اراءاهم الاخبار

ليلة القدر بين الوهم والحقيقة

التدين سلاح ذو حدين

الحديث عن التدين بما هو فعل بشري نسبي وليس عن الدين المقدس. التدين سلاح ذو حدين بمعنى أن المتدين ـ في كل دين ـ يمكن أن يحسن إستقبال البث الديني الغيبي من مصدره صافيا بما يساعده على سلكه صافيا كذلك في واقعه وحياته ومن ذا يكون المتدين ظلاّ لذلك الدين فهو يحكي رونقه وزلاله وتشوفه إلى التحرر كما يمكن للمتدين أن يسيء إستقبال ذلك البث الديني الغيبي وينطبق عليه المثل العربي الصحيح : كيف يستقيم الظل والعود أعوج. العود هنا هو التدين وليس الدين. الأمثلة على ذلك في الغابر والحاضر وفي كل دين سماوي لا تحصى ولا تعدّ. ألم يكن الخوارج ممن يحقر الصحابة من عبادتهم إلى عبادتهم؟ هل أسعفهم تدين أساء إستقبال البث؟ وفي حاضرنا كذلك إذ ثارت ثائرة تنظيمات إسلامية ( القاعدة وداعش ) بإسم الجهاد وتحرير فلسطين وغير ذلك فآل بها المآل إلى قتل أهل القبلة وبث الخوف والذعر. لا تتبهج إذن بتدينك بل سل نفسك هذا السؤال الخطير : هل أني أحسن إستقبال الدين أم أسيء؟ لا بل سل الناس من حولك ولا تسأل نفسك الأمارة بالسوء

الناس حيال الغيب فئتان

دعنا من الناس ولنقل : المسلمون حيال الغيب فئتان. فئة شغلها الغيب عن الحاضر والشهادة فأوت بنفسها إلى الكهوف والمغارات ظنا فاسدا أن الغيب عقيدة تملأ الفؤاد فحسب من دون أن يفيض ذلك الفؤاد على من حوله. تلك فئة ما فقهت عقيدة القدر فقها صحيحا إذ أن عقيدة القدر في الإسلام إنما يعنى بها حظ الإنسان من العلم والعمل والكسب وغير ذلك مما بحثه الفلاسفة الأولون والمتكلمون. تلك فئة تعلقت أفئدتها بالسماء والآخرة فحسب وهم كمن تعلق قلبه من الطوائف الإسلامية غابرا وحاضرا بنموذج تاريخي غابر هو الإسلام في نظرهم وهو النموذج ولا شيء غيره. وفئة شغلها المشهود المحسوس عن الغيب فأزها الهوى أن تجد مبررا لتملصها من الدين والتدين فطفقت تنعت الدين أو المتدينين بما هو معلوم عندنا جميعا. فئة سلطت العقل المحدود على الغيب اللامحدود. الحقيقة التي لا مراء فيها أن الإسلام وأمته لم تعرف مشكلة عنوانها : معركة بين النقل والعقل أو الغيب والشهادة أو الدنيا والآخرة. هذه مشكلة غربية بإمتياز وهي مشكلة غربية لما ترومت ( نسبة إلى رومية ) المسيحية الطامحة إلى تمسيح رومية أو لما تمسحت رومية الطامحة إلى تحويل الدين السالف إلى رمز يحفظ ورق الشجرة أن تنتزعه الذنوب فتنكشف العورات. هي حركة تعاوضية تبادلية بين مسيحية سرعان ما نجحت المؤامرة عليها في مؤتمر ( نيقية ) بعد ثلاثة قرون فحسب من ظهورها لتكون ألعوبة في أيدي الرومان في مقابل سحت يأكله رجال الدين من قسيين ورهبان وبين الحضارة الرومية الكبرى التي هيمنت على الأرض ردحات من الزمن طويلة فكانت الصولة الأولى فوزا ساحقا للمسيحية التي نجحت في تمسيح رومية ثم جاء وعد ذلك بالتعبير القرآني أي عقابه وكرته فكان الفوز من لدن الحضارة الرومية الغربية الأوربية الحاضرة على المسيحية. وبالخلاصة فإن معركة النقل والعقل هي معركة مسيحية رومية بالأساس الأول وما ذلك سوى لأن المسيحية روح بلا عقل من بعد الإنقلاب عليها في ذلك المؤتمر التأسيسي الأول الذي تولى تحريف الكتاب المقدس ولأن رومية عقل بلا روح. أما الإسلام وتاريخه فلا شأن له بهذا حتى لو شغب الشاغبون علينا كثيرا ينعقون بذلك من خلف الحدود وسرعان ما وجدوا لهم فينا سماعين أوفياء

عقيدة الإسلام مركبان كبيران : الإلهية والإنسانية

لكم كنت أرجو أن يكون تراثنا قد إمتلأ بتحرير آخر للعقيدة الإسلامية إذ ظل المتكلمون بصفة خاصة يدندنون على مواجهة المد اليوناني والإسرائيلي وهو عمل مقدر كبير محترم عدا أنهم ـ ولا غيرهم إلا بما هو أندر من الندرة ـ لم يحرروا عقيدة الإسلام بمثل ما جاءت. كيف جاءت عقيدة الإسلام؟ عقيدة الإسلام في قراءتي مركب من مكونين كبيرين علاقتهما التكامل تحريرا. المركب الأول لعقيدة الإسلام هو مركب الغيب من إيمان بالله سبحانه وباليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وإن كان الإيمان بالأنبياء والكتب هو محطة وسطى بين ذينك المركبين وقد نأتي على ذلك. المركب الثاني لعقيدة الإسلام هو الإيمان بالقدر خيره وشره بالتعبير النبوي الكريم ومعلوم أن القرآن الكريم لم يسم ذلك بالإسم ولكنه إمتلأ إمتلاء عجيبا بمعناه ومراده بل إنه لأجل ذلك فتح لنا نافذة صغيرة هي الأولى والأخيرة من الغيب عندما أخبرنا عن مصير الغلام الذي أمر الخضر صاحب موسى عليهما السلام بقتله. تلك هي المرة الوحيدة التي ينبسط لنا فيها الغيب عن شيء يخبرنا به من وراء الحجب. وذلك معنى من معاني رحمة الرحمان بالإنسان الذي لم يتركه في وجه القدر الذي ضل فيه كثيرون في الغابر والحاضر عميا صما بكما بل فتح لنا نافذة وعليها يمكن أن نقيس قياسا عاما وليس خاصا طبعا. تحليل العقيدة وهي محدودة التخوم لا تزيد ولا تنقص أي سداسية التركيب يخبرني أنها مستويان كبيران ومنزلة أخرى مشتركة. المستوى الأول هو المستوى الغيبي المحض أي الذي لا يرى ولا يسمع وإنما تدل عليه آثاره وهو الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة وهو مستوى غرضه الأعظم ربط فؤاد الإنسان بالسماء أملا وخوفا إذ أن مصيره من بعد الموت الجنة التي أخرج منها أبوه الأول. في هذا المستوى يكون العقل مستمعا منصتا مطيعا ولكن بإحسان هو إحسان الفهم والفقه والعلم قدر الإمكان ولكن بلا تقليد ببغاوي بليد ولا ريب نكد. المستوى الثاني من العقيدة تحريرا يجعلها نافعة صالحة هو مستوى الإنسان أو الشهادة وهو ما عبر عنه بالقدر خيره وشره ومعنى ذلك هو ما بحثه المتكلمون في السابق والحقيقة أنهم وضعوا أصابعهم على كبد الحقيقة بالكامل إذ أخضعوا قضايا القدر لما يتعرض له الإنسان حيال الإيمان والعمل والكسب وغير ذلك. وبذلك وبغيره نظرا فإن القدر في عقيدة الإسلام هو حظ الإنسان في الإيمان والكون والإسلام والدنيا. حظ الإنسان هو العمل والكسب والحرية والإرادة فهو من يختار طريقه والله سبحانه وقد علم ذلك لا يكرهه على أي شيء من ذلك بل يهديه لما هدى الإنسان إليه نفسه بنفسه. ما يهمني هنا هو أن حظ الإنسان في عقيدة الإسلام هو الإيمان بالقدر وبذلك تكتمل العقيدة الإسلامية بين مركبيها فهي تعرف الإنسان بربه الحق وبما يحتاجه لحياته من غيب كما أنها تعرف الإنسان بنفسه فهو العامل الكاسب المريد الحر المعلم المستخلف المستأمن. ألا ترى أن هذا المركب الأخير لم يجد حظه ـ أو هكذا رأيت ـ في التراث بما يناسبه؟ معلوم أن الفلسفة الغربية إنتهت إلى إعدام الإنسان فهي تعمل لوأده وقتله ماديا ومعنويا سواء بسواء حتى لو سحر برقها قلوبا غلفا. الكلمة الموجعة هي أن كثيرا من أجزاء تراثنا لم تكن بعيدة كثيرا عن ذلك المآل ومن ذلك الإختلاف حول عقيدة القدر إختلافات مشطة من مثل نفاة القدر فينا وفي مقابلهم الإرجائية التي مازالت تدير ملايين مملينة منا. ذلكما مركبان كبيران يصنعان الإنسان صناعة جديدة فهو مؤمن بالغيب وفي الآن نفسه هو حر مريد مختار. المنطقة الوسطى إذا أحسنت التعبير عنها هي أن العقيدة الإسلامية فيها مركب ثلاثي آخر يتوسط المركبين الأوليين الكبيرين وهما الإيمان بالكتب والرسل ذلك أن الإيمان بهما يشترك في الإنتماء للغيب من جهة ولكنه ليس غيبا محضا ويشترك في الآن نفسه في الإنتماء للشهادة من جهة أخرى ولكنه ليس شهادة بالكلية. وبذلك تتحرر العقيدة الإسلامية على ثلاثة أبعاد عظمى : البعد الغيبي المحض وحق الإنسان فيه هو السمع والطاعة والإيمان ولكن بإحسان التعقل والتفكر والتدبر والإنصات والبعد المشهود وهو حظ الإنسان قدرا في هذه الحياة فهو مخير لا مسير بالتعبير القديم الركيك أي حر مريد يختار الكفر إن شاء والإيمان إن شاء ولا يكون ذلك إلا منضبطا بالمشيئة العليا له سبحانه وبعد ثالث مشترك بين ذينك المركبين. إن تحرير الإعتقاد بمثل تلك الهندسة يزيدني إيمانا وفهما وكنها

ليلة القدر وفرصة صناعة القدر

القدر في اللسان العربي بسكون الدال يعني المكانة والمنزلة والحظ والنصيب والخلاق وعادة ما لا تنسب العرب في لسانها إلى ذلك القدر صفة فإذا ذكر منفردا فهو يعني عادة ولكن بحسب السياق العلو والرفعة وليس الحطة. أما القدر بفتح الدال فهو المركب الإيماني العقدي المعروف ولا مشاحة أنهما يلتقيان بالضرورة في المعنى ولو جزئيا ونسبيا بسبب إلتقائهما في الجذر وذلك لنعلم أن الإيمان بالقدر قدر أي صاحبه ذو مكانه ومنزلة عالية إن شاء الله

ليلة القدر فرصة لصناعة مصير جديد

في ليلة القدر سورة قرآنية صحيحة قصيرة محفوظة من لدن كل المسلمين وفيها أخبرنا أن القرآن أنزل فيها أي عندما أنزل عليه عليه السلام ومنهم من يقول أن الحديث عن الإنزال الأول أي إلى اللوح المحفوظ ولا عبرة هنا بالإختلاف الذي لا يشغب على المعنى المراد وهو أن المسلمين يصومون رمضان وليس شعبان سوى لأن رمضان شهد نزول القرآن الكريم فهم إذن يصومون إحتفاء وإحتفالا بالقرآن الكريم وأنه نزل في آخر ذلك الشهر وتحديدا في إحدى لياليه الوترية الأخيرة وهي ليلة القدر. من الأدلة على أن ليلة القدر مصاحبة لكل رمضان بخلاف ما كتبه بعضهم من أصحاب الفقه الصحيح قوله بصيغة المضارع ( تنزّل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر). ويؤيد ذلك لفيف من الأحاديث التي تربعت على عرش الصحة أي متفق عليها ممن تبشر المؤمنين بأن من قام ليلة القدر كان أجره كمن صام رمضان وكمن قام رمضان أي مغفرة لسالف الذنب عدا ما يكون بين الإنسان والإنسان طبعا فهو ظلم لا يتركه الله سبحانه أي يفوت فيه لأطراف المشهد لأنهم حقهم. وليس هناك ما ينفي البتة أن تلك الليلة في حياة الإنسان ـ سيما المؤمن ـ هي بمثابة ما يصنعه التاجر عندما يجرد أملاكه وبضاعته ليعرف ما له وما عليه ويستعد لعام جديد. المؤمن في ليلة القدر يجرد كسبه ويحاسب نفسه ويتأهل لكسب جديد وليس هناك ما ينفي كذلك أن الملائكة تتنزل في تلك الليلة ـ بل معهم أو يقودهم الروح أي جبريل بما يجعل الأمر ذا هيبة وذا جدية لا مجال فيها لنفيه بإسم العقل ـ لتكتب كتابا جديدا ( من كل أمر ) أي بكل أمر يخص ذلك الإنسان ولا يتنافى هذا مع الحديث الصحيح الذي يخبرنا أن أمر الأجل والرزق والعمل قد حسم فيه عندما بعث الله الملك إلى الجنين في بطن أمه ذلك أن الله سبحانه هو نفسه أخبرنا أن يمحو ما يشاء ويثبت. المشكلة هنا هي التعامل الإنتقائي مع النصوص الجزئية وهي مشكلة حقيقية لأن السلوك الإنتقائي يجعل المرء في ربكة وحيرة ولو تربص وتريث وجمع كل شيء في الموضوع الواحد لعاد بحصيلة يتوافق عليها النقل والعقل معا وبلا أي نشوز. بل إني لأجد أن من علامات حرية الإنسان قدرا أن يكون ذلك في ليلة القدر فهو ممنوح فرصة في كل عام كما يمنح التاجر لنخل كسبه وتعديل موقفه ونقد تراثه والتأهل لعام جديد وكسب جديد فمن كان في تلك الليلة حاضرا مع ربه ولو لطرفة عين فعسى أن تكتب له الملائكة خيرا بأمر ربها في حياته القابلة أما من كان في تلك الليلة العظمى غافلا غفلة شنيعة فظيعة فبأي حق يرنو إلى السعادة؟ ليس المطلوب عبادة طاحنة قاحطة فاقرة إذ في الناس الضعيف والمسافر وغير ذلك ولكن المطلوب هو حد أدنى من الحضور وحده الأدنى صلاتي العشاء والفجر لأنها ليلا وهي ليلة وليست يوما ومن بعد ذلك يتنافس المتنافسون في الخير

لا للصدف العمياء

كثير من المسلمين في أيام التقهقر يعلقون على تلك الليلة آمالا غير واقعية ومن دون إعداد وهذا تعارض بالكلية مع عقيدة الإسلام نفسها. كنا أطفالا صغارا ونشأنا في بيئات غارقة في أوحال الجهل والأمية الدينية فكان يقال لنا أنه في ليلة القدر وهي بحسب الزعم الشعبي لا تكون إلا في السابع والعشرين تفتح أبواب العرش الرحماني وكنا نخرج ونحن أطفال يافعون وكنت أذكر أني أسأل الله في تلك الليلة دراجة وسيارة وما عفت عنه بهارج الغرب من تلك الأمتعة. القدر والصدفة أمران لا يلتقيان البتة. كثير من المسلمين لا حظ له من العبادة لا قبل تلك الليلة ولا بعدها بل ربما يكون ظلوما سفاحا غارقا في أعراض الناس وحرماتهم وهو الأمر الذي ليس مثله مثير لغضب الرحمان سبحانه ولكنه يعتقد أن ليلة القدر ماحية شافية كافية وهي عفو رحماني شامل عام فيما مضى وفيما أتى حتى لو كان ذلك الظلم خيانات وولاءات غير مشروعة وإنتماءات مشبوهة وطعن في أموال الناس وكراماتهم. هذا خلط عجيب. ليلة القدر فيما أفهم فرصة رحمانية تكاد تكون محصورة في أيام خمسة معروفة بل لا أستبعد أن تكون هي دوما ليلة السابع والعشرين إذ أن ذلك ليس كثيرا من رب غفور رحيم على أمة الإسلام. هي فرصة للجادين في إصلاح أنفسهم والتوبة توبة نصوحا فعلية وخاصة من الزهد في مقام الله والطعن في حريات الناس وحرماتهم. فرصة إصلاح كما يفعل التاجر ولم أجد تمثيلا آخر أنسب لها من ذاك. هل أن التاجر عندما يختم كتبه وحساباته يتواكل وهو يستقبل العام الجديد؟ كلا بل هو يكون أشد حيوية وإتقادا ونشاطا يطلب الدنيا وبذلك يعطاها بإذن الله والشأن نفسه مع المؤمن الذي يطلب الدنيا والآخرة معا. أما التعاطي مع هذه المغيبات الثلاث ( ليلة القدر وساعة الجمعة والإسم الأعظم ) بعبثية الصدفة فلا أظنه منسجما مع الإسلام وعقيدته. إذا كانت ليلة القدر مغيبة عنا وهو بقدر يسير مقدور عليه فهو بغرض إستحثاث النشاط وإيقاد العزائم وإستنهاض الإرادات. مما أرى هنا كذلك أن ليلة القدر هي محطة تنظيم للحياة فلا ييأس يائس ولا يقنط قانط ولا يغتر غرور ولا يزهو زاه. ليلة القدر محطة من محطات تنظيم الحياة إذ لنا في اليوم فجرا وصبحا وضحى وظهيرة وعصرا وغروبا وشفقا وغير ذلك ولنا في العام محطات زكاة للمال ومحطات للحج والإعتمار ولنا كذلك محطات للفحص الفني العام للجهاز الروحي والنفسي والدفاعية الفكرية ومحطة ذلك ليلة القدر. فلا شيء يبرر إنكار ذلك بإسم العقل ولا شيء كذلك يبرر الإقبال عليها بلا توبة وبلا عمل بعدها بإسم الحب. كلاهما طريق مسدود

والله أعلم

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق