اراءاهم الاخباررأي رئيسي

لا تُلقي الراية أختاه

تعود بي الذاكرة إلى منتصف الثمانينات و صدور المنشور سيء الذكر (منشور 108) عام 1981 و محاولات تفعيله في الجامعة و الذي يحدّ من حق المسلمة الإلتزام بما تراه هي مُلزمة به نفسها دينيا، و لم تفرضه على غيرها.
و كانت كل التيّارات الطلابية لها برامجها التكوينية الداخلية، و تجوب المراسلات التنظيمية كل جغرافيا البلاد. و عادة تكون هذه المراسلات مُعدّة مركزيا، إلا أننا في كلية رقّادة أردنا خوض تجربة في إعداد المراسلات محليا تفاعلا مع الأثار النفسية لتفعيل منشور 108، و أخذا بأيدي شقيقاتنا في الجامعة، و قد كتبت يومها نصّا حول الحجاب تحت عنوان ( لا تُلقي الراية أختاه) لقي إقبالا من أخواتنا ليس لما أتى به من جديد، و لكن لأنه لامس مشاعر كل واحدة من أخواتنا الفضليات اللاتي شعرن بالغبن و الظلم و القهر، فوجدن في النص ما يُخفّف عنهن جزءا من الحِمل النفسي. لا أتذكّر كل ما كتبته و لا أتذكّر هل كان قبل قراءة كتاب الدكتور أحمد الأبيض المميّز و الفريد في بابه ( فلسفة الزي الإسلامي) و الذي تُرجم إلى عديد اللغات. و لكن أتذكّر الانطباعات التي تم التعبير عنها من العديد من الأخوات.
عنوان المقال استعرت صورته من أحد معارك الصحابة مع الروم في السنة ثمان للهجرة في بادية الشام، و مشهد التنافس على عدم سقوط الراية في هذه المعركة غير المتوازنة. استشهد زيد بن حارثة، فحمل الراية جعفر بن أبي طالب، و عندما استشهد جعفر التقطها عبدالله بن رواحة و لسانه يقول:
يا نفس مالك تكرهين الجنة أقسم بالله لتنزلنّه
طائعة أو لتكرهنــــّه فطالما قد كنت مطمئنة
و قد شبّهت شقيقاتنا أنذاك بأولئك الصحابة الذين لم يسمحوا بسقوط الراية، و حملها الواحد تلو الآخر..حتى بلغت إلى الأخت المسلمة اليوم، فحجابها هو الراية التي أؤتمن عليها، و أعانهن الله على حمل هذا الأمانة..
و عندما أرى حال بناتنا و شقيقاتنا اليوم في الغرب، و هن يعشن في أجواء من الحرية و الاستقلالية، تجعلهن يتمتّعن بهذه الحرية، إلا أن ” الحياة السائلة” و ” الثقافة السائلة” و ” الحداثة السائلة” ( بتعبير زيجمونت باومان) أربكت بعض العقول، و تشوّهت صورة الراية، خاصة في ظل زهد في طلب الفهم و تشوّه في العمل، و سقوط مدوّ لبعض نماذج التديّن، فأصبحن مكشوفات أمام سيول الحياة و الثقافة و الحداثة و الأمر يدعو إلى التنبيه و الإشارة.
و تأسيسا على قاعدة التكريم الإلهي للإنسان، أرى بأن أولى درجات التكريم في الرؤية الإسلامية هو تكريم المرأة قبل الرجل!، و لا نلتفت إلى ما وُضع من أحاديث عديدة شوّهت صورة المرأة، فقد بيّنها و دحضها علماء الحديث.
ففي الغرب عندما تمر بالشوارع لا تستطيع تبيّن معتقدات الناس باستثناء امرأة متحجّبة تمرّ أمامك و بغض النظر عن مستوى فهمها و تديّنها، فهي تُشير بحجابها إلى إنتماء ديني معلوم. و هذا خيار اختاره لها دينها و لم يختره للرجل، لذلك أعتقد بهذه الحالة إن مكانة المرأة و دورها و أجرها أرفع بكثير من الرجال..فالمكانة تدلّ عليها الراية التي تحملها، فهي مُعلنة و غير مستترة، و بالتالي فهي ستكون عرضة لكل أساليب الاستهزاء و النّيل من دينها، و من هو عنوان الدّين فمكانته أرفع. أما الدور فيدل عليه تصدّرها بأن تُكرم برفع رايته، و من تُكرم فدورها أعظم، أما الأجر، فالأمر جليّ و بيّن، فمن تقدّمت في المكانة و الدور و تتصدّر المشهد و تتحمّل السِّهام عن أخيها قبل أن تصله، فأجرها أكبر بكثير ممن يقف خلفها.
فهنيئا لبناتنا و شقيقاتنا بحجابهن إن استقمن، و الإستقامة هي فهم وعي و إلتزام، و هي ظاهرة و باطنة، فالباطنة يدل على بعضها السلوك القويم، و بقية أجزائها مخفية عن البصر البشري، وأما الظاهرة فأبرز تجلياتها الحجاب..و هكذا تتأكد من جديد بأن المرأة هي أيضا هنا، أكثر قُربا لقيمة الإستقامة من أخيها الرجل، لمكانتها و دورها..و يكفيهن فخرا في ذلك..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق