اراءاهم الاخباررأي رئيسي

(كورونا) ونقض الصلاة : هل هي نبوءة محمّد عليه السلام؟

قرأت هذا الحديث منذ عقود وظللت دوما أسأل نفسي عن نصفه الثاني. أي نقض الصلاة. كيف يكون؟ أخرج أحمد والحاكم والطبراني وإبن حبان وغيرهم عن أبي أمامة الباهليّ أنه عليه السلام قال ( لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة. كلّما إنتقضت عروة تشبّث الناس بالتي تليها : أولها الحكم وآخرها الصلاة). أمّا نقض الحكم فلا أظنّ أنّ فيه خلافا بين العقلاء. ذلك أنّ الأمّة تعرّضت مبكرا جدّا إلى نقض العروة الأولى وهي عروة الحكم التي نفّذها الأمويّون بقيادة معاوية رضي الله عنه ضد الخلافة الرّاشدة وإكراه السبط المنتخب من الأمّة ـ عقب أبيه بيعة حرّة لا وراثة أي الحسن رضي الله عنه ـ على التنازل. وبذلك درج تراثنا على تسمية ذلك العام عام الجماعة أي 41 هجرية. ومنذ ذلك النقض الأوّل للعروة الأولى أي إغتصاب حقّ الأمة في تولية من تشاء بلا إكراه فإنّ الأمة جمعاء قاطبة تعيش حالة الإستثناء السياسيّ. إذ مرّغ الأمويّون قيمة الشورى ـ التي لنا فيها سورة مكية كاملة ـ في التراب وعليها جرت الخلافة الرّاشدة ثلاثة عقود. وهو إستثناء زاده الفقه بلّة إذ أكره بشكل غير مباشر على القول بجواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل. ومن فروعه إقرار شرعية الغلبة والعصبة والسيف صونا لوحدة الأمة أن تندلق أقتابها ( وعندما يثبّت ذلك من لدن إمام الحرمين الجويني أنه إستثناء مؤقّت ليكون بالنتيجة أمرا طبيعيا فإنّ الألم يكون أشد وجعا). هو إجتهاد له الذي له وعليه الذي عليه. ولكن بعد مضيّ زهاء سبعة قرون فحسب فإنّ الأمة تمزّقت حتى من بعد تضحيتها بالحرية. فلا هي حفظت وحدتها ولا حفظت حقّها في إصطفاء من تشاء ليقوم على خدمة شؤونها العامة. أمّا بعد إندكاك الملك العثمانيّ قبل قرن كامل 1923 فإنّ الأمة خسرت وحدتها الترابية ( إحتلال فلسطين وذهاب الأندلس ومواقع أخرى كثيرة مهمة في آسيا وإفريقيا وأروبا منها جنوبها أي شمال المتوسط كلّه ) كما خسرت وحدتها السياسية بالكامل إذ تحوّلت إلى دويلات متخاصمة. كما خسرت سيادتها على قرارها السياسيّ سيما فيما يتعلّق بهويتها السياسية وقوتها العسكرية ومواقفها من القضايا الدولية الكبرى. كما خسرت حريتها إذ أنّ دولها تابعة لهذا الطرف أو ذاك خارجيا ولا حقّ لها في إختيار دولتها وحكّامها وخياراتها. الخلاصة هي أنّ خيار التضحية بالحرية إجتهادا من الحسن رضي الله عنه ومن معه إبتغاء تأمين الوحدة الترابية والسياسية وإستقلال القرار السّياديّ أثمر بالنتيجة ومباشرة تقريبا من بعد سقوط بغداد 1258 خسران الأمة لمقوّمي وجودها ورسالتها القيادية : أي الحرية والوحدة معا. الأسوأ من كلّ ذلك هو أنّ قيمة الشورى سياسيا مازالت حيّة في النخبة الإسلامية فحسب وهي لا تساوي عدديا أزيد من جزء من مائة جزء من الأمّة. ناهيك أنّ أكثر الأنظمة العربية والإسلامية اليوم بمختلف أنظمتها العسكرية والعشائرية والديمقراطية المزيّفة إنّما تمدّ أنفاسها بعوامل منها تهييج الشعوب والمجتمعات ضدّ قيمة الديمقراطية والتغيير والإصلاح والتداول على السلطة بما يجعل من تلك النخبة جزء معزولا في الوعي ينعق بما لا يسمع ناعتة المقاومين لأجل الحرية السياسية بالفتنة ومستنجدة بالنصّ المقدّس نفسه سيما من الحديث النبويّ وبأضغاث من القول من مثل أنّ حاكما غشوما خير من فتنة تدوم. وإنبرى لذلك قطاع من الأئمة والعلماء والخطباء والمنسوبين إلى الدين. ومثلهم من الإعلاميين. وحضر المشهد الفرعونيّ ذاته. أي مصلح معزول إلاّ من ذرية من قومه وسحرة وشعراء وملأ. سوى أنّ يوم الزينة لمّا يأن أوانه

نقض الصّلاة

الحديث صحيح دون ريب وهو نبوءة إسلامية صحيحة تحمل نذرا مزلزلة. تحقّق النصف الأوّل من تلك النبوءة وتلك النذر. أي فقدت الأمة سقفها السياسيّ الضّامن للوحدة والحرية معا. الذي ظلّ يحيّرني هو نقض الصّلاة. كنت مطمئنا إلى أنّ المقصود بنقض الصّلاة تركها من لدن الأمة أي من لدن أغلب أبنائها وبناتها. ولكنه إطمئنان ظلّت الأيّام تكرّ عليه. ذلك أنّ الأمة الإسلامية إذا ترك أكثرها الصلاة بالكلية فأيّ صلة لها بالإسلام. ليست هي الأمة التي تفعل ذلك. إذ أنّ ذلك هو الضّلال المحض والأمة معصومة من ذلك في جماعتها لا في أفرادها. عصمة الأمة حقيقة عليها شواهد كثيرة من الوحي. إذ أنّ الأمة لا تجمع على باطل أو ضلال. وهي أكرهت على نقض العروة الأولى أي عروة الحكم. وظلّت تقاوم منذ الأيّام الأولى ( الحسين وحفيده زيد وإبن الزبير وهي أبرز الثورات في العهد الأمويّ ) ثمّ ووجه البطش بأساليب أخرى إشتراك فيها الأئمة الأربعة كلّهم. ولكن أبرز التراث الإمام أحمد فحسب. إذ أوشك الشافعيّ مثلا أن يقتل مع تسعة من رفاقه إذ ضبطوا ( متآمرين ) ضد الدولة العبّاسية وبمثل ذلك نكّل بالإمام مالك في إفتاء فاحت منه رائحة الرّفض للحكم ( طلاق المكره) وساهم أبو حنيفه نفسه بماله ورأيه. ثم إتخذت بعض الحركات المعارضة التنظيم السرّي سيما الشيعة والخوارج. وبالخلاصة فإنّ الأمة لم تستسلم في أيّ حقبة لنقض العروة العظمى الأولى أي عروة الحكم حتى يومنا هذا. ذلك هو معنى من معاني عصمة الأمة التي أكرهت على قبول الإحتلال الصهيونيّ خلال العقود المنصرمة ولكنها تأبّت وظلّت الأنظمة متأرجحة بين مطبّع في السرّ وآخر في العلن. كما ظلّت الأمة متأبّية ضد العلمانية ثقافة حاكمة قائدة ولم تمنح يوما صوتها الإنتخابيّ لها عدا أنّها تستقوي بالأجنبيّ وتلزم الأمة في عمقها الصمت الإيجابيّ. لو كانت الأمة غير معصومة وقابلة لنقض عروة الحكم لما ثارت في السنوات الأخيرة في أكثر من بلد عربيّ ولإبتلعت الصهيونية غزّة في سويعات معدودات. ولكن ظلّت المقاومة صامدة حتى في زمن الحرب الباردة مع العدوّ. أسوق ذلك لأقول أنّ الأمة التي لم تقبل بنقض عروة الحكم وهي عروة جماعية لا تقبل نقض عروة الصّلاة وهي عروة يغلب عليها الفرديّ ولكن يشترك فيها مع الجماعيّ. أسوق ذلك لأنقض ما كنت مطمئنّا إليه أنّ نقض عروة الصلاة لايعني تركها بما يشبه الكلية من أكثر الأمة. ذلك جعلني أبحث عن معنى آخر لنقض عروة الصّلاة

النقض يكون إكراها لا إختيارا

من المعاني التي جعلتني أؤول إلى ما يأتي هو أنّ نقض الحكم في البداية كانت عليه الأمة مكرهة حتى وهي حديثة عهد بالنظام التشاوريّ وبيعة التراضيّ مع حكام الخلافة الرّاشدة. ألا يكون الأمر نفسه مع الصّلاة؟ أي أنّ نقض الصّلاة تكون عليه الأمة مكرهة وليس مختارة. إذا كان ذلك كذلك مع ما أنف ذكره أي أنّ نقض الصّلاة لا يعني تركها بالكلية من لدن الأمة بالكلية فإنّ الذي أكاد أطمئنّ إليه الآن هو أنّ نقض عروة الصلاة أكرهنا عليه بسبب وباء ( كورونا ) وهو وباء يغمرنا منذ عام كامل ولئن كان عدد الضحايا في العالم كلّه مليون إنسان مصاب فحسب فإنّ هذا الوباء أصاب شعيرة الصّلاة في مقتل. إذ ظللنا لأسابيع طويلة في الأرض كلّها لا نصلّي جماعة ولا جمعة. وظلّت الصلاة بعد ذلك إلى اليوم ـ وستظلّ كذلك لشهور أخرى طويلة بل لسنوات والله أعلم ـ تنتظم على غير السّنة. إذ أنّ من إقامتها جماعة الصفّ الملتحم المتلاصق بما يجعل منها مفضية إلى مقصدها الذي لأجله شرعت وهو تجسيم التآخي والتحابب والتكافل. الصلاة إذن في حالة نقض لم يطرأ عليها مذ شرعت. ذلك أنّ كلّ صلاة يمكن الإفراد بها إلاّ الجمعة ومثلها أو أدنى منها العيدين والجنازة. وكلّها يؤدّى بخلاف الأولى في مشهد غير مألوف ومقرف. وإذا تواصل هذا لسنوات فإنّ الفتى يشبّ على تدين سقيم عقيم لا أثر فيه لصحّة العبادة العظمى في الدين أي الصّلاة. وها قد هجم هذا الوباء من جديد لنعود إلى الحالة السّالفة. أي هجران المساجد حتى في الجمعات والأعياد فضلا عن صلاة الجماعة وتوديع الأموات بما يشبه الطقوس المسيحية. أليس ذلك نقضا للصّلاة؟ لم أحتفظ في ذهني بالصورة النمطية الأولى لنقض الصّلاة أي تركها من لدن الأمة بما يشبه الترك التامّ وهو أمر لا يطرأ على الأمة بسبب عصمتها؟

علاقة الحكم بالصلاة

السّؤال الآخر المهمّ هو لأيّ غرض جمع عليه السلام في نبوءته التحذيرية بالغة النذارة بين عروة الحكم وهي مطلب جماعيّ سياسيّ كان نقضه يسيرا على من أسالت الدنيا لعابه وبين عروة الصلاة وهي مطلب يشترك فيها الفرديّ مع الجماعيّ؟ المعنى عندي هو أنه عليه السلام يحذّر من إنفراط العقد وذهاب الرّيح ذلك أنّ عروة الحكم يجتمع عليها أبناء الأمة وبناتها ليختاروا من يرضونه لدنياهم كما يجتمعون هم أنفسهم على عروة الصلاة ليختاروا من يرضونه لدينهم وإمامتهم . الحديث مقامه مقام المطالب العالية لأنه يحذّر من تمزّق الصفّ المفضي بالضرورة إلى الإحتلال والإفتراس وتحطيم الشوكة ودوس البيضة وقد حصل كلّ ذلك. المعنى الأخطر من ذلك هو أنّ الأمة إستوعبت نقض عروة الحكم وإذ ذهبت المجاهدات والمقاومات على إمتداد خمسة عشر قرنا كاملة سدى ـ إذ لم تستعد الأمة حقّها السياسيّ الذي إغتصب منها ـ فإنها حافظت على بقية العرى ومنها الصّلاة. ولكن عندما تنقض الصّلاة نفسها فلا نجتمع حتى في الجمعات خلف إمام واحد يوجّه الناس أو يعظهم أو يذكّرهم أو يلمّ شعثهم فإنها لن تكون عدا الحالقة التي تحلق الدين. أليست الصلاة عماد الدين؟ تفرّقنا في السياسة وحفظ الدين الفرديّ ولكن عندما نتفرّق فلا نلتقي في الجمعات والأعياد وربّما الجنازات لسنوات طويلات فإنّ النبوءة التحذيرية تغدو علامة حمراء قانية ليس بعدها إلاّ يقظة صحيحة نصوح أو موت سريريّ. المشكلة هنا أنّ الأمة معصومة من الموت حتى لو طال مرضها وهذا مؤكّد بالوحي الثابت. لم يبق إذن سوى الإحتمال الأوّل وهو أنّه بعد نقض عروة الصلاة التي لا يعلم أحد أمدها ( سنوات أو عقودا) فإنّ الأمة تستقبل مرحلة جديدة مختلفة كلّ الإختلاف عن كلّ المراحل التي جاءت بعد الخلافة الرّاشدة

الإسلام : حكم وصلاة وما بينهما عرى أخرى

من معاني هذا الحديث النذير هو أنه عليه السلام أخبرنا أنّ الأمة حياتها وقوامها بالحكم سيادة على أرضها وعرضها وبالصلاة صلة بربّها وتزكية للنفوس وإجتماعا على الدين وفعل الخير. كما أنّ من المعاني الجليلة هنا أنّ نقض الركن الأعلى أي الحكم مؤذن بنقض الصّلاة وهي صلة حميمية بينهما رغم تجاهلنا إيّاها. ولكنّ السؤال هو : وهل بين تينك العروتين الكبريين ( الحكم والصلاة) من عرى أخرى؟ ما هي؟ وهل إنتقضت أم لا؟ لا شكّ أنّ بينهما عرى. ومنها عروة الأسرة التي لن تنقض إذ بإنتقاضها تموت الأمة موتا حقيقيا وعروة التكافل مثل ذلك. إنّما وقع التركيز على الصلاة وليس على الصوم مثلا أو الحجّ لأنهما عبادات مؤقّتة وبحسب القدرة ومؤجّلة في الزمن. فلا يقاس شيء على الصلاة لا فرديا ولا جماعيا ناهيك أنها تغشانا جماعة مرّة كلّ أسبوع وفرادى مرّة كلّ أربع ساعات ونيف

من إرهاصات المرحلة المختلفة

أختم بهذا لأقول أنّي أقدّم قراءتي هذه لمن يهتمّ ويحاور بأّدب وعلم وأمل وأنّ ما يؤكّد ذلك هو عصمة الأمّة من الضّلال. وأيّ ضلال أضلّ من نقض الصّلاة مخّ العبادة؟ ومن الإرهاصات حركة الوعي المنداحة في الأمة يعثر عليها الباحث مهما وارتها ألسنة السوء في الإعلام وأقلام العهر و مثلها حركة الإحتجاجات التي لا تهدأ ذلة وخوفا إلاّ لتثور من جديد. فلا يطمئن مستبد على عرشه مهما فعل. ومن ذلك كذلك ثورة الكلمة بكلّ صورها وأشكالها الأدبية والفنية والصامتة والمتحرّكة. وإندياح الإسلام إعتناقا جديدا في الأرض كلّها سيما في الغرب وأروبا. وهي حركة حثيثة يجد الظمآن ريحها مهما تسترت عليها الفضائيات المعادية. وغير ذلك من إرهاصات تجعلني أغيّر من إعتقادي أنّ نقض الصّلاة لا يعني تركها ليكون تركها ظاهرة إجتماعية. كيف والأمة تعيش حركة صحوة عامة صاعدة؟ إنما يعني نقض الصّلاة إكراه الناس على هجران المسجد لأسابيع أو شهور بسبب هذا الوباء أو هجران صلاة الجمعة أو ما في حكمها أو إقامة الصلاة على خلاف السنّة التي لا تأخذ حكم السنة هنا بل حكم الواجب. وبمثل ما أكرهت الأمة يوما على التأقلم بعسف مع نقض الحكم فإنها اليوم تكره على نقض الصلاة بهذا الترك الجزئيّ المتقطّع والهيئة غير المسنونة. لا أدعو إلى تحدّي سطوة الوباء وتعريض العافية إلى السوء. ولكن يسلّط الله على الناس من أوبئة بقدر ما أحدثوا من فجور. و لا أتفرّغ إلى هذا المعنى الآن

الخلاصة

أظنّ أن وعيده عليه السلام قد تحقّق فينا بالكلية الآن فمن نقض الحكم ومازال منقوضا حتى نقض الصّلاة بسبب وباء ( كورونا ) وقد يظلّ فينا هذا النّقض الجديد سنوات لا قدّر الله. عدا أنّ الأمة موعودة بأمرين هما : حفظ الدين وإظاهره على الدين كلّه. وهو ما يبثّ الأمل أنّ الأمة بنقض ذروتها ( الحكم ) وصلبها ( الصّلاة ) مقدمة على مرحلة جديدة ربّما تكون هي مرحلة الخلافة الرّاشدة الأخيرة على منهاج النبوة. والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق