اراءاهم الاخباررأي رئيسي

كلمات حزينات في وداع ضيف

ضيفي الحبيب : رمضان الكريم

 

أعرف أنك بدأت تحزم حقائبك وتستعد للرحيل عنّي. أعرف ذلك بسبب هذا الشعور الذي يهجم عليّ هجوم الليل كلّما دخلت العشر الأواخر. بيني وبينك الآن صحبة عمرها خمسون عاما كاملة. لا زلت أذكر ورب الكعبة أوّل أيام صيامي فيك إذ كان ذلك في خريف عام 1971 وكان عمري آنذاك ستة عشر عاما وكنت قبل ذلك بأسابيع قليلة قد بلغت الحلم. لا بل أذكر ورب العزة المشهد كله إذ كنت أصطف مع زهاء عشرين تلميذا أمام القاعة التي سنتعلم فيها مادة الإنجليزية وكانت الأستاذة أمريكية فارعة الطول. لم أكن أحزن لفراقك ضيفي الحبيب في كل السنوات الأولى التي كنت تغشاني فيها. لا أعلم لماذا. ربما كنت أصوم ولم أسأل نفسي يوما هذا السؤال الكبير الخطير الذي يثخن المرء علما وحلما معا : لماذا أصوم؟ مؤكد أنه ليس لإكتساب عافية بدنية لأن ذلك يمكن بطرق أخرى كثيرة. العجيب أني ومذ ودعت سنوات الشباب الأولى لا أصوم عدا في رمضان أو أياما أخرى قليلة جدا بسبب أثقالها المحملة أجرا من مثل يوم عرفة ويوم عاشوراء وأحيانا ستا من شوال. لست صوّاما بكل المعاني ولكن الأعجب من ذلك أن لك ضيفي الكريم عليّ سلطان لا يقاوم إذ أحفل بك أكثر من حفلي بالصلاة التي تغشاني خمس مرات في كل يوم وليلة. عساك عملت بهذه الحكمة العربية : زر غبا تزدد حبا. لست تواقا إلى الصوم ولكن صيام أيامك أنت أحب إليّ من كثير من العبادات. دعني أسرّ بشيء إلى القراء : عشت زهاء عام بل أزيد بقليل ماركسيا شيوعيا على الطريقة الكوبية لفيدال كاسترو في عامي 1972 و1973 ولم أكن أصلي مطلقا بل كنت أعد الدين ومعه اللسان العربي لا يصلح إن صلح إلا لمثل أبي عليه الرحمة فهو رجل أمي بالكامل. ولكني لم أتردد في إستقبالك ضيفي الحبيب وصيام أيامك وكانت في الجنوب التونسي شديدة الحرارة حتى إن الصائم عند الإفطار لا يزيد على ملء جوفه ماء باردا زلالا. أخبرني عن السر الذي أودعك إياه الله الذي أرسلك إليّ رسولا وضيفا. ذكرت هذا وأنا أغذ السير إلى السبعين غذا في هذه الأيام فعجبت لأمري : أنى لي أني لم أتردد في صيام أيامك وأنا ماركسي؟ سبحان الذي حقنك بهذا السلطان العجيب. كنت أفرح في السنوات الأولى بقرب رحيلك. في السنوات الأخيرة وكلما تقدمت في العمر يغمرني شعور حزين كلما إقترب موعد رحيلك

ضيفي الكريم

أعرف أنك تعيد ترتيب ملفاتك التي ستعتمدها يوم الحساب الأكبر لسان دفاع ونفاح عني أن ألج النار. ألم يخبرنا نبي الرحمة محمد عليه السلام أنك شفيع مشفع؟ بلى والله. أنت واحد من الذين يناضلون عن أصحابهم يوم تشهد عليهم ألصق الأعضاء بهم أي ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم. أعرف أنك تعيد ترتيب تلك الملفات لعلها تكون ملأى بما يجعل الحكم فيّ مخففا قدر الإمكان. وأعترف منذ الآن أني لم أضفك حق ضيافتك إذ غلبت عليّ شقوتي في كل مرة تعودني فيها فلا أقتحم عقبات تملأ تلك الملفات من مثل القيام والتهجد والتدبر في الكتاب المسطور ولا حتى في الكتاب المنظور ومن مثل الإنفاق. عدا أني صمت أيامك بفضل الله سبحانه إيمانا وإحتسابا وهو الأمل الذي حمله إلينا نبي الرحمة عليه السلام أن من فعل ذلك يغفر الله له ذنبه ما تقدم منه إلاّ أن يكون حقا لأدمي أو بهيمة. ليس لي ما أدل به عدا الأمل في رحمة الرحمان سبحانه. ألم يملأنا نبي الرحمة عليه السلام أملا إذ أخبرنا أن من أدرك رمضان ولم يغفر له فقد بعد؟ ألا يعني ذلك أنك موسم للعفو الرحماني العام فضلا من الله ونعمة؟

ضيفي الحبيب

دعني أخبرك عن الذي جعلني أحبك. أنت ضيف تغشاني مرة واحدة في السنة وبذلك فأنت خفيف الظل محبوب تظل الأفئدة ترقبك كمن يرقب عزيزا طال غيابه. أنت ضيف على غير عادة كل الضيوف إذ أنك تعطي لمضيفك ولا تأخذ منه شيئا. تعطيهم البركة في المال وتعطيهم الصبر على الجوع والعطش والنصب بل تعطيهم الصبر على ما يلقون من أذى الناس. تغرس فيهم حب الخير وإغاثة الجائع واللهفان وترقق أفئدتهم وترطب ألسنتهم لذكر الله ولم يكن فيهم مثل ذلك قبلك إلا قليلا. أنت ضيف يذعن لسلطانك حتى الفسقة والمردة والعصاة. ألم أخبرك قبل قليل أني صمت أيامك وأنا شاب في غمرة الجنون ويمّ العظمة الزائفة؟ شيوعي ماركسي وأصوم بلا تردد؟ ألا يعني ذلك أن جيلي ضيفي الحبيب كان جيلا آخر وقيما أخرى. أجل والله. أنت ضيف تبسط سلطانك على الأرض كلها لتعلن حالة الطوارئ العامة وأذكر أنا كنا في تلك الأيام ونحن نقارع النظام البوليسي الإرهابي لبورقيبة في تونس نستغل ساعة ما قبيل الإفطار لتوزيع المناشير إذ أن الناس كلهم في بيوتهم يرقبون ساعة الإفطار بفارغ الصبر. لا ترو هذا ضيفي العزيز لهذه الأجيال لأنهم لن يصدقوك. توزيع مناشير؟ أمر لا يمكن تصوره من أجيال الحياة الإفتراضية والهواتف الذكية التي تصل شرق الأرض بغربها في طرفة عين. لأجل ذلك أحبك ومن لا يحب ضيفا يعطي ولا يأخذ بل يعطي بسخاء من لا يخشى الفقر ومن دون أن يشعرك أنك صاحب اليد السفلى؟ لعلي أخطأت التعبير ولعله الأوفق أن أقول أني أنا ضيفك وأنت صاحب البيت وأظن أنها تلك هي الحقيقة

ضيفي الكريم

أعرف أنك ستعود لتملأ هذه الأرض عاما من بعد عام بالسرور والحبور والسخاء والكرم وأنك ستفرض شروطك ونظامك على الأرض كلها من الفجر حتى الغروب. أعرف ذلك وما يزيد في حزني أنه قد تجدني وقد لا تجدني. ألا ما أحرى الناس أن يقولوا لبعضهم بعضا : صوموا صيام مودع. كيف يكون صيام المودع؟ الله أعلم. ومما يزيدني لك حبا ضيفي الحبيب أنك تفرض على الناس كذلك تكافلا إجتماعيا إذ أنهم يحرصون كلهم على كفالة المحتاج في يوم العيد بزكاة الفطر وبذلك يلقاك الناس بالترحيب يرصدون الأهلة ويعنون بالزمان الذي يطحنهم صباح مساء ليل نهار وأكثرهم عن ذلك الطحن في غفلة سادرون. بل إنك تدفع كثيرين إلى تفطير الصائمين وتحبب الناس في لقاء بعضهم بعضا فيطيب لهم الإجتماع حول إفطار أو حول صلاة أو تهجد. أنت ضيف جئت لتجمع الناس من بعد فرقة ولتحبب إليهم فريضة التكافل وواجب التآخي. أنت ضيف تفرض على الناس سنة التهادي الذي يثمر التحابب وبذلك ترسم على شفاه الأطفال بسمات نضرات. كل ما فيك والله طيب وجميل وكل ما فيك لا علاقة له بالضيوف الذين عرفناهم

ضيفي الحبيب

أودعك بدموع ملأت المقل وأثقلت الجفون. كيف لا وقد ألقاك وقد لا ألقاك. بل كيف لا ولا تحلو لي عبادة خالصة عدا في أيامك الكريمة؟ أصلي ـ بل أصلي بالناس إماما ـ وشيطان الرياء يتقحمني من كل صوب وحدب وربما أنفقت وبمثل ذلك يهجم عليّ ذئب الرياء ليحبط العمل وبمثل ذلك أحج أو أعتمر أو أفعل أي عمل إلاّ معك أنت فورب العزة الأكرم لا سبيل لذلك الذئب الخبيث عليّ ولا سلطان لذلك الشيطان الأخرق عليّ. ألم يوفدك الله سبحانه لتحقنني بجرعات كافية من مصل الإخلاص لعله يكون لي رصيدا غير نافق لعام قابل؟ ألم ينتخبك الله سبحانه من بين كل العبادات والقربات وهي بالملايين المملينة على مد الأبصار ليجعلك خالصا له هو. وما بقي من قربات وعبادات لنا نحن؟ ( كل عمل إبن آدم له إلا الصوم فإنه لي). شرفت ضيفي الكريم إذ ما إصطفيت إلا لأنك تحمل شحنة الإخلاص التي بها يقاوم المرء ذئابا شرسا وشياطين مثلها. طوبى لك وألف ألف طوبى وطوبى لمن ملأ رصيده بماء الإخلاص الزلال لبنا صافيا نقيا يملأ أوعية الروح حبا لله وتضحية في سبيله سبحانه

ضيفي الكريم : بم أودعك وكيف؟

جعل النبي محمد عليه السلام وداعك دعاء ضارعا حارا يقده القلب بلسانه الخاص أن يتقبل الله صياما وقياما وصلاة وعملا صالحا وأن يجعلك لنا يوم العرض مناضلا شفيعا تقول : رب إني حرمته أكله وشربه ولذته وربما أظمأت نهاره وأسهرت ليله فشفعني فيه فتشفع فتشفع. طوبى لإمرئ إجتمع حوله شفعاء كثيرون أقوياء مأذون لهم في ذلك اليوم العصيب وخاصة شفيع القرآن الكريم وشفيع الصيام وفوقهم جميعا خير من صام وخير من تلا أي نبي الرحمة محمد عليه السلام. كما جعل عليه السلام وداعك بصيام ست من شوال وهي شهامة عربية معروفة إذ يودع الضيف عند أهل المروءة بالسير معه على طريق عودته لميل أو ميلين. لقد رأيت بعيني هاتين أبي عليه الرحمة كيف كان يودع أضيافه بل إن من تلك التقاليد أن يظل الضيف فوق دابته وأن أبي هو من يساعده على إمتطاء صهوتها ويصحبه هو راجلا لميل كامل بل أزيد وهو يحدثه ببشاشة وهشاشة بل يودعه بهدية هي بسيطة ولكن الهدية في رمزيتها وليس في قيمتها المادية. الآن وقد بلغت هذا المستوى من الحديث فإني باك حقا والله. هو ماض تليد لن يعود ولن تعود قيمه العظمى حتى إن المرء يخشى أن يحدث بها هؤلاء الأحداث لعلهم يرمونه بالخبل أو بالكذب. أودعك ضيفي العزيز والله وحده يعلم أن القلب حزين والفؤاد مترع ألما وكلي أمل أن تعود فتجدني لعلي أعانقك مرة أخرى وأفرح بفطري مرة أخرى فأطمع في فرحتي بصيام أيامك عند لقاء ربي. وداعا ضيفي وسلاما على من تلبث عندهم حتى يبعثك الله مبعثا جديدا بعد عام قمري آخر. وداعا ضيفي الكريم وأقرأ من تحل عندهم مني سلاما. وداعا أقول به ما قال يوسف لصاحبه : أذكرني عند ربك. أذكرني يا رمضان الأعظم عند ربي وربك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق