أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

لماذا إستقلّ الإسلام بقبلة جديدة؟

أليس هذا رفضا للآخر؟

الحدث صحيح إذ سجّله القرآن الكريم نفسه في سورة البقرة في قوله تعالى (سيقول السّفهاء من النّاس ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم). إنّما الإختلاف في زمن هذا الحدث. فمن قائل أنّه في شعبان. ومن قائل أنّه في رجب. ومن قائل أنّه في محرّم. ويظلّ الإجماع حوله أنّه حدث بعد زهاء ثمانية عشر شهرا من الهجرة أو نحوا من ذلك بفارق أسابيع قليلة. ومسجد ذي القبلتين شاهد على هذا كما هو معروف في المدينة المنوّرة. وإذا كان الحدث صحيحا وحفل به القرآن الكريم نفسه على إمتداد صفحتين كاملتين تقريبا في المصحف الشّريف (زهاء ثمن حزب كامل) فإنّ ذلك لا يعني سوى إستلال العبر من هذا الحدث الكبير وإستنباط الدّرس منه. إذ لا يسجّل القرآن الكريم حدثا إلاّ لذلك. وليس رواية تاريخية ولّت ومضت. ولو كان ذلك غير كذلك لأستحال القرآن الكريم كما يهرف عبيد الفكر الغربيّ فينا كتابا تاريخيا ككلّ كتاب تاريخيّ ولّى بعضا أو كلاّ

لماذا إختار الإسلام القبلة الإسرائيلية إبتداء؟

معلوم أنّ الصّلاة التي فرضت قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا ـ أي في حادثة الإســــــــراء ـ بشكلها النّهائيّ الأخير (خمس صلوات في اليوم والليلة بدل صلاة بالغداة وأخرى بالعشيّ) حافظت على قبلتها القديمة أي المسجد الأقصى. السّؤال هو : لم كان ذلك كذلك والحال أنّ المسلمين بقيادة نبيّهم محمّد عليه السّلام في مكة والبيت العتيق الذي هو أوّل بيت وضع للنّاس على مرمى حجر منهم؟ أيّ علاقة بالمسجد الأقصى في تلك الأيّام سيما أنّه قبلة الإسرائيليين؟ لا شكّ أنّ الأمر له أبعاد ومقاصد وليس مجرّد قبلة. سيما أنّها قبلة مستوردة من خارج مكّة. وأنّ النّعي من الله على بني إسرائيل بدأ منذ أواخر تلك المرحلة. مقاصد الأمر في تقديري هي رسالة ذات بعدين. بعد أوّليّ موجّه إلى المشركين أنفسهم في مكّة. وقوامها أنّ الدين الجديد هو إلى الدّين القديم أدنى. أي إلى الدين الإسرائيليّ بسبب الإشتراك معه في الجذر التّوحيديّ الأصليّ بغضّ النّظر عن التّحريفات التي لحقت التّوراة ومن بعدها الإنجيل. وفي ذلك رسالة قوية عنوانها أنّ هوية الدين الجديد مخّها التّوحيد وليس الشّرك العربيّ القرشيّ الذي تلوّث به الكعبة البيت الحرام. البعد الثّاني موجّه إلى أهل الدين الإسرائيليّ ذاته سيما شقّه اليهوديّ المستوطن بكثافة يثرب والذي سيكون الرّقم الأصعب في حياة الإسلام في مرحلته الثّانية هناك من بعد عام ونصف فحسب. هذا البعد عنوانه أنّنا وإيّاكم سليلو دين توحيديّ واحد ينتهي إلى إبراهيم الخليل عليه السّلام. ومن هنا فإنّا لم نأت مخاصمين لكم ما ظللتم على ما جاءت به التّوراة قبل تحريفها. هي رسالة ودّ وعربون لقاء قبل اللّقاء. لعلّهم يفيئون أو يعقل بعضهم هذه الرّسالة. أو يطرحوا هذا السّؤال الذّكيّ المهمّ على أنفسهم : لأيّ غرض أعرض الدين الجديد عن المسجد الذي هو على أتباعه على مرمى حجر هناك في مكّة وشاركونا قبلتنا؟

المقصد الأوّل : تحرير المسجد الأقصى ليكون لله وحده سبحانه

بذينك البعدين آنفي الذّكر ـ وسيما البعد الثّاني الموجّه إلى الطّائفة الإسرائيلية ـ يكون المقصد الأوّل لإختيار المسجد الأقصى قبلة للإسلام ـ حتّى وهم في مكّة ـ تحرير المسجد الأقصى من التّزييف الإسرائيليّ والتّحريف الدّيني الذي لوّثت به الكتب السّالفة وفي تحريره إعتاق للإنسان نفسه من الإكراه الإسرائيليّ. إذ لا يستقيم الإسلام دينا عالميا حتّى يعمل على تحرير الإنسان وتحرير معابده من الإكراه وخاصّة بإسم الدين. إختصاص الإسلام بذلك مناطه هو أنّه دين فوق الأعراق والعناصر والألوان والإنتماءات والولاءات والعصبات. فلا ولاء فيه إلاّ لله وحده سبحانه. وهو الدين الذي لا يكره أحدا أبدا على إعتناقه. ولا على الرّدّة عن أيّ دين سابق بغير رضى. ذلك الإختصاص مفقود لدى أهل الدين السّالف. إذ لا يعترف اليهوديّ دينا بالنّصرانيّ ولا يعترف هذا دينا بذاك. بل لا يعترف أهل الدين الواحد بعضهم ببعض داخل الدين الإسرائيليّ نفسه. فأنّى لهم أن يعترفوا بدين جديد هو الإسلام؟ سلطان الإسلام إذن على المعابد العظمى في الأرض ـ ومنها حتما المحرّمات الثّلاثة الكبرى ـ مناطه هو تحرير الإنسان وتحرير تديّنه من أيّ إكراه. لأنّه يعترف بكلّ دين ـ حتّى لو لم يكن سماويّ الأصل ـ إعتراف وجود وحياة وكرامة. وليس إعتراف شرعية دينية. فإذا كان المسجد الأقصى هو مهبط أكثر الرّسالات السّالفة فإنّ ذلك يكون سببا آخر للمبادرة بتحريره. ومن ذا كان ذلك الحدث ـ تبديل القبلة في المرحلة المكية ـ وجبة عقدية دسمة ولقاحا فكريا لا مناص منه يتشرّبه المسلمون قبل لقائهم الخصم الشّرس المتستّر بالدين. أي الطّائفة الإسرائيلية من بعد هجرتهم إلى يثرب. ذلك هو التّجسيد العمليّ لرحلة الإسراء ولو كانت الرّحلة خاصّة به هو فحسب عليه السّلام وليس لها إنعكاسات على حياة المسلمين في مكّة ـ وهم يستعدّون لإستدبارها وإستقبال المدينة ـ لما كان لها من معنى. التّجسيد العمليّ هو أنّ مسؤولية المسلمين منذ اليوم تمتدّ لتشمل المسجد الأقصى كذلك تحريرا للإنسان من غياهب الإكراه الإسرائيليّ

لماذا لم يختر الإسلام المسجد الحرام قبلة؟

لو فعل ذلك وهو في مكّة فإنّ ذلك يعني إقرار المشركين على دينهم المنسوب إلى إبراهيم الخليل عليه السّلام كذبا وزورا. الله يعلم أنّهم سيعودون إلى إستقبال ذلك البيت العتيق بعد زهاء عقد ونصف. ولكن ليس الآن. إستقبال الكعبة البيت الحرام الآن يعني إقرار المشركين ـ أو هكذا يفهم ـ على طوافهم به عراة وعلى صلاتهم مكاء وتصدية. ومن ذا كان الإسلام في مكّة وهي يحفر الإيمان في النّفوش موغلا في التّشدّد ضدّ أيّ صلة عقدية مع النّظام الشّركيّ بمكّة. من ذلك أنّه ـ على سبيل المثال ـ نفى أن يكون التّوارث على أساس نسبيّ بل على أساس دينيّ حتّى نسخ ذلك. بؤبؤ العين في الإسلام هو التّوحيد عفوا من كلّ شائبة شرك مهما دقّت. ومن ذا كان حريصا الحرص كلّه على تحرير رأسماله ذاك من أيّ لوثة أو إنتقاص. كانت الرّسالة إلى المشركين هي: المعركة بيننا وبينكم حول الملّة الإبراهيمية نحسمها بآلات. منها عدم مشاركتكم طقوسكم حول الكعبة البيت الحرام الذي رفع قواعده إبراهيم الخليل وإبنه إسماعيل عليهما السّلام. كانت الرّسالة : نحن إلى الطّائفة الإسرائيلية الآن أدنى لأنّهم أصحاب دين توحيديّ ـ لا شركيّ وثنيّ ـ ولكن حرّف. وإقتلاع التّحريف أيسر ـ نظريا ـ من إقتلاع العقيدة الشّركية. ومن ذلك أباح الإسلام نكاح الكتابية وليس المشركة

لماذا عاد الإسلام بقبلته إلى مكّة؟

تأخّر ذلك بعد الهجرة عاما ونصف. وهي مدّة زمنية كافية لتبلغ الرّسالة الطّائفة الإسرائيلية أنّي لست خصما لكم. ولا لدينكم الأصليّ قبل التّحريف. مدّة زمنية كافية لإختبار تلك الطّائفة. هل تراجع نفسها وهي تقرأ في كتابها أنّ هذا هو أحمد النّبيّ الذي بشّرت به التّوراة وأمرت بإتباعه. في أثناء تلك المدّة لم يقصر الأمر من لدن تلك الطّائفة على الكفر ـ وهذا من حقّهم شريطة أن يتحمّلوا مسؤوليتهم يوم القيامة ـ ولا حتّى على الإعراض والدعوة إلى عدم إعتناق الدّين الجديد. لا. بل تقدّموا خطوة أخرى تمثّلت في توزيع الأدوار بينهم لتكون منهم طائفة تعلن الإسلام وتضمر الكفر ولتكون في مكان أيسر لهدم هذا الدّين الجديد وتدبير المؤامرات ضدّه. ومن ذلك جاءت فتنة الإفك الذي كانت ضربة قوية ضدّ الدين الجديد الذي يدعو صاحبه إلى الطّهر والعفاف وبيته هو نفسه بيت فاحشة كما يفترون. وجاءت خيانات وغدرات بعضها ظهر للعيان. من مثل محاولة الإغيتال في بني النّضير ضدّ النّبيّ نفسه. ومنها ما سيظهر بعد ذلك بشهور قليلات في الخندق. بعد تجربة مرّة مع الطّائفة الإسرائيلية قامت فيها الحجّة عليهم أنّ الإسلام لم يأت لإستئصالهم إنّما إمتدادا لدينهم التّوحيديّ وأنّهم هم من حرّك خيوط العداء سرّا وجهرا لا مناص من مراجعة القبلة المشتركة التي إختارها الله تأليفا لقلوبكم. وليس خوفا منكم أو محاباة. ومن ذا بدّلت القبلة لتكون إلى أوّل مسجد وضع في الأرض من جهة ولتكون عنوانا للملّة الإبراهيمية التي عليها يشتدّ التّنافس بين المشركين والإسرائيليين بطائفتيهم والمسلمين من جهة أخرى. وليكون ذلك منسجما مع عبادة أخرى ستشرع قريبا. وهي عبادة الحجّ التي يحجّ فيها البيت الذي هو قبلة الصّلاة. الآن حان ذلك الأوان لأنّ الخشية من إختلاط الشّرك الوثنيّ العربيّ في مكّة مع التوحيد الإسلاميّ لم تعد قائمة. الآن يشمل سلطان الإسلام الحرمات الثّلاثة العظمى : المسجد الأقصى أولى القبلتين والمسجد النّبويّ في المدينة والمسجد الحرام الذي شيّده إبراهيم البريء من شرك المشركين ومن زيف الإسرائيليين

المقصد الثّاني : تسطير الحروف الأوّلية لوسطية الإسلام

ذكر هذا المقصد أوّل مقصد من تبديل القبلة وذلك في قوله سبحانه (وكذلك جعلناكم أمّة وسطا). ومعنى الكلام هو : وكذلك جعلنا لكم قبلة جديدة غير القبلة التي كنتم عليها لتكونوا أمّة وسطا. الوسطية نفسها وسيلة. غايتها : لتكونوا شهداء على النّاس. الشّهادة على النّاس في الدّنيا ـ وهي أرفع مقام ـ يستوجب ما لا بدّ منه لكلّ شاهد. أي قوّة وقدرة وحضورا ووعيا وعلما وشجاعة ووفاء وغير ذلك. فلا يأبه القاضي بشهادة من لا تتوفّر فيه تلك الصّفات. الأمّة كذلك لا مناص لها من وسطية تتميّز بها عن الأمم والديّن السّالف والخالف لتكون في مقام الشّهادة هداية للبشرية وتصحيحا لعقائدها وتصويبا لمسالكها. وهو يستوجب بالضّرورة قوّة وعلما ووحدة صفّ وشجاعة وصبرا وغير ذلك مما يحتاج إليه كلّ شاهد في حدث ماديّ. لم تكن تلك الوسطية المفضية إلى تبوّإ مقام الشّهادة متاحة لو كان الإشتراك مع الطّائفة الإسرائيلية في قبلة واحدة ولا مع المشركين من باب أولى وأحرى. ذلك أنّ القبلة رمز وليست حقيقة. الرّمزية في العبادة وفي الحياة ليست شيئا صغيرا أو هجينا أو لا قيمة له. ألا ترى أنّ التّيمّم بدل الطّهارة رمز. إذ هو لا ينبذ نجاسة. ولكنّه يرمز إلى قيمة عظمى. هي قيمة الإيمان بالغيب والطّاعة بالغيب. التّيمّم ليس حقيقة. إنّما هو رمز. العقل لا يقبل التّيمّم ولكنّ القلب يرحّب به وهو غير معقول حتّى يبرهن لنفسه ولربّه سبحانه أنّه يؤمن به وبالغيب إيمانا يجعله مطيعا في أمر لا معقول. القبلة كذلك رمز. وإلاّ فإنّ الله سبحانه قال هو بنفسه عن نفسه : فأينما تولّوا فثمّ وجه الله. ومن الأدلّة العملية على ذلك أنّ المصلّي الذي تحرّى القبلة وإجتهد لإصابتها فلم يصبها فصلّى إلى غيرها تقديرا لا يعيد صلاته ولو علم بالقبلة الصّحيحة من بعد إتمام صلاته بطرفة عين واحدة قياسا على الذي لم يعد من بعد ظفره بالماء وقد صلّى متيمّما وقبل إنقضاء الوقت كما أفتاه بذلك عليه السّلام وقال له : أصبت السّنة. القبلة إذن رمز وليست حقيقة. الرمز والحقيقة في حال تكامل وليسا في حال صدام. ومع ذلك نستقبلها في صلاتنا وفي حجّنا حتّى لو غابت عنّا بعض المقاصد هنا أو كلّها. لأنّ المقصد هنا تعبّديّ لا عمليّ ـ ولو في أغلبه ـ فهو إذن مقصد الطّاعة بالغيب. هذه الوسطية التي تعني الإيمان بالغيب والطّاعة بالغيب مفقودة عند المشركين وعند الإسرائيليين وعند الحضارة الغربية المعاصرة. إذ تشترك كلّها وغيرها في البعد المادّيّ الكالح. الوسطية ليست إيغالا في العرفان الرّوحيّ التّائه في براثن الغياب. وليست إيغالا مثله في المادية الكالحة السّوداء إنّما هي تناغم متناظم منسجم بين روح يصنعها قلب حيّ نابض وبين عقل ثاقب متدبّر. ذلك هو العقل الإسلاميّ الذي يصلح أن يكون شاهدا على النّاس. وتلك هي الزّيتونة الإسلامية : لا شرقية ولا غربية

المقصد الثّالث : إبتلاء النّاس

هذا المقصد نفسه ذكره الله نفسه سبحانه في ذلك السّياق. إذ قال معلّلا بعض مقاصد تبديل القبلة (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلاّ لنعلم من يتّبع الرّسول ممّن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلاّ على الذين هدى الله). عنوان هذا المقصد المسطور في الكتاب هو أنّ الله سبحانه يريد أن يمتحن النّاس ـ سيما الذين يدّعون أنّهم يتّبعون الرّسول محمّدا عليه السّلام ذلك أنّ منهم منافقين ـ بهذا الإنقلاب الكبير والمفاجئ في عبادة من عباداتهم اليومية التي لا ينخلعون عليها بأزيد من أربع ساعات ونصف معدّلا في اليوم والليلة. وهي الصّلاة التي تغشاهم صباح مساء ليل نهار. ولذلك قال : وإنّها لكبيرة. أي أنّه إمتحان صعب أن يظلّ المرء على عادة يغشاها ليل نهار صباح مساء ثمّ يباغت ومن دون مقدّمات بتبديل تلك العادة المتّصلة بعبادته اليومية. العرب دون غيرهم يعلمون هذا حقّ العلم ومن دون كلّ الامم تقريبا بسبب نشأتهم على أنفة وعزّة لا نظير لهما. إبتلاهم بنبذ كلّ أنفاتهم التي ورثوها في الجاهلية وأمرهم بالصّبر على الظّلم والعربيّ المسلم قادر كلّ القدرة على ردّه والثّأر لنفسه فأذعنوا لربّهم. واليوم يمتحنهم بإمتحان آخر هو : يمّموا وجوهكم قبلة أخرى. فهل ينقلبون مع الإسلام حيث إنقلب ويدورون مع نبيّهم عليه السّلام حيث دار؟ أم تشغب عليهم العصبيّات ويرون في ذلك ذلّة؟ ذلك هو الإبتلاء الأكبر. نجح فيه المسلمون كلّهم وأخفق فيه المنافقون كلّهم. وهي مناسبة لتمحيص الصّف الذي يتميّز خبيثه من طيبه في كلّ سنة مرّة واحدة على الأقلّ في تلك الأيّام

أيّ حاجة لنا اليوم في هذا المقصد؟

هب أنّ ما أنف صحيح. ولكن أيّ حاجة لنا اليوم فيه؟ إمّا أن تكون لنا فيه اليوم حاجة وإلاّ فإنّ القرآن الكريم كتاب تاريخيّ. حاجتنا اليوم إلى ذلك هو أنّنا نحن كذلك في حالة إمتحان : هل نتّبع الرّسول عليه السّلام وندور معه وننقلب حيث يدور هو وينقلب سواء عقلنا ذلك بعقولنا عقلا أم لا؟ وسواء كان ذلك لما نراه مصلحة لنا ومنفعة أم لا؟ أم نقول : كان ذلك مفهوما لتلك الأيّام. اليوم نحن في حلّ من كثير من تلك المنقلبات بسبب تغيّرات وتبدّلات في الزمان والمكان والحاجات والضّرورات. المشكلة أنّ هذا التبرير صحيح في محالّه المعروفة. ولكنّه ليس بالجملة من جهة ومن جهة أخرى هي الأخطر والأكبر أنّه ليس في الحقل التّعبّديّ العقديّ والأسريّ. أي في الحقل الذي عرف قديما بأنّه معلوم لا يتغيّر ولا يتبدّل. ألا ترى أنّ طبقات ثخينة منّا اليوم أستدبروا نهج الرّسول عليه السّلام ـ في بعض شؤون الأسرة مثلا ـ إحتماء بتلك التّعلّة أي تبدّل الزمان والمكان والتّحدّيات؟ كما إمتحنوا هم بتبديل القبلة نمتحن نحن اليوم بالثّبات على ما هو غير قابل للتّغيّر والتبدّل في الشّريعة. فهل نثبت أم ننقلب على الأعقاب؟

المقصد الرّابع : رصّ صفّ الأمّة دينيا حتّى يوم القيامة

عندما تكون القبلة رمزا فإنّ الإجتماع من لدن أيّ قوم أو أمّة حول رمز قوميّ من رموزها العظمى يعني تشبّثا بهويتها وعلى ذلك ينشأ ناشؤها. لكلّ أمّة رموز تشكّل هويتها. الأمّة الإسلامية لها رموزها كذلك. منها قطعا مقطوعا قبلتها في صلاتها وحجّها. وعندما تظلّ الأمّة كلّها قرونا من بعد قرون وأجيالا في إثر أجيال معتكفة حول رمز قبلتها الأوحد الذي لا يتبدّل فإنّ ذلك يعني وحدة صفّها وصونها لهويتها وعلى ذلك تنشأ النّاشئة. هوية الأمّة في قبلتها الرّمزية التي تشرئبّ إليها الأعناق كلّ أربع ساعات ونصف على مدار الحياة إذ تستقبل رمز وحدتها في كلّ صلاة بالليل والنّهار. عندما نستوعب ذلك على ذلك الأساس فإنّ الدّين يكون له في صدورنا معنى ويكون الدّين عامل توحيد ورصّ صفّ. ولكن من يعي معنى ذلك؟ قليل من قليل بسبب ضمور النّظر المقاصديّ في حياتنا الدينية خاصّة. أضحى إستقبال القبلة عادة ككلّ عادة وتقليد ككلّ تقليد. لا يسأل المسلم عن بعده ولا عمّا يحمله من معان. القبلة الواحدة للأمّة جمعاء قاطبة بكلّ فرقها ومذاهبها وعصورها هي مثل إعتصام النّصارى بالصّليب. تخلّي النّصرانيّ عن ذلك يعني هرطقة وزندقة وكفرا وردّة. ليس الغرض من التّمثيل إزدراء القبلة. وإنّما الغرض تجسيد القبلة تجسيدا يجعلها ثابتا دينيا بل عامل توحيد وليس شأنا فرديا خاصّا. الرّسالة العظمى من إرساء دين الأمّة على قبلة واحدة لا تتغيّر حتّى يوم القيامة هو توحيد صفّها. إذ ما تفرّق النّصارى في دينهم الواحد بالأصالة إلاّ من بعد الإختلاف في الدّين نفسه. كثيرون اليوم حتّى من المثقّفين المسلمين يعتقدون أنّ خلافات الأمّة السّالفة في الجزء الثّاني من الخلافة الرّاشدة وما بعدها هي خلافات دينية أو بسبب الدّين. وهذا وهم وجب تصحيحه. إذ ما كان لدين عنوانه توحيد الإله وتوحيد عبيده وعباده معا أن يفرّق الأمّة. ثلمات خطيرة وكثيرة تنخر وعينا ونحن عنها غافلون. سيما في زحمة الإكتظاظ والغزو العولميّ الفكريّ.عد بنفسك إلى سورة البقرة وإلى سياق تبديل القبلة لترى أنّ الأمر بتولية الوجه شطر المسجد الحرام تشدّد فيه الوحي تشدّدا عجيبا. إذ ورد في ذلك السّياق وحده خمس مرّات. أي على عدد صلوات اليوم والليلة من جهة وبنداء موجّه ثلاث مرّات إليه هو نفسه عليه السّلام (ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطره) ومرّتين إلى الأمّة جمعاء قاطبة أي : فولّوا وجوهكم شطره. الأمر ليس خاصّا به هو فحسب عليه السّلام. إنّما هو عامّ لكل مسلم ومسلمة حتّى يوم الدين. لك أن تكون على أيّ مذهب كلاميّ أو فقهيّ أو فنيّ أو فكريّ تحت السّقف الإسلاميّ الواحد. ولكن القبلة الرّمزية الواحدة هي التي تجمعكم ليل نهار صباح مساء. في ذلك رسالة يسيرة الإلتقاط هي : الدين واحد فمن إستخدمه لتمزيق صفّ الأمّة فهو المجرم الذي يتجاوز إجرامه شرك المشركين ودعوى الولد لله سبحانه. تفرّق الصّحابة الكرام في السّياسة كما هو معروف ثم إلتأم شملهم بفضل الله سبحانه. ولكن لم يتفرّقوا هم ولا من بعدهم في الدين حبّة خردل. الدّين هو الموقوفات من إعتقاديات وتعبّديات وقيم أسرية وأخلاقية وغير ذلك ممّا ظلّ معروفا معلوما لا ينكره منكر ولا يجهله جاهل. المقصد الأسنى من توحيد القبلة هو : عسى أن تكون الحياة كلّها لله وحده خالصة وعسى أن يظلّ الصّف الإسلاميّ واحدا حتّى وهو متنوّع إرادة إلهية مرادة

خلاصة لأكبر مقاصد تبديل القبلة

أوّلا : التّميّز الدّينيّ لولوج مقام الشّهادة التي لا تنال إلاّ بوسطية معتدلة

ثانيا : إبتلاء النّاس لأنّ الدّعوى باللّسان والقلم يسيرة بالمجّان وبدون ثمن

ثالثا : تأصيل الإنتماء إلى الملّة الإبراهيمية توحيدا صافيا لا شرك فيه

رابعا : رصّ صفّ الأمّة رصّا لا تفرّق بعده مع حفظ حقّ التّنوّع والتّعدّد

خامسا : تحرير الإنسان بتحرير معابده من أيّ سلطان إكراهيّ

سادسا : المسجد الأقصى مكانه الطّبيعيّ تحت السّلطان الإسلاميّ

قيم عظمى ومقاصد كبرى حريّ بكلّ وليّ ووصيّ أن ينشّأ عليها ولده عسى أن يتشرّب هويته مع نعومة أظفاره فيصمد في وجه السّفهاء المعاصرين

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق