أخباراراءرأي رئيسي

في أوجاع الأوطان

بعد الرحيل القسري المادي والمعنوي، بدأ الجميع في اكتشاف الذوات من جديد. وانكشف المستور أمام الوطن، وبدأ الدرس السياسي القاسي على الوطن. فهل يبتدأ بإعادة بناء الوطن من جديد؟، وبناء الوطن لن يعبر إلى الضفة الأخرى، إلا إذا تحرّرت النفس واستوعبت أنها متناقضة باطنا وظاهرا، وعليها بقبول صورتها المنعكسة على مرآة الواقع، إذا أرادت البناء.
ولكن كل ذات حزبية تدّعي أنها هي الأنقى، والأفضل، والأقدر، والأقوى، والأصلح.. وتنعت غيرها من الذوات الحزبية الأخرى بالأوصاف المضادة. وتُصيب الحيرة “قليلي الفهم” و “قليلي الممارسة” و “البعيد” عن السياسة، ويعسر عليه الوصف والتصنيف. وذلك من ألاعيب السياسة، إلا أن المشهد سريعا ما ينقلب. وإذا ألمّ بالوطن خطب، يدعو الجميع إلى التداعي والتنافس حبّا فيه، وعملا على رقيّه وتنميته وحفاظا على وحدته وحريّته واستقلال قراره- ودون ذلك اكراهات- ينكشف المستور وتتعرّى “الحزبية العمياء”، لتنفضح في صورة “التكالب” على “الفتات” والصراع على “المكاسب” الحزبية، وتوقّيا من “أضغاث الأحلام” و “أقدار الاستبداد”.. ليتحوّل الأنقى والأفضل والأصلح والأقدر والأقوى إلى الأسلم.. والأسلم عندهم هو ما يَسلَم به الحزب وما يجنيه من تموقع. أما الوطن فهو نقيض الحزبية العمياء، وإذا رأيتهما معا، فذلك شبيه الوطن وليس الوطن!!
دخلنا حالة “جلد الذات”، ومع هذه الحالة ستتطاول فيها الألسن، وستُستدعى فيها مدونة السب والشتيمة، وستُزرع المزيد من بذور الانقسامات، وستشتعل النعرات الجهوية.. وستتعرّى فيها “العقلية” كما لم تتعر من قبل.. وسيعرف الجميع حجم الجرائم التي اقترفت في حق الوطن .. وحينها سندرك حجم ما اقترفته المراحل السابقة من جرائم في الثقافة والتعليم والاعلام والفن والتديّن والاقتصاد والسياسة.. وهي مرحلة ضرورية من أجل استعادة الأمل وامتلاك أدوات التغيير الذي ننشده جميعا..
من سينظر إلى الأمام، سيسعفه نظره للمضي ومواصلة المشوار. أما من سيأسر نفسه بالنظر إلى الوراء سيرتدّ بصره حسيرا ولن يقوى على المسير.. وما تزال تونس في انتظار عشّاقها..
والجميع ينشدّ إلى التوسّط، والتوسّط بناء وتشذيب وتهذيب، لا تبلغه المجتمعات إلا بعد تموّجات عديدة من الركود إلى الفوضى ومن الفوضى إلى الركود ليرسي المركب أخيرا في الموقع الوسط الذي يجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الحقوق والواجبات وبين الطفرة والقطرة..
وتنطلق معركة بناء الجمال والجمالية، و “الجمالية في الدّين، لا تدرك من ألفاظ بعينها في الشرع فحسب، بل هي مفهوم مبثوث في أصول الدّين وفروعه، إنها تؤخذ من معاني الخير، والتخلّق، والتجمّل، والتزيّن، والإحسان، ونحو هذا من معاني الجمال المبثوثة في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، مما من شأنه أن ينتج شعورا بالجمال عند ممارسة الدّين، و لدى الانخراط في الإبداع تحت ظلاله الوارفة.. ولن يكون التديّن – من حيث هو حركة في النفس والمجتمع – جميلا إلا إذا جَمُلَ باطنُه وظاهرُه على السواء..”
ويتواصل بناء الذوق، ويستجمع الوطن قوى الثقافة والفن والدّين لترسم معالم الذوق السليم، الذي حدّده جلال الدين السيوطي، بأن صاحب الذوق السليم يجب أن يكون: “مزاجه مستقيم، طبعه وزّان، وفيه أنواع الإنسان، يتخذ التواضع سنّة، والعطاء من غير منّة، والعفو عند المقدرة، والتغفّل عن المَعيّرة، لا يزدري فقير، ولا يتعاظم بأمير، لا ينهر سائل، ولا هو عما لا يعنيه سائل، كريم طروب، قليل العيوب، كثير المزاح، جميع خصائله ملاح، منادمته آلف من الراح، صاحب الأصحاب، حبيب الأحباب، ليس بكثيف، مكمل الذات، مليح الصفات ليس بقتّات، يواسيك ويسلّيك، ويتوجّع إليك، ويعظك ويتحفك بعلمه وماله، ولا يحوجك إلى سؤاله، ينظر إلى المضطر بعين الفراسة، ويواسيه بكياسة، رجل همّام والسلام “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق