اهم الاخباررأي رئيسي

ليلزم علماؤنا في الشّرق أصول الإفتاء

 

هذه دعوة أسوقها باللّطف كلّه إلى علماء الأمّة في الشّرق أن يلزموا أصلا كبيرا من أصول الإفتاء وهو ما عبّر عنه الأقدمون بقولهم أنّه لا ينكر تغيّر الأحكام والفتاوى بتغيّر موجباتها سيما الأربعة المعلومة منها أي الزّمان والمكان والحال والعرف. وهم أدرى النّاس بما حبّره إبن القيّم ـ عليه الرّحمة ـ في سفره الكبير (إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين) في هذا الأصل. وهم الأعلم كذلك أنّ مراعاة ذلك الأصل تهدي إلى إيقاع الحكم في محلّه الأنسب. ومن ذا تلتئم مراحل الصّناعة الفقهية بتعبير الدّكتور عبدالله إبن بيّة إلتآما يحقّق الشّفاء العليل : نصّ دائر مع علّته وعلّة متلبّسة بمحلّها. المشكلة محلّ التّحرير هنا هي أنّ بعض هؤلاء يحشرون أنفسهم ـ بحسن نيّة طبعا ـ في قضايا مستجدّة في الدّيار الغربية وتطحن جزء من الوجود المسلم الغربيّ سواء ممّن وفد من ذلك الشّرق ذاته أو ممّن هو غربيّ قحّ أصلا أو مولدا ونشأة. نشأت غفلة بعض أولئك العلماء بسبب أنّهم يتحدّثون عن حكم شرعيّ ظنّيّ في الغالب وقد يكون قطعيا أيضا. ولكنّ المطلوب هو معالجة إستثنائية سمّاها الأقدمون فتيا أو فتوى أو إفتاء وشتّان بين الحكم الشّرعيّ الرّاسخ الثّابت الذي لا يطاله الخلاف بين المسلمين وبين ما أسماه أحد أكبر أحبار الأمّة (سفيان الثّوريّ) : رخصة من فقيه. فلا تكون الفتيا عادة إلاّ رخصة في شريعة راعت الطّارئات كثيرا بسبب رحمتها ويسرها. ولكم يكون هذا الفعل سيّئا من أولئك العلماء عندما يعلمون أنّ الوجود المسلم في الغرب يحظى بعدد من المجامع العلمية المتخصّصة وربّما على رأسها جميعا : المجلس الأوربّيّ للإفتاء والبحوث الذي ناهز عمره عقدين كاملين وأصدر من البحوث العلمية المعمّقة بسبب الجهد الجماعيّ فيها أزيد من ثلاثين سفرا يحوي عشرات منها. كما أنّه لا يكاد يخلو بلد غربيّ من لجنة للإفتاء. وقبل ذلك عرفت القارّة الأميريكية مجلسا مثل ذلك. كما يعالج الإتّحاد العالميّ لعلماء المسلمين نفسه كثيرا من القضايا ذات المنشإ الغربيّ ويصدر فيها إمّا بحوثا وكتبا أو فتاوى وقرارات. ومن ذا فلسنا أيتاما نتسوّل الفتوى من علماء ـ على قدرهم الكبير ـ ليسوا محيطين بالكليّة أو بما يكفي بزماننا ومكاننا وحالنا وعرفنا وموجبات تغيير أخرى أحصى منها الإمام القرضاويّ في كتابه الذي يحمل هذا العنوان ذاته عشرا. ولا عبرة بحكم شرعيّ عمليّ مهما صحّ عندما لا يدور مع علّته كما قال الأصوليّون الأوّلون (يدور الحكم مع علّته وجودا وعدما) دورانا عجيبا ولا عبرة بذينك معا عندما يغفل الفقيه المفتي عن إيقاعهما على محلّهما المناسب. ولا يعلم ذلك المحلّ إلاّ بمعايشة ومعافسة جعلته عليه السّلام يفتي شابّا بعدم تقبيل زوجه في نهار رمضان ويفتي شيخا بنقيض ذلك. وهو المآل ذاته الذي جعل حبر الأمّة يفتي صاحبي سؤال واحد عن توبة القاتل بفتيين مختلفتين وليس بينهما إلاّ طرفات عين معدودات. علماؤنا أولئك يعلمون التّمييز بين العلم بالحكم الشرعيّ وبين الموقف الشرعيّ. إذ أنّ الأوّل منهما مكفول لكلّ طالب علم مثابر في حين أنّ الآخر يقتضي علما بالمآلات والمحلاّت والتوقّعات في ظلّ التّجربة لما ينتهي إليه تنفيذ ذلك الحكم الشرعيّ غير المختلف في صحته أو صراحته. فما بالك إذا كان ذلك الحكم الشرعيّ سليل إجتهاد غير مجمع عليه أو مرجوحا أو مقيّدا بمذهب ما تابعا لأصوله. وأكثر أسئلة النّاس في أروبا من هذا النّوع الذي يتطلّب فقها في الواقع والحال بمثل الفقه في الشّريعة. بل بأكثر من ذلك بسبب إشتباك عوامل كثيرة في المسألة أو بسبب حداثة المسلم الغربيّ بما يجعلنا نعامله بترغيب وتحبيب ويسر. أو بسبب أنّ القضية ذاتها مازالت قيد الدّرس لحداثتها من مثل النقود الإلكترونية. علماؤنا أولئك يعلمون أنّ إماما كبيرا من مثل الشّافعيّ لم يتردّد في تغيير ثلث مذهبه على الأقلّ بسبب إنتقاله من العراق إلى مصر ممّا إستغرق منه ربّما شهرا سفرا أو نحوا من ذلك. وهم أنفسهم يعلمون أنّ صاحبي أبي حنفية اللّذين بثّا مذهبه هما أنفسهما من خالفاه في ثلثي ما ذهب إليه. علماؤنا أولئك أنفسهم يعلمون أنّ لزوم مذهب فقهيّ محدّد من لدن مسلمي الغرب في كثير من الأمور الجزئية الفرعية لم يعد يعني شيئا بسبب أنّه غير ممكن. ومن ذا لا مناص من هذه القاعدة العظمى التي يعرفها أولئك : المقلّد لا مذهب له إنّما مذهبه مذهب من يفتيه. فإذا أفتاه من لا يحيط بمسألته إحاطة صحيحة فإنّه سيعرّضه إلى عنت لا يرضي الله سبحانه. علماؤنا أولئك يعلمون أنّ قضايا كثيرة من قضايانا في الغرب خاصّة بنا. ومن ذا نشأ فقه الأقلّيات. ومن ذلك أنّنا لا نحتكم في الأمر العامّ إلى سلطان مسلم لا بالإسم والرّسم ولا بالحقيقة والقانون. وأنّ بعض تلك المشكلات لها تقاطعات وإشتباكات مع قضايا سياسية ومالية وليست معزولة عن ذلك (الإختمار والإنتقاب والإلتحاء والمصافحة وغيرها كثير). ليعلم علماؤنا في الشّرق أنّ لنا ولاء آخر تحت سقف ولائنا المشترك معهم. وهو ولاؤنا للدّولة التي نعترف بدستورها ونحن فيها مواطنون. وأنّ أهلها لنا أجوار وأصهار وأصحاب بالجنب. هو الولاء ذاته الذي رضي به جعفر إبن أبي طالب رضي الله عنه وهو النّاطق الرّسميّ بإسم الوجود المسلم في الحبشة المسيحية بالكامل. وهو الولاء ذاته الذي رضيه عليه السّلام لأبي بصير الذي لا ينتمي له وطنا وأرضا. الإسلام يحتمل ذلك ولسنا بدعا منه. وليس معنى ذلك أنّ الحكم الإسلاميّ في أيّ مسألة قطعية راسخة ثابتة محكمة معلومة متعدّد. لا. البتّة. إنّما يعني ذلك أمرين : أوّلهما أنّ ذلك الحكم الإسلاميّ نفسه (أي مهما كان قطعيا محكما حتّى لو كان عقديا لا عمليا) يحتمل الإستثناء إحتضانا للإكراهات والطّارئات التي لم يسلم منها الصّحابة أنفسهم ومحمّد عليه السّلام بين ظهرانيهم. وما ينبغي لعالم أن يضيّق ما وسّعه الله سبحانه رحمة بعباده وتخفيفا. الأمر الثّاني هو أنّ الحكم قد يكون ظنّيا متشابها سليل إجتهاد أو حتّى إجماع آنت ساعة مراجعته. وأكثر أسئلة النّاس في الأرض من هذا القبيل بسبب أنّ الحلال بيّن والحرام مثله بيّن. وفي هذه الحالة فإنّ الإفتاء بما أثر بلادة وكسل لا تليق بالعالم في دين يثيب المجتهد المخطئ. وقديما قال الرّاسخون : خطأ المجتهد أحبّ إلى الله من إصابة المقلّد

أمثلة لمسائل لا تحتمل الإفتاء من خارج أروبا

الإحتكام إلى المحاكم غير المسلمة

نحن مواطنون مبايعون للدّولة ومعترفون بدستورها ونشارك في إختيار مؤسّساتها وليس لنا أيّ خيار آخر عدا تجسيد هذا الولاء بالإحتكام إلى المؤسّسات القضائية وخاصّة في قضايا الزّواج والطّلاق والحضانة وغير ذلك وكثير منها ذات روح إسلامية بحسبان أنّ الإسلام عدل كلّه كما قال إبن القيّم. ألم يحتكم جعفر إلى محكمة مسيحية في قضية أمنية سياسية؟ ألم يرض بحكمها؟ ألم يستجر عليه السّلام مرّات بمشرك؟ المعيار هنا ليس هو معيار الإيمان والكفر إنّما هو معيار العدل والجور

إشتراط الولاية في النّكاح

علماؤنا يعلمون علم اليقين أنّ الولاية في النّكاح محلّ خلاف إذ لم يعتبرها أبو حنيفة ولو كانت ركنا مثل ركنية التّراضي المتبادل لما خالف فيها هذا الحبر الكبير. وهذا هو معنى أنّ الإفتاء عند أهل الرّشد لا ينحصر في رأي واحد مهما كان راجحا. إذ الحقّ في الفروع والأجزاء ليس واحدا خلاف ما هو عليه في المحكمات القطعيات. أليس الإستحسان الذي شيّد عليه جزء كبير من الفقه الحنفيّ هو العدول إلى قياس خفيّ ظهرت مصلحته إنقداحا في ذهن الفقيه عن قياس جليّ لو تلبّس بالمحلّ لما تحقّق مراد الله سبحانه من حكمه؟ أليس هو بسبب عرف أو حاجة أو ضرورة أو أيّ مصلحة ظهر تحقّقها أو بعضها أو درء لأيّ مفسدة مثلها؟ في الغرب ليس يسيرا أن يكون للفتاة وليّ سيما إذا كانت مسلمة جديدة. وعندما تكون مسيحية من يليها؟ ولا حديث بطبيعة الحال عندنا عن إنكاح غير الرّاشدة سنّا. وهو أمر إقتضته ظروف خاصّة بأزمان غابرة والقانون الأروبيّ اليوم أنصف في هذا وأحصف. أمّا التّمترس خلف الحديث الصّحيح أنّه نكاح باطل فهو جهل بملابسات الحديث الذي لا يساق إلاّ وصنوه معه. وهو أنّه عليه السّلام أذن لفتاة أن تنكح غير الذي أراد أبوها إكراهها عليه. وليس أشد بأسا على العالم من الإنتقاء غير المتوازن أو النّظر الجزئيّ. يستوي أن يكون بسبب جهل أو عمد. ومثل ذلك الغفلة عن المقصد من الولاية. وعدم ترتيب أركان النّكاح ترتيبا أولويا. إذا لزمنا بعض الفقه القديم أيّ مكان للكفاءة إذن؟ لم يعد لهذا مكان يذكر في الغرب إلاّ كفاءة الدين فهي منضبطة بالدين ذاته

مقتضيات علاقة المواطنة

هذا أمر يغفل عنه علماؤنا في الشّرق غفلة حقيقية وكبيرة. ولاؤنا هنا يقوم على أسس منها : الأساس الإنسانيّ الذي به يتساوى النّاس كلّهم كرامة وحرمة. ويتعدّى ذلك عمليا إلى دية القتيل بخلاف ما عليه أكثر أجزاء فقهنا القديم وأهله ربّما معذورون لأسباب أخرى. إذ ليس كلّ ما ورد عن المذاهب الأربعة ولا حتّى عن غيرهم معهم هو الحكم الإسلاميّ القطعيّ الذي يكون الإجتهاد فيه غرورا. الدّية مثالا واحدا من أمثلة زادت عن العشر. كما يقوم ولاؤنا هنا ـ بعد الأساس الإنسانيّ ـ على الأساس الوطنيّ الذي أقرّه الإسلام ورتّب عليه حقوق الجوار بالجنب والصّحبة بالجنب. وهو الولاء نفسه الذي عقد له عليه السّلام في دستوره السياسيّ فصولا بيّنت الحقوق والواجبات. ولا يعني ذلك غياب الولاء الدّينيّ لأمّتنا. ولكنّ تفعيله هنا مقيّد عمليا بحجم وجودنا. وليس من الميزان قطعا إفتعال تقابل تضادّ بين هذه المستويات من الولاء. إنّما هي منتظمة في عقد إنتمائيّ إسلاميّ جميل. من ذلك أنّ من حقّ هؤلاء علينا ولاء وطنيا تهنئتهم بأعيادهم وتعزيتهم في الأتراح وردّ التحّية منهم بخير منها أو بمثلها على الأقلّ. وخاصّة عندما نكون مسؤولين في مؤسّسة إسلامية. أو نكون لهؤلاء جيرانا أو أصهارا أو أصحابا بالجنب. ونحن كذلك قطعا. علماؤنا في الشّرق لا يليق بهم أن يحشروا أنفسهم في مثل هذه القضايا التي لا صلة لهم بها إلاّ من خلال مطالعة كتب لهذا أو ذاك قبل قرون طويلة. عليهم أن يلزموا الأدب العلميّ على الأقلّ ليذكروا أنّ القضية جديدة ومحلّ خلاف أو مسكوت عنها. ولكلّ أن يعالجها بما يناسب وضعه. أمّا إثارة الإضطراب فيها وفي الإحتفال بذكرى مولده عليه السّلام فهو من الفتنة التي تصرف النّاس عن قضاياهم الحقيقية الحارقة ليكونوا مسلمين لا علاقة لهم بزمانهم ولا بمكانهم بدعوى أنّ الدين واحد لا يتغيّر. الدين واحد لا يتغيّر في أصوله العقدية والتعبدية وأحكامه القطعية. ولكنّه يتغيّر في غير ذلك. وهو كثير لا يحصى. ولولا ذلك لما نشأت مذاهب ومدارس وتيارات كلاما وأصولا وآراء. وأيّ محلّ إذن لحديث التّجديد وحديث الإجتهاد؟

المسأئل المالية والإقتصادية الحديثة

هذا فخّ وقع فيه كثير من علمائنا ممّن يستعجل الإفتاء قبل نضوج مراحله الثّلاث آنفة الذّكر. حجم التغيّرات كمّا وكيفا ممّا وقع على الجانب الماليّ في الأرض في السنوات الأخيرة لا يتصوّر. سيما أنّ ثورة المواصلات تصل الشّرق بالغرب في طرفة عين واحدة صوتا وصورة. من ذلك عدم التّمييز بين مختلف صور التبادلات المالية والتعاوضات حتّى يتبيّن منها ما هو بيع وما هو ربا. ومثله الخلط الشّنيع بين ربا النّسيئة غير المختلف على حرمته وبين ربا الفضل الذي هو محرّم لغيره وليس لذاته والعلماء يميّزون بين حرمة المقصد وحرمة الوسيلة. وإستصحاب محلاّت التّقايض القديمة الثمانية التي ذكرها عليه السّلام في حديثه الصّحيح أنّها يدا بيد. وهو إستصحاب يهمل البعد المقاصديّ أنّ العبرة بأسباب الحياة الإنسانية ومقوّماتها الغذائية وليست بالمحّلات المذكورة فحسب. لم يذكر منها الماء مثلا. فهل أنّ الماء ـ وهو اليوم محلّ تبايع وتقايض ـ يمكن التّساهل في إحتكاره أو تعريضه للمراباة؟ ومثل ذلك عدم التّمييز بين مختلف البيوع المعاصرة التي لا تجري الحياة الإقتصادية للنّاس بدونها من مثل بيع الأجل المتّفق على إباحته بمثل ما أباح هو نفسه عليه السّلام وللغرض ذاته ـ أي حاجة النّاس ـ بيع السّلم. وعدم التّمييز بين صنوف بيع التّورّق بعضها ببعض وبينها وبين بيع العينة. وإلحاق أكثر ذلك بالرّبا المحرّم مقصدا قطعا. ومن ذلك كذلك التشدّد العجيب في تخصيص الذّهب بأحكام مجحفة بناء على إجتهادات فقهية غابرة ومثله بيع العملات. وقبل ذلك وبعده عدم التمييز بين أكل الرّبا وبين مختلف محطّات المشهد الرّبويّ الأخرى. ومرجع ذلك التسوية في الحكم بين ما هو قطعيّ في القرآن الكريم وما هو ظنيّ في السنّة التي يطيب لكثير من هؤلاء تطوير دورها لتكون مشرّعة تشريعا إبتدائيا قطعيا وليس هو الدّور الذي حدّده القرآن الكريم نفسه لها وهو دور التّبيين بمختلف وجوهه المعروفة. وإستسهال نسبة اللّعن إليه عليه السّلام بصيغة إخبارية (لعن عليه السّلام كذا وكذا). ولا يعني ذلك تعليق الحديث الإخباريّ إذا صحّ موصولا إليه لا مرسلا. ولكنّ ذلك يعني الإقتصاد في نسبة اللّعن إلى نبيّ ما عرفناه لعّانا ولا سبّابا. ومن ذلك كذلك الفهم السّقيم لمؤكل الرّبا أنّه المضطرّ إلى تأكيله كالمضطرّ إلى شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير. وكما إضطر الأصحاب أنفسهم وبإذنه هو عليه السّلام إلى نكاح المتعة. أيّهما أوقع في النّفس؟ أليس كان ذلك لمواجهة حاجة أو ضرورة؟ هل مضى عهد الطّارئات؟ مؤكل الرّبا ليس هو ذاك. إنّما هو الرّاشي بين الآكل وبين المؤكل. شأن الرّاشي في العملية الإرتشائية. فهو عميل وسيط يعتاش من تلك المهنة. ولو لعن كلّ مضطرّ للعن الذين أذن لهم بقول كلمة الكفر تقديما لضرورة الحياة. الإسلام منسجم تشريعه لا يشغب هذا على ذاك. حاجات النّاس اليوم تبدّلت كثيرا وأضحى كثير منها ضروريا لا حاجيا ولا تحسينيا. ومن ذا فلا مناص من إعتبار هذا السّلم المقاصديّ الأعظم الذي لم يجرؤ فقيه على الإجتهاد فيه. المسكن والسّيارة والغرفة الخاصّة بالولد وبالبنت وطلب العلم إلى أعلى الدّرجات وغير ذلك هي اليوم في أروبا ضرورات. أو حاجات تنزل منزلة الضرورات. وعمل بعض الأمّهات خارج البيت مثل ذلك. أمّا وضع الدين حائلا وعائقا في وجه الحياة الكريمة فليس من الدين. مراعاة الأمر النّبويّ بالتّفريق بين مضاجع البنين والبنات عند البلوغ هو كذلك من الدين. وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب. أين إعمال (يد بيد) اليوم في المعاملات الإلكترونية؟ تتمّ المعاملات بين المصارف ولا يرى أحد العملاء بعينه شيئا من بضاعته ولا من ماله ولا يلمس منها شيئا بيده. يد بيد إذن تعني مقصدها وليس مبناها. أي تحرّي سبل العدل والقسط أن يغشى المعاملات غشّ أو ربا. ومثل ذلك في الزكاة وتحديدا في زكاة الدين بما فيه المضمون. إذ تظلّ الإجتهادات متردّدة بين تزكيته بحسبانه ملكا وهو الإجتهاد القديم وبين عدم ذلك بحسبانه ملكا ناقصا لا يقع تحت تصرّف صاحبه حتّى يكون ذلك فيزكّى. ومثل ذلك نقل الزّكاة من بلد إلى آخر إذ كان ذلك لمّا كنّا تحت سقف واحد. عدم إجراء عمليات جراحية من لدن أولئك العلماء على منظومتهم العقلية التي بمقتضاها يعلمون أنّنا وإيّاهم لسنا تحت سقف سياسيّ واحد وأنّ تغيّرات كثيرة طرأت وأنّ الشريعة مؤهّلة بالإجتهاد وليس بالتقليد لإستيعابها هو الجمود ذاته الذي ينشئ الإضطراب في الإفتاء وتشتيت الصّف

إثارة المشكلات التراثية القديمة

وهذا فخّ آخر جلب إليه ما لا يكاد يحصى من علمائنا ممّن ظلّ مشدودا إلى الخلافات العقدية العباسية حابسا نفسه فيها غافلا عن تحدّيات عقدية أخرى جديدة معاصرة تأكل الأخضر واليابس. وهو يشدّ إليه من جمهوره بالتّعبير الدينيّ الجديد من الشّباب آلافا مؤلّفة. لو كان الأشعريّ معنا اليوم أو الماتريديّ أو غيرهما هل كان سيعالج التحديات العقيدية التي طرحها اليونانيون؟ قطعا لا. هؤلاء كبار عالجوا تحدّيات عصرهم. ولو قاموا اليوم لسخروا منّا إذ نسجن أنفسنا في تحدّيات طمرها الزّمان ونهمل تحدّيات عصرنا وهي كبيرة وكثيرة وخطيرة. منها العلمانية وبناتها الغربية التي تغري من الشباب الذي تغري. ومنها شبهات يثيرها بعض منّا من مثل الدكتور محمّد هداية ورشيد أيلات وغيرهما كثيرون ببثّون كلّ يوم تقريبا أشرطة مصوّرة تهوّن من السنة مرجعية في إجتراح الحكم الشرعيّ وتهدم الإسلام هدما عجيبا ولكن من داخله بما يغوي من لا علم له في نشأة الحديث وتدويناته ويتوسّلون إلى ذلك بأشياء حقيقية من أحاديث واهية موضوعة أثاروا حولها حروبا هائجة. وآخرون يشيدون بمن يخرج من الإسلام ويوهمون الناس أنّ الإسلام يشهد ردّة غير مسبوقة. بل إنّ التحدّي السياسيّ المعاصر لهو التحدي العقديّ الأكبر. ولولا ذلك لما حفل القرآن الكريم بالظّاهرة الفرعونية. وتحدّيات عقدية أخرى كثيرة وكبيرة وخطيرة لا مساس لعلمائنا هؤلاء بها إذ هم غارقون في إستواء الله على عرشه ونزول المسيح عليه السّلام والدّجال والمهدي المنتظر. وبذلك ينجحون في جعل المسلم لا علاقة له بعصره. إنّما هو إمّا مشدود إلى العهد العبّاسيّ وخلق القرآن أو إلى أشراط السّاعة يظلّ يرقبها في بلادة وكسل غافلا أنّ نبيّه عليه السّلام قال له إذا قامت الساعة وفي يده فسيلة فليغرسها وليس يظلّ مشدوها إلى أهوال السّاعة نفسها أو ناظرا زمن وقوعها

حضرة علمائنا الأفاضل في الشّرق

واجب وقتكم هو مقاومة الدولة العربية التي تغرق المسلمين في أتون حروب داخلية بعناوين طائفية وعرقية وإمتدادات إقليمية ودولية أو في ضنك العيش الشاظف وأمراء الدولة يرفلون في الحرير والذهب الخالص. واجب وقتكم هو رصّ الصفّ الواحد والحفاظ على تنوّعه الوقّاد. واجب وقتكم هو مقاومة التسلّل الشيعيّ الطّائفيّ الذي ينخر الأمّة بمقايضات إيرانية عنيفة. واجب وقتكم هو بثّ العلوم والمعارف الإسلامية التي تحفظ للنّاس عقيدتهم الصّحيحة دون إثارة ما لا يفهمون ويفتنهم من الفروع العقدية المختلف فيها. والتي تحفظ لهم عباداتهم مستقيمة صحيحة دون إثارة الخلافات المذهبية بعصبية ومراء فارغ. والتي تجهّزهم بقيم الإسلام العظمى. والتي تجعلهم مسلمين معاصرين يلتقطون تحديات عصرهم وليس تحديات عصور أخرى مضت ويقاومون عدوّ الإسلام الحاضر وليس العدوّ اليونانيّ الماضي. واجب وقتكم هو مقاومة العلمانية المتحكّمة في الدولة وفي المجتمع وفي علاقاته ومؤسّساته وهي تصوغ الوعي العامّ والرّأي العام. واجب وقتكم هو مباشرة الإجتهاد في محالّه المعروفة وليس إجترار القديم ومقاومة التجديد المزيف الذي يقوده أمثال محمد هداية وغيره ممّن يحاربون الإسلام من داخله بإسم التجديد. وليس من واجب وقتكم البتّة حشر أنوفكم في أقضية الوجود المسلم الغربيّ ولا في مسائل الوجود المسلم الأروبيّ لأنّ ذلك من أصول الإفتاء كما تعلمون. فلا يفتي غائب لحاضر. والحال أنّا لسنا أيتاما في موائد لئام. إنّما لنا مجامعنا العلمية التي تدرك أنّ الإفتاء رخصة من فقيه وليست عنتا ولا رهقا. وأنّ الصناعة الفقهية ذات مراحل ثلاث لا مناص من إكتمالها مجتمعة : نصّ وعلّة ومحلّ. أريحونا يرحمكم الله. فلنا ما يكفينا ولكم ما يكفيكم. والإسلام يكفلنا ويكفلكم جميعا تحت سقفه فلا يضيق بنا ولا بكم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى