اراءاهم الاخباررأي رئيسي

في ذكرى إجلاء بني النّضير : قراءة في الحدث وجني للعبرة

في مثل هذا الشّهر القمريّ (ربيع الأوّل) من العام الرّابع للهجرة أجلى عليه السّلام بني النّضير ـ أكبر وجود إسرائيليّ بالمدينة بعد بني قريظة ـ من المدينة بعد أن أمهلم شهرا كاملا. وكان ذلك ردّا على تدبيرهم لعملية إغتيال ضدّه إذ جاء يطالبهم بدفع نصيبهم في ديّة قتيل كما فعلت المكوّنات الأخرى المتكافلة على دستور المدينة ـ ومنهم بنو النّضير أنفسهم ـ والذي ينصّ على مثل هذا. أوهموه عليه السّلام أنّهم بصدد تجهيز نصيبهم بينما كان هو ينظرهم في ظلّ بعض حصونهم. وفي الأثناء كلّفوا بعضهم ليصعد فوق ذلك الحصن الشّاهق ويسلّط عليه ـ عليه السّلام ـ صخرة من فوقه تسحقه سحقا وبذلك يتخلّصون منه ومن الديّة المترتّبة عليهم. عدا أنّ الله سبحانه كلّف جبريل بأن يخبره عليه السّلام بالأمر الذي ظنّوا أنّ كتمانه بينهم كفيل بمحق محمّد عليه السّلام محقا. قام من مكانه عليه السّلام وأخبرهم بخيانتهم الشّنيعة وأمهلهم شهرا كاملا ليخلوا حصونهم إلاّ ما حملت نوقهم وبهمهم ويغربوا عن وجهه من المدينة إذ لم يعد يؤمن منهم جانب وفي ذلك نزلت سورة الحشر المدنية فهي بحقّ سورة بني النّضير

محمّد عليه السّلام بين العدل والفضل

أجمعت شرائع السّماء والأرض كلّها على أنّ أعدل جزاء للخائن الغدّار هو القتل خاصّة إذا كان ذلك الغدّار قد خطّط لقتل غيره غيلة. لا خلاف على هذا لا في الغابر ولا في الحاضر إذ أجمعت تلك الشّرائع على هذه القاعدة القضائية الجزائية : الجزاء من جنس العمل. لو لزم العدل عليه السّلام معهم لقتلهم أي كبراءهم الذين خطّطوا لهذا الإغتيال الجبان الغادر الذي لا يقدم عليه إلاّ ميؤوس منه. ولكنّه لم يلزم معهم العدل عليه السّلام إنّما عاملهم بالفضل إذ عاقبهم بالإجلاء فحسب. والحقيقة أنّ عقوبة الإجلاء عائدها أمنا على أهل المدينة كلّهم سيما من غير الإسرائيليين إذ أنّ من ثبتت عليهم تهمة الخيانة والغدر لا يستأمن ولا يؤمن النّاس شره إذ هو مثل السّرطان الذي إمّا أن يجتثّ من منابته الأولى في المدّة الأولى لظهوره أو أنّه ماض ليهلك ويفسد ويشيع الألم والمرض في كلّ أنحاء الجسم. فما بالك إذا كان موضوع الإغتيال الرّخيص هنا نبيّ يوحى إليه من النّاحية الدينية. بل هو من النّاحية العملية رئيس الدّولة الذي يكفل مضاء ذلك الدّستور السّياسيّ التّوافقيّ الذي وقّعت عليه كلّ العائلات القاطنة بالمدينة قبل ذلك ومنهم بنو النّضير لا مكرهين بل مختارين. أيّ جزاء لمن يخطّط لإغتيال نبيّ؟ وأيّ جزاء لمن يخطّط لإغتيال رئيس دولة هو رمز ذلك الدّستور وتلك الدّولة الجديدة النّاشئة؟ أيّ جزاء لمن قابل حسنة محمّد عليه السّلام بسيّئة تنفر منها حتّى الكواسر والجوارح؟ كانت حسنة محمّد عليه السّلام هي إشراك بني النّضير وغيرهم من غير المسلمين في كتابة دستور الدّولة الجديدة وإشاعة الأمن فيها وإيكال كلّ عائلة دينية أو فكرية لمعتصمهم العقديّ يعالجونه كما يريدون. وكان هو بنفسه عليه السّلام يرعى ذلك بمقتضى دينه وبمقتضى الدّستور ويحميه. قابلت بنو النّضير تلك الحسنة التي لا يحلمون بها في ظلّ أيّ دين ولا حتّى شريعة أرضية بالتّخطيط لقتله غيلة وبطريقة وحشية. ولك أن تتصوّر أنّ نبيّا يبثّ الرّحمة والعدل مثل محمّد عليه السّلام يسحق بصخرة عاتية تنهال عليه من فوق حصن شاهق. ذلك هو معنى أنّه عليه السّلام لم ينتقم لنفسه ـ ولو فعل لكان معه ألف ألف حقّ ـ وإنّما عاملهم بفضله الذي هو من فضل ربّه سبحانه. وقديما قالت العرب: كلّ إناء بما فيه يرشح

من فضله كذلك : إمهالهم شهرا كاملا

أيّ خلق هذا الذي يحمل صاحبه الذي نجا للتّوّ من محاولة إغتيال رخيصة غادرة على إمهال عدوّه شهرا كاملا حتّى يجلى؟ أمهلهم شهرا كاملا رحمة بهم وتيسيرا عليهم لعلّ غائبهم يعود ومريضهم يشفى وحتّى يدبّرون ما سيأخذون معه وماذا سيتركون وحتّى يجهّزوا وسائل نقل لهم ولبضاعتهم. كان يمكن له أن يقتلهم جزاء وفاقا فما فعل. وكان يمكن له أن يجليهم فورا فما فعل. وكان يمكنه كذلك أن يمنعهم من حمل إبرة واحدة معهم فما فعل. كلّ ذلك إمعانا في الفضل وليس إعمالا للعدل. ماذا لو حقّقوا حلمهم بقتل نبيّ أو بإغتيال الرّجل الضّامن لعلوية القانون الذي وقّعوا عليه بأناملهم القذرة؟ هل كانوا يبقون على حيّ واحد في المدينة؟ كانوا سيفعلون بأهلها ـ عدا أوليائهم من شياطين الإنس ـ ما فعله فرعون بأسلافهم من الإسرائيليين في مصر قبل ذلك

عندما يكون الإفساد ضرورة

خرج بنو النّضير من المدينة صاغرين يخربون بيوتهم بأيديهم نكاية أن يرثها المسلمون. وفي الآن نفسه أذن الله سبحانه لنبيّه إمعانا في خزيهم بقطع بعض نخلهم على مرأى منهم. المقصد الأسنى من كلّ ذلك هو إحلال العذاب النّفسيّ بهم نكالا على جريمة الإغتيال وإثم الغدر وفاحشة الخيانة. ولعلّهم يفيؤون إلى رشدهم ولو بعد أمد بعيد أنّ الدّنيا التي حملتهم على الضّن بجزء صغير من ديّة قتيل ـ كان يمكن لهم أداؤه حقّا محقوقا وفاء لعقد المواطنة ـ تتهاوى الآن أمام أنظارهم ولا يملكون لها شيئا. ذلك هو مصير كلّ من يعبد الدّنيا ويشيّدها على أنقاض حرمات النّاس وعذاباتهم. بمثل ذلك جرى في زمن آخر أن تعقر جياد العدوّ فيجرّه ذلك إلى الهزيمة أو الإستسلام من بعد فقد وسائل النّقل التي تساعده على إدارة المعركة ونقل العتاد والمقاتلين. كلّ ذلك الأصل فيه الحرمة سواء تعلّق الأمر بشجرة الأرض أو بالبهيمة. ولكن للحرب قوانين أخرى تخضيدا لشوكة عدوّ مقاتل لو تمكّن من النّاس لنكّل بهم كلّ التّنكيل. وهو قريب من السّبب المباشر لواقعة بدر العظمى إذ أنّه عليه السّلام أراد قطع الطّريق التّجارية لقريش في إتّجاه الشّام وإستعادة بعض من أموال أصحابه المهجّرين بغير حقّ من مكّة تاركين مساكنهم وما يملكون هناك. الغاية من هذا هو أنّ الأحكام ـ بصفة عامّة ـ لا تتأطّر ضمن أطرها الصّحيحة حتّى تؤصّل في سياقاتها. مثلها مثل الكلام الذي لا يعني شيئا عندما يجتزأ أو يبتسر. ومع كلّ هذا الذي وقع هلاكا وفسادا في النّخيل والحصون فإنّ الإسلام رعى خلقه العظيم أنّه لم يرق قطرة دم واحدة من خائن واحد من خونة بني النّضير . وعندما يقدم الغدّار على محاولة إغتيال محكمة ـ لولا أنّ الله سبحانه نجّى نبيّه عليه السّلام ـ ثمّ تحفظ كرامته البدنية ولا ينال منها شيء وإنّما تكون عقوبته في بعض ماله ـ وليس حتّى في كلّ ماله ـ فإنّ هذا هو فضل الإسلام وفضلّ النّبوّة وخلق المسلمين

لم لم يلحق مثل هذا بمشركي مكّة؟

ليس لأنّهم عرب أو أرحام له عليه السّلام. وليس لأنّ كفرهم أهون كفرا من كفر أهل الكتاب. لا هذا ولا ذاك. ولكن لأنّهم كفروا به وعارضوه وأخرجوه وقاتلوه وقتلوا منه ونالوا الذي نالوا من دون أيّ بادرة خيانة ولا غدر. ولم يتعرّض عليه السّلام ـ ولا أحد من أصحابه ـ إلى محاولة إغتيال عربية واحدة وهو بينهم يدعو لأزيد من عقد كامل. تلك هي شهامة العرب التي قدّرها الإسلام. وليس أبغض للإسلام من آثام الخيانة والغدر والغيلة التي أشربت بها صدور بني إسرائيل في كلّ زمان وفي كلّ مكان ولذلك كان أسوأ خلق يبغضه الإسلام هو خلق الكذب وخلق النّفاق. ذلك هو الفرق الشّاسع والبون الكبير بين شهامة العرب وهم كفّار وبين نفاق بني إسرائيل وهم أهل كتاب أي أدنى الكفّار إلى المسلمين في الأصل

السّؤال الأخير : لم ثبّت الله هذا في كتاب خالد؟

تلك هي حكمة القصّة القرآنية التي تمضي أحداثها وتظلّ عبرها قائمة يفيد منها أولو الألباب إلى يوم القيامة. ثبّت الله هذا حتّى يعلّمنا أنّ سلالة بني النّضير ـ ومثلهم بنو قريظة وغيرهم ـ هي ذاتها. تظلّ ماردة على خلق الخيانة وإثم الغدر بذلك اليسر ذاته الذي به يجري الدّم في العروق. هي سجية يتوارثونها جيلا من بعد جيل. عدا أنّ خلق النّفاق الذي أشربوه كما أشربوا العجل من قبل يستخدم منهم بمثل ما تستخدم التّقية خديعة للطّرف المقابل. تماما مثل الحيّة. ملساء الجلد وفي أحشائها السّمّ الزّعاف والموت الزّؤام. فهل نعتبر ؟ أم تنطلي علينا خديعات عجيبات؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى