجربتنا من عام 40 هجرية حتى اليوم وهي هيمنة كادت أن تكون فكرية عقدية إذ إضطر بعض أعظم الفقهاء ( الجويني إمام الحرمين ) إلى إسباغ الشرعية على حكم المتغلب بالسيف والعصبة. وبذلك طويت صفحة الحريات الداخلية منذ البدء ولولا أن القرآن الكريم صحيح صريح ومثله السنة والسيرة والخلافة الراشدة في أن الأمر السياسي للأمة وحدها هي من تكلف من تشاء بأجر وتعزل من تشاء لخرّ جزء من الدين عدا أن الدين محفوظ بإرادة من هو خير حفظا سبحانه

السؤال هو : ها قد نبغ الغرب علما فأي حاجة إلى الإسلام؟

ذاك هو السؤال المنظور من كل مهتم جاد. إذا كان فضل المسلمين على الناس هو فضل العلم والمعرفة والبحث والإجتهاد والإختراع والإكتشاف وتسخير الكون ورغد الإنسان ووسائل الدفاع والحماية فها قد إرتد المسلمون عن بضاعتهم وفضلهم ونبغ في ذلك الغربيون فما الحاجة إلى الإسلام والمسلمين إذن؟ سؤال صحيح. الجواب أسرع بساطة وهو أن الغرب الذي نبغ اليوم في العلوم الكونية نبوغا لا يضاهى فإنه صنع ذلك بوجهين يجعلان من نبوغه واهيا لا يلبي الحاجة : أولهما هو أن الغرب يعالج الإنسان مادة فحسب وهو عن حاجاته الروحية في ذهول ومشغول بحاجاته الجنسية والبدنية وهذا يحول الإنسان إلى بهيمة يأكل بعضها بعضا في نهم سبعي. وثاني الأمرين هو أن الغرب الذي هو رب العلوم والمعارف حقا يتصرف تصرف المالك القهار الذي يستعبد الناس ويسترقهم ويجعل من أدوات النبوغ دفاعا ورغدا أدوات قهر يأكل بها الثمرات ويحتل بها الأرض ويمرغ بها الحرمات في الوحل. المقارنة بين العلم الإسلامي والعلم الغربي هو أن الإسلام يجعل من التفوق العلمي رحمة في حين أن التفوق الغربي كان علينا نقمة وقهرا وغبنا. ولذا فإن حاجة الناس إلى المسلمين وعلومهم ومعارفهم لن تزال حاجة ماسة لأنها علوم القوي الأمين وليست علوم القوي
الغدار

لا خوف على دين قوامه العلم والعرفان

تسقط الحواضر وتحتل العواصم وتقصف المدن وتلك هي ضريبة الدنيا المبنية على قانون التدافع ولكن المؤكد ـ ليس وحيا فحسب ـ بل تجربة طويلة هو أن الإسلام الذي قوامه العلم والمعرفة والبحث والإجتهاد والإختراع والإكتشاف والحريات الفكرية بلا قيد حتى لو كان البحث في وجود الله نفسه سبحانه لا خوف عليه لأنه متوفر على ثكنة عسكرية داخلية وظيفتها المناعة والتحصين وهي ثكنة لا تهزم. الإسلام ينداح اليوم بطريقة أخرى أدركها أهله وبها تفتح روما نفسها كما بشّر بذلك المعصوم عليه السلام في الحديث الصحيح ولكنه الفتح بقوة الحجة والبرهان وليس بقوة النار والبهتان. سقطت بغداد فأسلم غزاتها وسقطت غرناطة وما سقط الإسلام وهدم أتاتورك الخلافة العثمانية وظلت تركيا مسلمة جسدا حتى أسلم الرأس. عندما نعي نحن هذا نزهد في الإرهاب والعنف واليأس والإنشغال بالتافهات من التدين وعندما يعي الناس هذا يتواضعون ويقبلون بدين يجلب لهم الرحمة ولكنهم لا يعلمون ومن درس منهم التاريخ علم ذلك. الواحدية خاصة به وحده سبحانه فلا تقاد الأرض برأس واحد مهما قوي وبطر وتبرج فلم الكبر ولم الغرور؟

الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق