اراءاهم الاخباررأي رئيسي

لحفظ رصيد رمضان : لا تضيّع فريضة ولا تقترف كبيرة

 

رمضان دورة روحية تعبوية مكثّفة تغذّي الصّائم بشحنة قيمية تكفيه حتّى رمضان قابل إذا لزم أمرين فحسب : عدم تضييع فريضة وعدم إقتراف كبيرة. أمّا فتور العبادة بعد رمضان فلا حرج فيه لقوله عليه السّلام (فمن كانت فترته إلى سنّتي فقد إهتدى). والسّنة هنا هي المنهج الذي يؤمّن الصّراط المستقيم وليس هي السنّة التفصيلية أو الخلوّ من العصيان

الفرائض نوعان : فردية شخصية وجماعية تكافلية

ما تأخّر المسلمون إلاّ عندما تخلّف وعيهم الدّينيّ حتّى ظنّوا أنّ الفرائض هي الطّقوس الرّكنية الأربعة العظمى المعروفة من صلاة وصيام وزكاة وحجّ فحسب. وبذلك تركوا المجال العامّ كلّه لغيرهم يصول فيه بصلف ويجول فيه بقهر. هناك فرائض جماعية تكافلية عليها مدار الأمّة فلا قيمة لها فوق الأرض وتحت الشّمس إلاّ بها. أوّلها العلوم والمعارف التي بها تقود البشرية وتبثّ الخير ورغد الحياة وتفرض الأمن والسّلم وقبل ذلك كلّه تقترب من ربّها سبحانه. ذلك أنّ أقرب النّاس إليه سبحانه هم العلماء الذين قال فيهم عليه السّلام (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم). وثاني تلك الفرائض التّكافلية العظمى الصّف الواحد المرصوص في أهدافه ومقاصده وأركانه. ولكنّه يرعى الإختلاف والتعدّد ويفسح للتنوّع مجالات أرحب حتّى يكون الإنسان حرّا كريما. وثالث تلك الفرائض القوّة بكلّ أصنافها فكريا وثقافيا وعلميا ومعرفيا وقوّة الصّف الواحد وقوّة الحريّة المتأصّلة التي تتأبّى عن الإجتثاث لفرط رسوخها في النّفوس قبل القوانين وقوّة المال والمادّة ورغد العيش ورخاء الحياة وقوّة العتاد العسكريّ والأمنيّ الذي يذبّ العدوّ ويؤمّن التّوازن. ورابع تلك الفرائض الجماعية الإصلاح بين المختلفين والمتنازعين على قاعدة (والصّلح خير). الإصلاح ليس وعظا فحسب ولكنّه مؤسّسات لإنفاذ القانون وقمع المعتدي الباغي وإنصاف المظلوم. وعندما تقوم على أرضنا ـ وقبل ذلك في نفوسنا ـ تلك الفرائض التّكافلية العظمى ونوقّرها توقيرنا للفرائض الفردية الشخصية لنا أن نعرّف بالإسلام ونبثّه بالوسائل العصرية المتاحة وعندها فحسب يقتنع النّاس من حولنا أنّ الذي ندعو إليه خير وحقّ وحسنى. وقديما قالت العرب في حكمها : فاقد الشّيء لا يعطيه. الضّعيف لا يغري بل يغرى. ولو كانت الفرائض الفردية الشخصية وحدها لتحمي أمّة أو تحرّر أرضا أو تستعيد عرضا لكنّا اليوم بها أعزّ أمّة. العيب ليس فيها. إنّما فينا إذ تحمّلناها غير مسنودة الظّهر من الفرائض الجماعية. الدّين واحد. فإذا قسّمناه كما فعل الإسرائيليون لم يعد شفاء بل داء

الكبائر تسعون ثلثاها في حقّ الكبراء علما ومالا وسياسة

أحصيت هذا بنفسي في كرّاس ينشر يوما إن شاء الله. معيار الكبيرة بحسب إبن عبّاس هي كلّ نهي إرتبط إمّا بوعيد في الآخرة أو عذاب أو بعقوبة هناك أو بعذاب في الدّنيا أي حدّ أو قصاص أو كفّارة أو بلعن أو غضب. وفق هذا المعيار أحصيت تسعين كبيرة. وجدت أنّ ثلثيها هي كبائر سياسية بالتّعبير المعاصر. أي كبائر يقترفها أولو الأمر سواء كانوا علماء يكتمون ما أنزل الله أو سياسيين يوالون أعداء الله أو يحكمون بغير ما أنزل الله أو أثرياء كبارا يظلمون النّاس في معاشهم ويأكلون أموالهم باطلا أو عسكريين يبيعون الوطن في سوق النّخاسة أو جماعات عنف وسفك دماء يعتدون على النّاس وأموالهم كما نزلت فيهم آية الحرابة في سورة المائدة. أصحاب هذه الكبائر عددهم قليل. ولكنّ أثرهم كبير واسع. لأنّ الفساد في الأرض يكون بسلطان سياسيّ أو بسلطان ماليّ أو بسلطان حربيّ أو بسلطان دينيّ. ولكنّ هذا لا يعني أنّ الإنسان غير المنتمي إلى أيّ من تلك الجهات الأربع (علم وسياسة ومال وسلاح) يظلّ ماسكا بدينة كلّما تجنّب الكبائر الأخرى وفي صلح مع أرباب القهر الأربعة هؤلاء. هذا قد ينتظم بسبب قعوده في منظومات الفساد إذ لم يقاوم القهر وهو أهل لذلك ولو بكلمة. كما وجدت أنّ تلك الكبائر ـ من زاوية تقسيم أخرى ـ قلبية وعملية. ولا جدال أنّ كبائر النّفس أكبر وآثام القلب أردى. من مثل كتمان الشّهادة وإتّباع الهوى وطاعة الشّح والعجب والغرور والحسد وغير ذلك. ومعلوم أنّ تلك الكبائر ـ من زاوية أخرى ـ لها متعلّقات ثلاثة : حقّ الله سبحانه. وهو حقّ واحد لا شريك له. وهو إفراده بالعبادة إفرادا لا شرك فيه البتّة. وحقّ النّفس. وهو حقّ التّزكية بالأشكال القيمية التي جاءت بها الشّريعة من مثل الصّلاة والصّيام والصّدقة وطلب العلم وغير ذلك. وحقّ الإنسان وهذا هو أوسع حقل في الكبائر. ذلك أنّ حقوق الإنسان في الإسلام مغلّظة مشدّدة ناهيك أنّ الله سبحانه لا يتركها دون حساب يوم القيامة. ويكون الأمر فيها للمظلوم إن شاء عفا وإن شاء إقتصّ. ولكن لا يعفو أحد في ذلك اليوم عن أحد ولا يسعفه بعشر معشار حسنة (يوم يفرّ المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه لكلّ إمرئ منهم يومئذ شأن يغنيه). حقوق الإنسان بدورها لها ثلاثة حقول كبرى : حقوق مادية لأجلها عدّ القتل أشدّ عدوان لا يغفر كما ظلّ إبن عبّاس بذلك يفتي. وحقوق معنوية لأجلها فرضت عقوبة الجلد ثمانين ومعها عقوبة الإسقاط من الإعتبار الإجتماعيّ (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا) وحقوق مالية لأجلها تنزّلت هذه الآية التي تحمل كلّ البشارة وكلّ التّهديد كذلك (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنكم نكفّر عنكم سيئاتكم) وهي في إثر قوله سبحانه (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل). وحقوق قيمية عظمى لأجلها شنّت حرب ضدّ الردّة المستعلنة المستقوية بأعداء الإسلام. وهو الأسلوب الذي توخّت حركة النّفاق من قبل حربا ضدّ الإسلام وتصريما لصفّ أمّته. ولأجلها كذلك شرعت البراءة من عدوّ الأمة دون التّعامل معه على أساس النّدية والولاء لأهل الإيمان دون تبرير ظلمهم

كبائر فردية

ما بقي من الكبائر يخصّ المؤمن الذي لا ينتمي إلى دوائر العلم والسّياسة والمال. ولا يعني أنّ عدم الإنتماء إليها محمدة. بل إنّها دوائر الإحسان لمن أطاع فيها ربّه. ولا يعني ـ مرّة أخرى أعيدها ـ أنّ السّلامة من الكبائر الفردية كفيل بالنّجاة عندما يكون المرء قادر على الإصلاح والنّصيحة والتّغيير والمقاومة ثمّ يقعد

كبائر قيمية

الشّرك بالله والرّدة ـ تحريم الطّيبات ـ الإكراه ـ إستحلال الشّعائر وإنتهاك الحرمات ـ صيد البّر للمحرم ـ الرّضى بالفتنة في الدّين مع القدرة على الهجرة ـ كتمان الشّهادة وكتمان العلم ـ عدم التبيّن وقفو بغير علم ـ السّحر ـ الرّكون إلى الظّالمين رغبا أو رهبا ـ نقض الأيمان عدوا ـ اليمين الغموس بصفة خاصّة ـ نقض المواثيق والعهود والوعود ولو مع مخالف أو مهادن أو كافر ما إستقام لها

كبائر نفسية

الإختيال والفخر ـ الكبر والغرور والرّياء ـ السّخرية والغمز والهمز واللّمز والنّبز والنّمّ والقتّ ـ اليأس من الله والأمن من مكره ـ الإسراف والتّبذير ونبذ القوامة ـ مفارقة العمل للقول في الأغلب ـ عبادة الدّنيا وأعراضها

كبائر عائلية أسرية وجنسية

عقوق الوالدين ـ قطع الرّحم ـ العدوان على الجار ـ إمساك الزّوجة ضرارا ـ إستعادة المهر أو التحيّل لإستعادته ـ نكاح زوجة الأب وسائر المحرّمات المذكورات ـ نكاح المشركة وإنكاح المشرك ـ وأد الجنين وخاصّة بعد أربعة شهور وبدون موجب ـ التبنّي بآثاره النسبية والمالية وليس كفالة ـ الظّهار ـ الزّنى ورمي المحصنين به والشّذوذ وإشاعة الفاحشة والرّذيلة بأيّ طريق ـ الطّلاق على غير المشروع عدّة محصاة وغير ذلك ـ
كبائر يومية ومعاشية

أكل الميتة بأنواعها المذكورة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وشرب الخمر وإتيان الميسر ـ كلّ أنواع أكل أموال النّاس بالباطل سواء ربا أو رشوة أو سرقة أو غشّا وخديعة أو تطفيفا أو بغيا أو بتبديل الوصية أوحرمان وارث كلّيا أو جزئيا أو نجشا أو إحتكارا . ويشتدّ النّكير إذا كانت الأموال للضّعفة والمحرومين ـ إتّخاذ الذّهب آنية وما في حكمه وحكمها وأثاثا وريشا إلاّ حليّ النّساء ـ إستعادة الجاهلية في حالات الموت والحزن والفرح ـ تعذيب العجماوات والبكماوات ـ

كبائر دينية عملية وعلمية

ترك ركن من الأركان الأربعة المؤسّسة للإسلام بدون عذر ـ تفريق صفّ المسلمين تحت أيّ عنوان ولأيّ مقصد كان ـ إتّباع المتشابهات وترك المحكمات ـ القول على الله أو على رسوله عليه السّلام بغير حقّ أو بغير علم. ويشتدّ النّكير عندما يكون ذلك القول تحريما لمباح ـ تكفير من ثبت له إيمان أو تفسيقه أو تبديعه

كبائر إجتماعية وسياسية وسيادية

موالاة العدوّ مادام عدوّا وإستبطانه إلاّ تقاة في حدودها الضّرورية ـ تذكية أسباب التفرّق والتّنازع والتمزّق ـ الغلول من المال العامّ ـ قتل الذين يأمرون بالقسط من النّاس وعضل الإصلاح وتعويق التّغيير ـ إقتراف الفساد الذي هو حصرا في القرآن الكريم العدوان على الإنسان بشرة ومالا وعرضا ـ القضاء بغير ما أنزل الله مع العلم به والقدرة عليه ـ إغتصاب الأمانة التي هي شرعية الأمّة في توكيل من يسعى على شؤونها ـ خذلان الأمّة في مقاومتها خاصّة توليّا يوم الزّحف أو ترك النّفير لتحرير وطن مع القدرة على ذلك ـ العدوان قصاصا أو قتالا ـ إسلام الضّعفة إلى الجوع والخوف والكفر ـ رمي البريء ظلما ـ الحرابة من دولة أو جماعة ـ

كبائر الدّماء المغلّظة

قتل النّفس بغير حقّ بأيّ صورة ـ الإنتحار وقتل النّفس لأيّ سبب وبأيّ صورة ـ

الخلاصة

هو وعد إلهيّ حقّ (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم وندخلكم مدخلا كريما). إجتناب الكبائر فحسب دون غيرها من السّيئات (الصّغائر) كفيل بإذنه سبحانه بالفوز

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى