اراءاهم الاخباررأي رئيسي

في ذكرى خيبر : أيّ موقف من اليهود؟

في مثل هذه الأيام من شهر محرّم الحرام وفي إثر ( صلح الحديبية ) بأسابيع قليلة خرج ( عليه السلام ) بجيش إلى خيبر إذ فتحها بإذن الله سبحانه وصالح أهلها على جزء من خراج الأرض. لماذا خرج إلى خيبر؟ أي جرم إقترفه أهلها حتى يهاجمهم ويصالح أهلها على أرضهم؟ ألأنهم يهود فحسب أم لسبب آخر؟ أسئلة كبيرة تعيد بناء العلاقة مع الآخر المخالف في حالي السّلم والحرب ولا مناص منها لإعادة بناء الوعي الإسلاميّ الصحيح. عدا أنّ كثيرين من أهل العلم يزّاورن عن هذه المواضيع إذ يعدّونها حمراء قانية هي إلى المحرّمات أدنى وفي الأثناء يلجها الجهلى والمرضى معا ليلوّثوا الوعي

خيبر : معسكر حربيّ يلتقط ساعة الهجوم

لكم يرتبك بعض كتّاب السيرة إذ يعتذرون عنه ـ عليه السلام ـ قائلين أنه لم يعمد إلى مهاجمة أحد بل كان دوما يردّ العدوان عن نفسه إلاّ في خيبر إذ فتحها عنوة. والعنوة عند بعضهم تعني العدوان. الموثّق في التاريخ أنّ خيبر هي الملجأ الآمن الذي فرّ إليه أهل النضير أوّلا من بعد إجلائهم في إثر تدبيرهم مؤامرة لقتله عليه السلام بصخرة من فوق أحد حصونهم وهو الذي نزلت بمناسبته سورة الحشر المدنية. ثم لجأ إليها من بعد ذلك من بقي من بني قريظة من بعد إقترافهم الخيانة العظمى إذ نقضوا عهدهم معهم ( صحيفة المدينة التي وقّعوا عليها بأناملهم راضين ) متحالفين مع العدوّ الذي هو في حالة حصار شديد ( قريش وغطفان في الخندق الذي نزلت فيه سورة الأحزاب المدنية). خيبر إذن منذ سنوات هي وكر عسكريّ للخونة وهي على مسافة قريبة من المدينة ويمكن أن تكون منطلقا في أيّ وقت مناسب لهجوم لا يبقي ولا يذر. ورغم ذلك فإنه فاجأهم بحضوره وحصاره ـ عليه السلام ـ ولكنه أرسل إليهم عليّا عليه الرضوان رافعا الرّاية وداعيا إياهم إلى الإسلام أوّلا فظلّوا يفرّون من حصن لآخر كلّما سقط حصن تحصّنوا بالذي يليه فلم يقع قتال يذكر ورضخوا لمصالحة إقتصادية. هل في هذا أدنى ذرّة من قهر أو ظلم؟ كلاّ. إنما الحزم ـ بمثل ما يدرس اليوم طلبة العلوم العسكرية ـ في التحسّب لحرب إستباقية وقائية. وهل يلدغ العاقل مرّتين من جحر واحد؟ ألم يسبق لهؤلاء جميعا ( بني النضير وبني قريظة) أن دبّروا له مكيدة الإغتيال لولا أنّ جبريل عليه السلام كان أسرع بفضل ربّه من سقوط الصخرة التي تمحقه محقا عليه السلام؟ ألم يبادر إخوانهم ( بنو قريظة ) بإقتراف أعلى جرائم الخيانة الوطنية العظمى وفي حالة حرب مستعرة؟

الموقف الإسلاميّ من اليهود

هو موقف مركّب مزدوج ولذلك لا يستوعبه أصحاب الأكلات الجاهزة السريعة يطلبونها حتى في العلم والتاريخ. الجزء الأوّل من ذلك الموقف هو أنّ اليهود بشر ممّن خلق الله سبحانه لهم حقّ التكريم كما هو لكلّ إنسان وأنّ اليهودية دين سماويّ سالف ولكن وقع تحريفه كما وقع للنصرانية من بعده. وليس من الإسلام في شيء
صدّ أيّ إنسان يختار اليهودية دينا حتى لو كان مسلما ما لم يكن في حالة حرابة على معنى آية سورة المائدة. الجزء الثاني من الموقف هو أنّ الإسلام سحب المشروعية الدينية من اليهودية ومن كلّ دين سالف سواء كان سماويا أو مزعوما. إذ جاء بكتاب نسخ ما قبله وهيمن عليه. ولكنه مصدّق لما بين يديه أي في الجذر العقديّ. خلاصة الموقف هي إذن أنّ اليهودية وأتباعها لهم حقّ الحياة وتدبير أمرهم بما يريدون مكرّمين كغيرهم من الخليقة ولكنهم معدودون في نظر الإسلام والمسلمين كفّارا بمثل أنّ المسلمين في نظرهم هم مثل ذلك. ولا تستوي عقيدة إلاّ بمثل ذلك. عدا أنهم تأليفا لهم وإمعانا في الحرمة ظلّ يناديهم دوما أهل كتاب. وبذلك سلبهم المشروعية الدينية وليس أمام الناس جميعا في ظلّ هذه الفسيفساء الدينية عدا الجمع بين حياة خاصّة ترتّب بحسب أهل الدين أنفسهم بدون أيّ إكراه من أحد وبين حياة عامّة ترتّب بمثل ما رتّبها عليه السلام في الصحيفة أي تعايش مشترك وتعاون مشترك. تلك هي خلاصة ذلك الموقف وهو الذي يستقى بيسر من الكتاب نظريّا ومن السيرة عمليّا ومن الخلافة الراشدة وبعض الحقبات التي أمّنت ذلك الموقف بوفاء

الحالة الراهنة : إحتلال وقهر يستقوي بالنفوذ الدوليّ

الذين يخلطون في هذا الأمر عليهم أن يفيؤوا إلى ما أمرنا بالفيء إليه أي الكتاب والسنة لقوله سبحانه ( فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول). الذي فعله الرسول عليه السلام هو أنه عقد معهم الأمان والصلح والسلام في كتابه معهم وهو ما أسماه هو نفسه صحيفة المدينة. وظلّ الأمر كذلك حتى بادروا هم بالخيانة أي بنو قريظة الذين فرّوا متحصّنين مع بني النضير في خيبر. عندها فحسب قاتلهم ولم يقتلهم جزاء وفاقا بل فيه من الرّحمة واللطف ما لا يستوعبه الحوّل منّا نحن. ألم يكن بإمكانه أن يقتل رجال بني النضير إذ كشف أنهم يريدون إغتياله شرّ غيلة؟ ألم يكن معهم في منتهى الرّحمة إذ أجلاهم فحسب آخذين معهم ما يقدرون على حمله؟ وفي حالة بني قريظة : ألم يكن بإمكانه أن يقتل نساءهم وأبناءهم كما يفعل المنتصرون والفاتحون في كلّ زمان ومكان؟ ألم يكفّ أي كلمة نابية عن هؤلاء عملا بالقانون الصارم ( لا تزر وازرة وزر أخرى)؟ الحالة الراهنة هي إحتلال لوطن كامل. وهل الإحتلال إلاّ أبشع أنواع القهر والظلم والعدوان؟ لا. بل هو إحتلال عمره اليوم ثلاثة أرباع قرن كاملة. لا. بل هو إحتلال إستيطانيّ هدّمت فيه البيوت وأسقطت على أهلها وصودرت فيه الأملاك والأراضي وإقتيد المعترضون على ذلك بعشرات الآلاف إلى السجون حيث يقضي مع كلّ عام منهم طائفة في موت بطيء. وقبل ذلك هجّر عن الأرض مئات الآلاف يسيحون في أوربا وأمريكا وأستراليا وآسيا. حتى حرمة العبادة في المسجد الأقصى ـ الذي هو في ديننا ثالث الحرمين وأولى القبلتين ومسرى الحبيب عليه السلام ـ ليست مضمونة إلاّ تحت الحراب ولمن ولج الشيخوخة. أليست هذه هي المحرقة الحقيقية التي فاقت محرقة اليهود والمسلمين أنفسهم مرات ومرات في ألمانيا على يد هتلر؟ هذا الإحتلال من يمسكه اليوم؟ أليست هي القوى الدولية النافذة رغبا ورهبا؟ حتى القوانين التي إجترحتها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن نفسه إمّا تخرم بحقّ النقض الظالم أو يهال عليها تراب النسيان فلا يتحقّق منها شيء. نحن إذن إزاء مظلمة من النوع الأثقل في التاريخ. مظلمة دولية مرعية

حماقتان تقترفان منّا نحن

الحماقة الأولى هي ما تربّينا عليه ونحن صغار يافعون أنّ اليهودي يقتل لأنه يهوديّ فحسب. هذه حماقة مازالت تعشعش في رؤوس كثيرة ويغذيها التطرّف والغلوّ من لدن كثير من الشباب المتدين حديثا. الحماقة الأخرى التي تساويها شناعة هي حماقة كثير من الإعلاميين والأئمة والمثقفين منّا ممّن يعدّ الإحتلال حماية وأنّ فلسطين ملك مشاع وأنه لا حرمة حتى للمسجد الذي جاءت به سورة مكية كاملة هي سورة الإسراء. هؤلاء يستمطرون دموع التماسيح نفاقا ودجلا فيصوّرون أنّ اليهود الذين يحتلّون فلسطين ـ وكثير منهم لا علاقة لهم باليهود واليهودية أصلا ـ أنهم هم الضحايا المعتدى عليهم. لكم هو شنيع وفظيع وزر الأئمة الذين حقّت عليهم هذه اللعنة ( إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يعنهم الله ويلعنهم اللاّعنون ). ألم يكن يسعهم الصمت حتى وهو مخجل لمثلهم علما وفقها ومنزلة هي منزلة وراثة النبوة نفسها؟ قد يكون قول الحقّ في بعض الأحيان مكلفا ولا يتحمله الإنسان. ومن ذا رخّص الله سبحانه رحمة بالناس في لزوم الصمت حتى وهو مقرف في حقّ من يتصدر المجالس أيّام الرخاء. ولكنه سبحانه إذ أتاح لنا خياري قول الحقّ والصمت فإنه يغضب كلّ الغضب ويلعن كلّ اللعن عندما ينكص العالم على عقبيه ليقول الباطل

السؤال اللّغز : وأين يذهب الإسرائيليون؟

السؤال يطرح على من سيّرهم إلى فلسطين بحسبانها أرضا بلا شعب أي قادة مؤتمر بازل عام 1897 فإذا مات هؤلاء فإنّ السؤال يطرح على القوى الدولية النافذة التي تحميهم وتغدق عليهم من الأسلحة المحرّمة دوليا والأموال ما لو أنفق عشر معشاره في محاربة الفقر والمرض والجوع والأمية لأضحت الأرض جنة تجري من تحتها الأنهار. والسؤال الذي يسبقه عقلا هو : من يعوّض لمئات الآلاف من الفلسطينين الذين هجّروا وماتوا في الشتات ولمن بقي هناك صامدا بلا مأوى ولمن قتل بالرصاص الحيّ ولآلاف تنخر السجون هياكلهم العظمية؟ أيّ السؤالين أجدر بالطرح؟ إنما هو تفكير الحوّل منّا وعقل العوّر منهم. ورغم ذلك فإنّ العقلاء منّا ـ وبعد تسوية المظلمة الأولى ـ لا يمنعون أن يكون هؤلاء مواطنين مسالمين تحت ظلّ دولة فلسطينية مستقلة مثلهم مثل غيرهم والكلّ محكوم بهذا القانون ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا).هذا فرض نظريّ فحسب وإلاّ فإنّ العاقل الحصيف يسترد وطنه بالمقاومة. مقاومة التطبيع الذي يهرول إليه الجبناء والخونة في هذه الأيام النكدات النحسات علينا. كان يمكن لولا الدولة العربية التابعة المرتدة أن نكون في مرحلة المقاومة لطرد الإحتلال ولكن بفضل العبقريات العربية ننحطّ إلى سحيق مقاومة التطبيع وبذا يكون الإحتلال كأنه قدر مقدور إنما المشكلة في التطبيع معه وليس مقاومته. اليقين الذي ما ينبغي أن يفارق فؤاد مؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر هو أنّ الظلم حبله قصير ولكنّ الله سبحانه ما خلقنا إلاّ ليختبرنا إذ أنّ سلعة الله غالية وهي الجنة ولكنّ أشد الطعنات عليّ هي طعنة من يظلّ عقودا يعلّم الناس الدين وقيم الشهامة والكرامة والمروءة فإذا دقّت ساعة الجدّ كان هو أوّل الساقطين. اليقين عندي هو أنّ الأمة هي المستأمنة المستحفظة على قدسها ولولا المحن ـ محنة التطبيع الأخيرة ـ لتواصل إنطلاء الساقطين فينا لنستعذب صوت هذا مرتّلا للكتاب العزيز والعين قريرة بذاك الذي يدقّ أعواد المنابر خطيبا ومفتيا. ألم يقل الشاعر الحكيم : جزى الله الشدائد عني كل خير … عرفت بها العدوّ من الصديق؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق