اراءاهم الاخباررأي رئيسي

لا تحرموا أبناءكم لسانا عروبا

يفرّط كثير من المسلمين الأروبيين في تعليم أولادهم ذكورا وإناثا اللسان العربي بزعمهم أنهم ليسوا في حاجة إليه أو أن أصولهم ليست عربية وهذا وهم بسبب أن العلاقة بين الإسلام واللسان العربي حميمية بل هي علاقة جسم بروح ذلك أنه لا يرتقي أحد أبدا إلى مستوى العلم الراسخ والفقه الصحيح في الإسلام حتى يترسخ في اللسان العربي. ليس الحديث عن الإيمان أو متعلقاته الروحية من أمل ورجاء وخشية ويقين وثقة ولا عن الإسلام ومتعلقاته من إقام صلاة وصوم وإنفاق ولا عن التكاليف الدينية المعروفة. الحديث عن الإنتماء إلى طبقة الإمامة بمعناها الإسلامي وليس بمعناها الوظيفي الدخيل. لا أرتاب في أن العقود القابلة ستشهد بحول الله سبحانه أمواجا بشرية تبحث عن الإسلام إذ كلما كثر اللغط حوله كثر الطلب عليه شأن كل أمر يثير إهتمام الناس عدا الوعد الإلهي أنه مظهر دينه. تلك اللحظة تقتضي من الأولياء اليوم في كل محضن ومستوى الإستعداد لها بأمور منها اللسان العربي إذ هو المفتاح الأول والأكبر لحسن فقه الإسلام من مصدريه المعصومين : القرآن والسنة بما يؤهل الناس إلى علم راسخ لا يرتاب بل يدحض الشبهات من حوله. ومما يغشى رؤوسا كثيرة أنّ أهلية الطفل قاصرة على إستيعاب لغات كثيرة أو أن اللسان العربي يحدث إكتظاظا في عقله فيعوّق قدراته أو أن اللسان العربي لسان صعب عسير معقّد. كلها كذبات ممجوجات يرددها الذين لا يعلمون وقد أثبتت الدراسات العلمية المعاصرة أن إنغراس الولد في لسانه الأمّ يساعده على تعلم ألسنة أخرى ويجعله من المتفوقين والمبرزين. صحيح أن اللسان الأمّ للأجيال اللاحقة لمسلمي أروبا ليس هو اللسان العربي ولا التركي ولا الكردي ولكن اللسان العربي هو لسان أمّ فيما يتعلق بالدين. وما لا يعمله إلا قليلون أن بعض المسيحيين اللبنانيين يعلمون أبناءهم القرآن الكريم وهم لا يؤمنون به إبتغاء قحاحة لألسنتهم وعروبة سليقة تضمن لهم في قابل الأيام فصاحة وبلاغة. هذه الخاصية العجيبة في القرآن الكريم لا يعلمها أكثر المسلمين وأكثر العرب بسبب أن هؤلاء تعجموا لسانا وتهجنوا لغة فصنع ذلك بينهم وبين القرآن الكريم حائلا بل سدّا منيعا لذلك يلجؤون إلى التفاسير وغيرها عجرها وبجرها وكأن القرآن الكريم الذي تحدى العرب الأقحاح السلقاء الأوائل في عقر دارهم فكبتهم تكبيتا نزل بلسان هندي أو صيني. ومما لا يعلمه كثيرون أن تأخير الإهتمام باللسان العربي بالنسبة للمسلم أيّا كان لسانه الأمّ لن يجعله في علاقة مباشرة حميمية مع كلام ربه وكلام نبيه عليه السلام بل يضطر إلى وسائط قد تصيب وقد تخطئ وقبل ذلك وبعده يحرم نفسه ـ أو يحرمه أولياؤه ـ من حلاوة البلاغة وطلاوة الفصاحة وليت شعري ما سمّي هذا اللسان عربيا عدا لأنه يقول فيعرب لشدة إرتباط مبناه بمعناه كأنه المرأة العروب التي ذكرها ديوان اللسان العربي نفسه أي القرآن الكريم في قوله ( عربا أترابا ) أي يعربن عن حسنهن وجمالهن بلا حاجة إلى مزوقات أو طلاءات ولذلك كان اللسان العربي سماعيا لا مكتوبا إذ هو يصنع المعنى ويقدّه من طينة الحرف مخرجه وصفته ورتبته في الكلمة ثم ينحت من ذلك الجذر عشرات الكلمات إشتقاقا وصناعة وتوليدا عدا ما يزخر به من مجاز

محاضن اللسان العربي

المحضن الأسري

في اللسان العربي يصدق كلام بشار إبن برد أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا إذ أن الطفل الذي تستقبل آذانه منذ نزوله من رحم أمه الصوت العربي سيظل شغوفا بذلك اللسان وفيّا له تواقا إليه بل سيساعده ذلك كما أثبته الغربيون أنفسهم ببحوثهم على إمتلاك ألسنة أخرى وعلوم ومعارف أكثر وبذلك يعدّ المحضن الأسري هو أشد المحاضن فعالية في غرس حب اللسان العربي في أفئدة الناشئة وليس المهم هنا أن يحسن الطفل ولا حتى الشاب نفسه فهم المعاني كلها ولا فقه المرادفات والتركيبات ولكن المهم هو أن يطمث سمعه أوّل ما يطمث باللسان الذي هو عنوان الفصاحة والبلاغة والقحاحة والسلاقة وقد أثبت هذا جدواه في الوجود المسلم الألماني بحسب ما عاينت بنفسي إذ يحرص العرب المسلمون الألمان في الأعم الأغلب على الحديث مع أبنائهم باللسان العربي سواء كان عامّيا أو فصيحا سيّان. هذا أمر قد لا يوليه الناس في البداية ما يستحق ولكن تظهر ثمراته بعد سنوات دون ريب إذ أنه يجنّب الطفل والشاب عقدة الغربة عندما يكون بين يدي نصّ عربي أو في حضرة عرب لا يعلمون عدا العربية

المحضن المسجدي

نجح بعض المسلمين في ألمانيا في إنشاء روضات عربية للأطفال ( مدينة كارلسرو مثلا ) وهو عمل مهم يعتق الناشئة في سنواتهم الأولى حيث يكونون غير ملقحين من عجمة اللسان وهجانة الأذن وبلادة الذوق كما نجح آخرون في كثير من المدن الأوربية في تخصيص جزء من عطلة آخر الأسبوع لتعليم اللسان العربي والقرآن الكريم وغير ذلك مما يزرع في الناشئة نطفات الهوية الأولى وبغض النظر عن المناهج التي قد تكون قاصرة أو المعلمين الذين يفتقرون إلى البيداغوجية التربوية فإن العمل في حد نفسه جهد كبير إذ العبرة هنا ـ بمثل صلاة الجماعة ـ ليس المضمون نفسه في المقام الأول بل في شعور الناس والأطفال بالإلتقاء والإجتماع. ومعلوم أن أهل البيداغوجيا التربوية يميزون تمييزا صحيحا بين ما يثمر بعد سنوات وعقود وبين ما يمكن أن يلقنه الطفل وهو في سنواته الأولى يحبو متعلما ببصره وسمعه ولعلّ أخطر شيء يمكن أن يصطدم به المرء هو أن البحوث المعاصرة أثبتت أن الطفل يكتسب جزء كبيرا من شخصيته الروحية والمعنوية في السنوات الأولى

المحضن الإجتماعي العام

دأبت بعض المنظمات الأوربية منذ سنوات وعقود على تنظيم هذه المحاضن التربوية الترفيهية التي ترعى الناشئة سواء كانت في شكل رحلات موسمية منتظمة أو في شكل أيام دراسية منهاجية سيما لمن يكون مؤهلا لذلك من حيث السنّ أو في شكل مخيمات وغير ذلك مما تختلف أسماؤه ويتحد معناه وهو عمل كبير سيما أنه منافس من المدرسة الأروبية الرسمية من لدن تلك الأعمال نفسها ولكن بنكهة غربية مائعة لا تغرس خلقا بل تدمر قيما عليا ومن هنا كان توفير البديل من لدن الوجود الأوربي المسلم فريضة إسلامية لا غنى عنها. حدثني صديق ـ مازال على قيد الحياة ـ من مدينة شتوتغارت الألمانية قبل سنوات طويلات أن الموظفة بمصلحة الأجانب بتلك المدينة قالت له عندما سلمته الجواز الألماني مع أبنائه أنها تفعل ذلك لأجل أولئك الأبناء ومفهوم بالضرورة أنها تقصد أن المعركة بينها وما تمثله وبين هذا الوجود المسلم هي حول الأبناء أنفسهم إذ أن تمكينهم من الجواز الألماني منذ نعومة أظافرهم يعني محاولة جادة لإستقطابهم في الثقافة الألمانية. ما أثار فضولي هو أن هذه المرأة كانت صريحة ولم تخف ما يخفيه غيرها

إستثمار أوقات العطل في البلاد العربية

دائما ما أتحدث مع نفسي قائلا أن المسلم هو من ينشأ في بيئة إسلامية وأن المسيحي هو من ينشأ في بيئة مسيحية ومثله اليهودي والهندوسي وغيرهم. وذلك على معنى أن الإنسان إبن بيئته حتما محتوما ولا ينفي ذلك أن التدين هو الخيار الوحيد الذي منحه الله سبحانه الإنسان فهو مسيّر (بالتعبير التراثي البليد الذي لا أحبذه ) في كل شيء ولكنه مخيّر في دينه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ولكن رسخ في العقل البشري منذ القدم أن أكبر عامل في توريث الناشئة مثاقفات تشكل شخصيته الروحية هو عامل البيئة وخاصة البيئة الأسرية الأولى ولذلك لم يتردد عليه السلام في التنبيه إلى خطورة تلك البيئة إذ قال ( يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه ). المقصود أنه من المفيد جدا أن يتخير من إستطاع من الأولياء المسلمين المقيمين في أوروبا مع حلول كل عطلة صيفية جديدة مرفأ آمنا لأبنائه تحت سن الحنث حيث يختلطون باللسان العربي صوتا وصورة ولحما ودما وخاصة عندما يتزامن ذلك مع فضيلة أخرى هي فضيلة صلة الرحم وبذلك يتدرب منذ البداية على خلق إسلامي رفيع هو صلة الرحم والجوار وعلى تشنيف سمعه على إمتداد شهور أو أسابيع باللسان العربي وهو الأمر الذي أسلم لأجله أروبيون كثيرون إذ أن الإسلام ليس فكرة غريبة بدعية ولا إيديولوجية فلسفية مجردة مستعصية تحتاج ذكاء وقادا أو جهدا ذهنيا كبيرا إنما الإسلام روح تسري يقودها الخلق الطيب وبذلك أسلم كثيرون بسبب إستماعهم إلى صوت الآذن لأوّل مرة أو تأثروا بالعلاقات الإجتماعية في المجتمعات العربية بل أعرف صديقة ألمانية متزوجة من مصري ظلت تتردد على مصر في كل مناسبة إذ أعجبت بتلك المشاهد الإجتماعية والعلاقات الأسرية وهو الأمر الذي لا يمكن لنا نحن فهمه بل إننا نشيعه في أحاديثنا وكتاباتنا بكثير من الإزدراء ولكن له فعل السحر عند هؤلاء الذي طحنهم النمط الأروبي الذي لا يعترف بقيمة الجوار والرحم والبساطة والتواضع والتعاون والتهادي على قلة ذات اليد. إن بذل المال من لدن الأولياء في سبيل تطعيم أبنائهم ذلك المصل اللساني لهو بمثل التلقيحات اللازمة توقيا من الأمراض المعدية وإن ذلك البذل لجهاد في سبيل الله بالمال إن شاء الله

ملاحظة لا بد منها

على أن إعادة الإعتبار للسان العربي لا يعني أبد البتة الغض من قيمة الألسنة الأخرى. كيف ونحن أهل دين أبى نبيه عليه السلام إلا أن يرسل زيدا إلى تعلم السريالية وأتباع كتاب يحرض على مخاطبة الناس بما يفهمون أي بلسان القوم كما عبر هو نفسه واللسان هو ليس اللسان المادي فحسب بل اللسان هو حالة وحياة

خلاصة القالة

إذا كان مستوى الفقه ـ وليس العلم ـ بالإسلام من حيث أنه شريعة تبسط نفوذها على الحياة كلها وهي تستقبل التعقيدات المالية والسياسية والإدارية المعروفة وتتفاعل مع أعتى ثورة ( ثورة الإتصال الهادرة ) لا يبلغ إلا بالتمكن من اللسان العربي الذي به تحدى الإسلام نفسه العرب الأقحاح السلائق ( وليس الحديث عن الإيمان والإسلام بل الحديث عن الفرز العلمي الراسخ والتحقيق الفقهي الذي يمتشقه العدول ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وإنتحال المبطلين ) فإن النتيجة المنطقية الصارمة لتلك المقدمة هي تأهيل الناشئة منذ الآن وبمحاضن جادة وهادفة ودائبة على الرسوخ في اللسان العربي إذ أن المعركة في مخها الأول ـ لمن يعي سرّ دورات الحضارات وتداولها وبراكين أعماقها وليس أعاصير جلودها وعواصف قشورها ـ هي معركة الفكرة وحرب الثقافة وأن التهوين من شأن اللسان العربي ليس مقصودا لذاته بل مقصود به توهين الإسلام نفسه في المخيال العربي وغير العربي وأن قضايا معاصرة في غاية الدقة والحاجة معا مما تعم به البلوى بالتعبير التراثي السالف لا تحسم إلا بدقائق ذلك اللسان ( قضية مسّ المصحف مثلا واحدا ) . ومن هنا فإن غرض هذه القالة هو التحريض على إعادة الإهتمام باللسان العربي في حق كل مسلم ومسلمة وخاصة من أولي الرعاية للناشئة في شتى المحاضن إذ أن كسب المستقبل يبدأ بكسب الرجال الذين يكونون فيه فرسانا وليس أذيالا

الهادي بريك ـ ألمانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق