اراءاهم الاخباررأي رئيسي

ماذا تعني لنا الهجرة النبوية اليوم؟

 

أزفّ ـ بداية ـ أطيب الكلام وأحرّ السلام إلى الأمة الإسلامية جمعاء قاطبة بمناسبة حلول ذكرى هجرة سيّد الأنام محمد عليه السلام من مكة إلى المدينة سائلا وليّ النعمة الأعظم سبحانه أن يجعل عامنا الجديد 1442 خيرا من عامنا السّالف

الهجرة أمّ الأمة ومؤسستها الأولى

عجبي لا ينقطع كيف أننا نحتفي بكلّ ما نملك بعيدي الفطر والإضحى وغيرهما في حين أننا لا نكاد نلقي بالا لأمّ كلّ تلك الأعياد أي الهجرة النبوية التي لولاها لما كانت أمة إسلامية أصلا ولما كانت إنتصارات على الأرض وفي النفوس. لو كنّا نفكر بمثل ما يفكر به الصحابة لقدّرنا هذا الحدث حقّ قدره إذ لمّا أرادوا أن يوفروا لهذه الأمة تأريخا ومبتدأ كما هو الحال عند الفرس والروم في عهدهم إجتمعوا بقيادة الفاروق عمر عليه الرضوان ثم آل بهم المآل إلى إلغاء كلّ الإقتراحات المقدمة ( ومنها التأريخ بالمولد النبوي الشريف ومنها التأريخ بالبعثة النبوية الشريفة ومنها التأريخ بموته عليه السلام) مؤثرين ضبط الزمن لهذه الأمة الجديدة وفق أعظم حدث في النبوة ولم يجدوا أعظم من حدث الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة. ذلك هو التفكير الذي تقدّم بهم وهذا هو تفكيرنا الذي تأخر بنا. ألم يقل الحكماء من قبل : الحكم على الشيء فرع من تصوره؟ لمّا كان تصوّر الصحابة للتاريخ من جهة وللهجرة من جهة أخرى تصورا صحيحا تقدموا حتى شيّدوا نظاما دوليا عظيما فرضوا به السلم والأمن والرخاء. ولمّا كانت الهجرة لا تعني عندنا عدا ما تعنيه أحداث أخرى قصرنا الإهتمام بها على تبادل التهاني. الهجرة هي التي أسست الأمة بمثل ما إن البعثة هي التي أسست الدين. ولا بد للإنسان من دين وأمة. الهجرة هي الأمّ التي أنجبت إنتصارات عظمى من مثل بدر وأحد والأحزاب وخيبرا وحنينا ومؤتة وتبوكا وغيرها ومصالحات من مثل صلح الحديبية. الهجرة هي التي أرست قواعد دستور إسلامي كنفدرالي عظيم هو دستور المدينة. الهجرة هي مؤسسة الإسلام الأمة أي الإسلام الحرّ الذي يحمي نفسه بنفسه ويؤدب الظالمين وينشر قيم الحق والعدل والخير. الهجرة هي الأمّ وما يليها بناتها. عقلي يقودني ألاّ أحتفل بأيّ عيد أكبر من إحتفالي بالعيد الأعظم عندي أي العيد الأمّ. الإحتفال ليس مظاهر ولكنه شعور في النفوس

مسؤولية الجمعيات والمراكز الإسلامية

تلك هي مسؤولية الجمعيات الإسلامية في الغرب والمراكز الإسلامية والمساجد وما في حكم كلّ ذلك. مسؤوليتهم أن يولوا هذا الحدث الأعظم الذي جعل الصحابة يؤثرونه على كلّ شيء حقّ قدره. مسؤوليتهم أن ينظموا في أوكار تلك الجمعيات إحتفالات بهذا الحدث الأمّ الأعظم ليبثوا روح المقاومة في شباب قد تناله سهام المنافقين أو الخصوم وليثبتوا في ناشئة أصول هويتهم الإسلامية وليبعثوا برسالة إلى هؤلاء وأولئك جميعا أن لأمة الإسلام أعياد عظمى جديرة بالإحتفاء بمثل ما أن للمسيحيين مثلها ولليهود مثلها ولغيرهم مثلها وأنه لا مثابة لأيّ هوية إلاّ بإحياء ما إندرس منها. هذه محطة لزرع الأمل في الهوية في صدور الناشئة من جديد ولتجديد الإعتزاز بها في الشباب ولتذكير الناس بكثير من عبر الهجرة ودروسها. هل ترى من هذا شيئا في مساجدنا؟ أنا لا أرى. كلّ ما أراه أن يخصص الإمام خطبة ذلك الأسبوع لدرس من الهجرة بل إنّ كثيرا منهم لا يولّي وجهه قبلة إقتناص العبر. إنّما يحشر نفسه في سرد تاريخي لا يسمن ولا يغني من جوع. سيرة الإسلام تهبنا ألف فرصة وفرصة لتجديد الإيمان وشحن الهوية ولمّ الشمل ورصّ الصف ولكننا نتجاهلها. وناكية النواكي أنّنا نشبع الخصم سبّا وشتما أنهم يحتفلون بأعياء جاهلية أو وثنية أو أنهم يستوعبون شبابنا أو يسليون لعاب ناشئتا. وتأتي الأسئلة الفاسدة المارقة الفارغة من كثير من المتدينين : هل تجوز مشاركتهم في عيدهم هذا؟ وهل يجوز الإحتفاء منّا بغير الفطر والإضحى. عندها يحقّ لك أن تذرف بحرا من الدموع على أمة تتدحرج نحو الإسفاف القيمي بكثير من أئمتها ويا للأسف الشديد

الهجرة تعني أنه لا تدين إلا بحرية

ليس هذا إجتهادا فكريا إنما هو من المعصوم نفسه عليه السلام. إذ لمّا وجه أصحابه إلى الحبشة لم يبخل عليهم ولا علينا نحن اليوم بالحكمة من الهجرة القاسية على كلّ صاحب مهجة ( إنّ فيها ـ أي الحبشة ـ ملكا لا يظلم عنده أحد). ذلك يعني أن الهجرة من الموطن الأصلي الذي يصوغ الإنسان بمثل ما تصوغه مضغة أمّه التي حملته لا مبرّر لها ـ إذ هي عذاب من فوقه عذاب ـ عدا البحث عن مساحة أمن ومنطقة حرّة يعبد فيه المرء ربه سبحانه. سيما أنّ الإسلام ليس عقيدة باردة لا أثر لها في الحياة وأنّ عباداته ليست جوفاء لا ظلال لها في الأرض. كيف يكون غير ذلك وهو نفسه عليه السلام لم يحبس دموعه وهو يخرج من مكة إذ قال كلاما سمعه الصحابة ونقلوه إليــــــــنا ( إنك ـ أي مكة ـ لأحبّ بلاد الله إليّ ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت). أليس يعني ذلك أن الهجرة معالجة قسرية مثلها مثل العملية الجراحية المؤلمة فلا يهاجر متحملا عذاب الهجرة إلاّ في سبيل الله سبحانه؟ ذلك هو ما يتعلمه دارس الإسلام أنه لا تدين إلا بحرية وتحرر في دين عنوانه ( لا إكراه في الدين) وأنه لا تحرر على وجه الحقّ والصدق إلا بقيم دينية أخلاقية. الإسلام والحرية وجهان لقطعة قيمية واحدة. الإسلام دين لا يحيا إلاّ في مناخات الحرية فهو مثل الشجرة التي لا تحيا إلاّ بالماء. الإسلام شجرة تحيا بماء الحرية وتموت بماء الإكراه. ومن ذا فإنّ واجب العصر منّا جميعا هو أن نبث قيم الحرية والتحرر والإنعتاق من كلّ ضروب القهر والإكراه في كلّ حقل ومجال. فإذا إنداحت الحرية أقبل الناس على ربهم ينشدونه الغدق الزلال. وإذا أفلح أعداء الإسلام في إظهار الإسلام أنه دين الإكراه والإرهاب والعنف فقد جففوا منابعه وكثير منّا يصفّق حماقة لتلك الجريمة. العجب العجاب عندي هو أن يفقه أعداء الإسلام نقطة القوة العظمى فيه أي الحرية فيبادرون إلى تغطيشها وإظلامها بل ويجرون إليها آلافا مؤلفة من شبابنا الجاهل بدينه. في حين أنّ كثيرا من المسلمين يجلهون أنّ نقطة القوة العظمى في الإسلام أنه دين الحرية والتحرير. ذلك هو العجب العجاب

مشروع ما بعد الهجرة لبناء الحضارة

لم يقصر عمله عليه السلام على الهجرة تخليصا للمؤمنين من بطش قريش. إنما ما كحّل عينه عليه السلام بليلة واحدة ينبذ فيها عناء السفر الطويل حتى شيّد للمهاجرين مصلّى صغيرا متواضعا بالطوب والجريد. هل كان يخشى عليهم أن يتركوا الصلاة وهم الذي هاجروا في سبيل الله سبحانه؟ لا أبدا. إنما أراد أن يعلمهم هم ويعلمنا نحن اليوم أنّ الحضارة لا تشيّد إلاّ بأعمال كبرى عظمى هي : بناء المسجد الذي يجمع الناس ليس لأداء الصلاة فحسب ـ إذ جعلت له الأرض مسجدا وطهورا كما قال هو نفسه عليه السلام ـ إنما ليلتقي بعضهم بعضا في العبادة فيتصافحون ويتباسمون ويسأل بعضهم عن حال بعض. ومن هنا يتعارفون ثم يتعاونون لعمارة الحياة. ذلك هو المقصد الأٍسنى الأوّل ـ أجل. الأوّل وليس الثاني ـ من صلاة الجماعة وصلاة الجمعة. وبعد إنشاء ذلك المعلم الحضاري الأوّل الأعظم أي المسجد الذي يجمع الناس لعمارة الأرض وإقامة الدين وتأليف التآخي جمع عليه السلام الناس من مهاجرين وأنصار وآخى بينهم بالعمل وليس بخطبة عصماء تنثر عيدان المنابر. آخى بينهم مؤاخاة عملية فقال بسلطان الدولة بعد سلطان التقوى أنّ فلانا من الأنصار أو فلانة يأوي بنفسه بأخيه فلان من المهاجرين أو فلانة إلى بيته. فما عاد إلى بيته عليه السلام حتى ضمن لكلّ مهاجر جديد أو مهاجرة مأوى يؤويه ومأكلا يأكله ومشربا يسقيه ومأمنا يحميه. لو أوكل الأمر إلى تقوى الناس فحس ـ رغم أنهم أهل للتقوى جميعا ـ ربّما غفلوا عن هذا أو تلك فبات جائعا والناس شباع. تلك هي مسؤولية الدولة اليوم وتلك هي مسؤولية من ينوب الدولة عندما لا توجد دولة أو لا توجد دولة عادلة. ومن بعد ذينك العملين الكبيرين على درب المشروع الحضاريّ الإسلاميّ الأعظم جمع عليه السلام الناس كلّهم هذه المرة من يهود ومهاجرين وأنصار ونصارى وعربا وعجما ومن في المدينة بغض النظر عن دينه ولونه وعرقه وعنصره وأصله. جمعهم على دستور مكتوب موثّق توافقوا عليه لأوّل مرّة في التاريخ فتراضوا به وضمّنه عليه السلام سياسة الدولة العادلة بغض النظر عن إسمها أو رسمها أو عنوانها الذي لم يحفل به هو نفسه عليه السلام. وبذلك علّمنا عليه السلام كيف نبنى الحضارة بالدين وكيف نصون حقوق الإنسان بالإسلام وعلّم البشرية جمعاء قاطبة كيف تبنى الدولة. فلا بدّ من دور عبادة تأمن فيها النفس فلا تضحى. ولا مناص من حركة عدل بين الناس فلا يجوع أحد إلاّ إذا جاع كلّ الناس. ولا مناص كذلك من وثيقة سياسية تؤمّن لهم جميعا الأمن والسلم والتعاون. تلك هي معالم الدولة العادلة وتلك هي عناوين الحضارة التي أخذ ببعضها الغرب فتقدم وأهملها المسلمون فتأخروا

تلك هي الهجرة وما تعنيه لنا نحن اليوم

أوّلا : لا تدين بالإسلام إلاّ في ظلّ مناخ من الحريات آمن. وأنّ الإسلام والحرية صنوان لا يفترقان. وأن عمل المسلم المعاصر الناضج اليوم هو بث الحريات الكفيلة بالتعرف من لدن الناس على الإسلام

ثانيا : الهجرة وسيلة وليست غاية. هي وسيلة لبناء مشروع حضاريّ إسلاميّ كبير عنوانه : حرية العبادة المتوفرة لكلّ ذي دين في كنف التعدد الديني الذي أقره الإسلام والعدالة الإجتماعية الواسعة الكفيلة بنزع فتائل الصراع الطبقي الذي بيشر به أذناب الفكر المادي ودستور سياسيّ توافقيّ كفيل بتحقيق الأمن والأمان والسلم والسلام ورغد العيش والوحدة الإنسانية على أساس سنة الله في خلقه المتنوع المتعدد المزدوج

ثالثا : تبادل التهاني بهذا العيد الأعظم في الإسلام مهم. ولكنه غير كاف. إذ لا مناص من إستلال معاني الهجرة وقيمها وفيها من الدروس الصغيرة والعبر الكبيرة ما تنوء بحمله الأسفار المسفرة. ومنها ما لا يليق بنا تركه أي تنظيم الإحتفالات في العائلات والأسر والمساجد وحيثما كان ذلك ممكنا لأجل التشبع بقيم الإسلام وتلقين الناشئة قيمه والشباب دروسه إذ المعركة في صلبها الحقيقي حضارية قيمية فكرية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق