اراءاهم الاخباررأي رئيسي

لماذا يتعرّض القرآن دون غيره في أوروبا إلى الدّوس؟

تميّز الأسبوع المنصرم سيما في بعض البلاد الإسكندنافية بمشاهد مقرفة. إذ عمد بعضهم إلى جعل المصحف الشريف كرة تركلها الأرجل في الساحة العامة. في حين نظم بعضهم الآخر ملتقى لتمزيق الكتاب العزيز. وقد سبق أن رأينا في مرّات كثيرات ـ وسنرى مثل هذا وأشدّ منه قطعا في القابلات ـ من يحرق المصحف ومن يدوسه بقدميه. لم أشأ أن أكتب عن هذا حتى أتثبت إذ أنّ من مبادئ حياتي أنّ كلّ ما يرد على منصّات الشبكة العنكبوتية ومنابرها هو كذب مفترى وزور ملفّق حتى يرد ضدّه. فلمّا أصدرت بعض الهيئات بيانات في الأمر ( منها المجلس الأروبي للأئمة ـ ومقرّه هناك بإسنكدينافيا ) إطمأننت أنّ الخبر موثوق

تمييز مطلوب بين القرآن الكريم وأوعيته

كتبت في هذا سابقا ولا بأس من الإعادة. إذ أنّ أكثر المسلمين إذ تأخذهم الغيرة الدينية المطلوبة على هذا الكتاب المقدّس الكريم يندفعون في ردود فعل طائشة أو يخنع بعضهم إلى اليأس من وعد الله أنه حافظ ذكره. يعزى ذلك إلى أنّ كثيرين لا يميّزون بين القرآن الكريم وبين مختلف أوعيته التي تحفظه وتحميه. المصحف هو وعاء يعي القرآن الكريم ويبسطه للقارئ ولم يكن ذلك متاحا حتى في العهد النبويّ كما هو معلوم. ومع تطوّر العقل البشريّ إكتشف الناس أوعية جديدة منها الأقراص المضغوطة وقد يجود العلم بما نعدّه اليوم سحرا أو هو مثل السحر. ذلك يعني أنّ القرآن الكريم شيء وأنّ أوعتيه التي تتطوّر شيء آخر. الله سبحانه وعد بحفظ القرآن الكريم ولم يعد بحفظ الأوعية ولذلك يعتدي الإنسان على تلك الأوعية ويمزّقها ويدوسها ويحرقها ولكن القرآن الكريم المحفوظ بما نعلم وما لا نعلم هو شيء آخر غير المصحف. هذا التمييز يجعلنا نستعيد الثقة في الوعد الإلهي في سورة الحجر المكية. ولكن لا يعني أنّ العدوان على أوعية القرآن الكريم شيء صغير أو مغفور. لا. على الضدّ من ذلك بالتمام والكمال إذ أنّ علاقة الشيء بوعائه علاقة عضوية حميمية مثل علاقة الروح بالجسد. فما بالك إذا كانت تلك الروح هي القرآن الكريم وكان ذلك الوعاء هو المصحف الشريف أو أيّ وعاء يعيه؟ المسألة شبيهة بالرسول والرسالة. ألم يقتل بنو إسرائيل أنبياء كثيرين؟ هل توقّفت حركة التدين بذلك أم ماتت الرسالة وإندرست؟ أبدا. إنما تجددت برسل آخرين

تمييز آخر مطلوب بين النقد والجهل المتكبّر

وبمثل ذلك علينا أن نميّز بين من ينقد القرآن الكريم من غير المسلمين طبعا. إذ أنّ القرآن الكريم لمن يؤمن به لا ينقد بل يطاع قدر المستطاع. ولكن ظهر في الغابر والحاضر من ينقد القرآن الكريم من غير المسلمين. وهذا من حقّهم ماداموا لم يؤمنوا. بل لعلّ ذلك الطريق ـ طريق العقل النقديّ ـ يكون سبيلا إلى الإيمان الحقّ. كما كان مع رجال عظام منهم على سبيل الذكر السياسي البرلماني الهولندي قبل شهور قليلات. من ينقد الكتاب العزيز من غير المسلمين نرحّب به ونأخذه برفق وندافع عن كتابنا بالعلم والمعرفة واليقين والأدب الجمّ. ونحن مملتؤون أملا أنّ ذاك السبيل لا يفضي في العادة وليس دوما إلاّ إلى إنفتاح ذلك العقل النقديّ على الإسلام والإيمان بالله سبحانه. أمّا ما نراه بأمّ أعيننا هنا وهناك فلا يعدو أن يكون جهلا مركّبا وكبرا كابرا وحنقا مدفوع الأجر وطيشا وحدّة تغذيه نزعات العداء ضد الإسلام والترهيب منه. ومن ذا فإن هذه الحركات ـ التي عادة ما تكون مدفوعة الأجر من القوى الصهيونية واليمينية المستترة وراء تلك المشاهد المقرفة ـ لا فعالية لها ولا أثر حتى في محيطاتها وعند غير المتدينين أصلا أو عند المسيحيين وغيرهم. بل ربما يكون الغرض منها ـ أو هو غرض من أغراض أخرى ـ جرّ المسلمين إلى ردود فعل طائشة حانقة غاضبة ومن ثمّ يكون المبرّر كافيا لشنّ حملات إعلامية وغير ذلك ممّا عرفنا وجرّبنا. بل إن التجربة أفضت ـ في كارثة سبتمبر 2001 مثلا ـ إلى أنّ عدد معتنقي الإسلام من بعد تلك المشاهد المقرفة يتضاعف. ذلك أنّ الإنسان مجبول على حبّ الإطلاع غريزة فإذا بوغت بمشهد غير مألوف فإنه يهرع إلى معرفة الحقيقة. ومعلوم بالتجربة أنّ أكثر من يقبل على الإسلام بغرض معرفة الحقيقة فحسب بل حتى بغرض هدمه من أسّه فإنه يأسره أسرا. إذ أنّ الإسلام ـ أي الوحي المعصوم ـ يحمل فعاليات دفاعاته الذاتية في رحمه فهو يدافع بنفسه عن نفسه

لماذا يعتدى على القرآن الكريم فحسب؟

أليست أنزلت قبله كتب سماوية مقدسة أخرى؟ بلى. أليس يتعبّد بها الناس اليوم تقرّبا إلى ربهم؟ أليس عدد أولئك مثل عدد المسلمين فوق الأرض بل أكثر؟ أليس تحمي تلك الكتب المقدسة السالفة مؤسسات دينية هي الأغنى اليوم في الأرض؟ بل مجامع ودول وحكومات وأموال لو أنفقت على المحتاجين لأغنت كّل فقير ومسكين؟ بلى. حتى عرب الجاهلية الأولى ما تعرّض واحد منهم يوما إلى الدين السالف قبل نزول الإسلام إنما إعتنقه ـ سيما النصرانية ـ آلاف مؤلّفة من مثل قبيلة نجران العربية وهي الأكبر عددا وعدّة بعد قريش. لماذا يحارب الإسلام فحسب ونبيه فحسب وكتابه فحسب وأمته فحسب؟ هذا السؤال مفتاحيّ في بناء الوعي الصحيح. الله لم يدعنا نتخبّط في هذه الحيرة الفلسفية إذ جاءنا في الكتاب المحارب نفسه بأجوبه تختلف مواقعها وتلتقي معانيها. ومنها أنّ أمّة الإسلام ستظلّ أمّة محسودة حتى يوم القيامة من لدن أهل الدين الآخر ( حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ ) ذلك أن أباطرتهم الذين يوجهون هذه الحركات الرعناء يوقنون أكثر منّا ـ أجل. ويا للأسف أكثر من كثير منا ـ أنّ الإسلام هو الدين الحقّ. ولكن يأبى عليهم الكبر الكابر أن يعلنوا ذلك. ألم يصرّح بها عدوّ الله أبو جهل نفسه إذ قال مبرّرا عداوته بدثار قبلي قذر نتن ( كنا مع بني هاشم ـ أي بطن محمد عليه السلام ـ كفرسي رهان حتى قالوا : منا نبيّ). أي أنا لو سلمنا لهم بالنبوة ظهروا علينا بها. ألم يقل سبحانه ( ودّ الذين كفروا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء). علام يحسدوننا ؟ لا يحسدوننا أنّنا أهل الحقّ فحسب. إنما يحسدوننا كذلك أنّ ديننا ينداح متقدما حتى وهو يضرب ويحارب ويضيّق عليه. فإذا إجتمع على الإنسان المفطور بطبعه على الفجور كبر يؤزّه وجهل يضله ومحسود يظهر عليه فإنه لا مجال له عدا مجال إعلان الحرب على منافسه. لا ريب عندي أنّ من يؤجّج تلك الحركات الشوهاء أذناب التصهين والصليبية وهما اللذين صنعا بوجه أو بآخر فلول اليمين المتطرف وما سمّي اليوم بالإسلاموفوبيا المتصاعدة

مطلبهم : داعش جديدة فحسب

أجل. لا تغرنكم حركاتهم التي ينفذها مغرورن موتورون بمقابلات مادية ومالية وخدمية. إنما يستتر خلفها أولئك الذين حذرنا الله منهم تحذيرا صحيحا صريحا إذ قال ( لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا : اليهود والذين أشركوا). أولئك بسببهم هم فحسب نزلت أعظم سورة هي سورة البقرة العظمى. أولئك هم الذين ساهموا ـ مساهمة وليس إنشاء إبتدائيا ـ في صنع حركات الإرهاب المنتمية إلى الإسلام ومنها ـ بل آخرها ـ داعش. أولئك لا يجدون اليوم سلاحا يدمّرون به الإسلام وأهله وقيمه عدا شراذم شاذة مفلسة مثل داعش. أولئك مطلبهم حركة إسلامية متطرفة إرهابية تفعل فعل داعش المقبورة غير مأسوف عليها. أولئك أيقنوا ـ أكثر حتى منا نحن ـ أنّ حرب الإسلام من الخارج مفلسة وطريقها مسدود. ذلك أنهم يقرؤون التاريخ أكثر مما نقرأ. ومن ذا فإنهم يعلمون علم اليقين أنّ خير من يحارب به الإسلام هو أهله ولذلك جرّوا عصابات الإمارات العربية المتحدة إلى إقتراف رذيلة التطبيع العلنيّ المفضوح. أولئك يريدون تأليب الشباب المسلم المتدين من خلال مشاهد العدوان على المصحف الشريف لبعث داعش جديدة تكون حقلهم الأخصب في تدمير المنطقة ومحق قيمها

هذه الأمّة نضجت ورشدت

ولكن هيهات. كتب الله لهذه الأمة نضجا جديدا ورشدا عتيدا فهي تتعلم من عثراتها ومن ذا فإن شبابها المتدين لن ينزلق إلى متاهات العنف والإرهاب والتطرف والتكفير وولوج المعارك الجانبية الخاسرة. شبابها مشغول بالبناء والتشييد وفقه القرآن الكريم وأخذ الحكمة وجعل المنهج الإسلامي له نبراسا يعالج به المشكلات. هذه الأمة العظمى تكافح اليوم على شتى الجبهات : جبهة الدولة العربية التابعة الخسيسة وجبهة العلمانية الفاسدة المتكبرة وجبهة الصهيونية المحتلة وجبهة الصليبية الماكرة وجبهات أخرى. لو سلطت هذه الماحقات على أمة أخرى لماتت بالضربة القاضية. هذه الأمة عظمى حقا وسرّ عظمتها في دينها وكتابها وسنة نبيها عليه السلام وصفها الواحد المتنوع وقدرتها على الإصلاح والمعالجات الحكيمة وصبرها على التحديات قرونا ورحمها الولاّد. أمّا القرآن الكريم فهو محفوظ بإرادة إلهية نعلم بعض مظاهرها ولا نعلم بعضها الآخر. والعدوان على أوعيته منكور ولكنه لا ينال من الذكر الحكيم المحفوظ شيئا. وإنه لمؤسف حقّا أن تظل الدولة العربية في تجاهل تامّ لهذه العدوانات المتكررة على مرأى ومسمع من ملأها وأن تظل الدولة الغربية تتشدق بحماية حقوق الإنسان ولكن العدوان على الإنسان المسلم دون غيره فوق الأرض متاح مباح مشاع. كلّ ذلك مؤسف ولكن اليقين والثقة في الله وفي الإنسان يخسفان كلّ ذلك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق