اراءاهم الاخباررأي رئيسي

فقه المسافات

 

عن فقه المسافات نتحدث، عن هذه الدوائر الخفية
المتتالية التي تحيط بذواتنا و قلوبنا و أسرارنا و قد نعرف البعض منها و نجهل الكثير..
ما هو نطاق راحتك و سعادتك و إرتياحك الذي تفضل أن لا يخترقه أحد؟؟؟
ما هي مسافات الأمان و الإطمئنان التي تفضّل ان تتركها بينك و بين أصدقائك و أقاربك بل حتى مع زوجتك و والديك و أولادك و هم أعزّ الناس إليك ؟؟؟
ماهو فضاء خصوصيتك الذي تعتبره صندوقك الأسود الذي لا تقبل أن يلمس أو تفتش مقتنياته أحد؟؟؟
هل هذه المسافات ثابتة أو متغيرة؟؟؟ هل هذه الدوائر تتسع و تتقلص حسب الشخص و حسب الضروف؟؟؟ أم أنها ثابتة صلبة لا تتحول و لا تتبدل؟؟؟
ثمّ ما هو معيارك في ضبط المسافات بينك و بين الناس؟؟؟ و هل صدمت مرة أنك أفسحت لشخص، ما كان عليك أن تقربه منك أكثر أو تفاجأت بكسره كل الدوائر والأقفال؟؟ ؟؟
بسطت سجادة الصلاة في المسجد و نحن في عزّ جائحة كورونا… و قرأت لصقا مثبتا على السجادة إستفز فكري ووجداني : ” حافظ على مسافات الأمان!!!”
أي أترك بينك و بين الناس مسافة أمان كافية لكي تسلم من العدوى!!!
تحدثت في مقال سابق، عن أهمية فهم الذات و معرفة
نطاق راحتها، و خصوصيتها قبل فهم الآخرين و فهم خصوصيتهم ، و أن لكل واحد منا صندوق أسود من الذكريات و النزوات و الأحزان و الأمنيات، يفضل أن تخلد للظل و لا تظهر للعيان، هذا العقل الباطن أو أرشيف ذاكرتنا المكبوتة… التي لا نسمح لها بالإفصاح لكنها تفصح بطريقتها من حيث لا ندري… في ساعات الصدمة او الحزن او السعادة… و تتنفس كالبركان و تلقي حممها دون سابق إنذار، و ما إن نعود لوعينا لنسيطر عليها و نرجعها للصندوق الاسود و نحّكم الإغلاق
سمّاها التعبير القرآني يوم القيامة ب ” يوم تبلى السرائر”.
هذه السرائر… نريد لها أن لا تتداخل أو تتقاطع أو تتكشف أمام أحد، و نريد حفظها بمسافة أمان كافية تجنبا لإستغلالها ضدّنا.
من المسافات الاخرى التي علينا ضبطها هي المسافات بيننا و بين من نحب!!!
من الأم و الأب و الزوجة و الإبن و الإبنة و الاخوة و الأخوات…. كلما أهملت المسافة هددت العلاقة بالخسران، و هذا هو سبب الرئيس في الطلاق و قطع الارحام و عقوق الوالدين ووخراب الديار …. لأن لكل إنسان صندوقا أسودا و خصوصية حباه الله إياها، يحتاج العيش فيها في لحظات التعب أو أوقات الحزن و الإجهاد، فلا تقحم نفسك في هذه الاوقات، و حافظ على مسافات… لا تجعل من تحبّ بعيدا فتنعدم رؤيته و فهمه و لا لصيقا فيذوب فيك و تعجز عن فهمه!!!!
سبحان الله… ففي البصريات كلما إقترب الشيء و إلتصق بالعين تنعدم رؤيته بل قد يعمي العين… و كلما إبتعد كثيرا صعب لمحه و معرفة ما يحب و ما يكره.
كذلك في العلاقات الإنسانية، و في علاقتنا بمن نحب، لا تكسر دوائر خصوصيتهم و لا تخترق نطاق راحتهم إجعلهم كجذوة النار التي بُعدها صقيع و قربها حريق.
هذا عن أهل المحبة و الوداد، فماذا عن من لا نعرف؟؟ ماذا عن أناس فيهم الخير و الشر و الصلاح و الفساد ؟؟؟
هنا عليك أن ترسم نمط علاقتك و مساحات فناءك بما يناسبك ، بذل المعروف و بشاشة الوجه و الحرص على فهم كل إنسان تخالطه هذا هو أساس العلاقة، و بعد فهمنا للناس ندرك أن لكل إنسان خلطة خاصة به و نسيج معقد من المشاعر و الاحاسيس و الافكار و الشهوات و الرغبات ، و لكن شخص كيان و خريطة تحرك و مسافات و أبعاد لابد ان توضع حسب الابعاد التي يملكها هو ، فلا تقرّب نافرا و لا تنفر ساعيا و لا تجافي من يظهر الودّ و لا تضيّع الورد تحت أقدام المجافي…
إنها هندسة العلاقة الإنسانية و فنون التواصل و إدارة العلاقات ، و على العاقل أن يضبط قياساته و أبعاد علاقته مع كل إنسان كان قريبا او من الأبعدين ، و يحسن رسم دوائر التقاطع في علاقاته و المناطق الرمادية و خطوط التماس و مناطق الظلّ و دوائر الضوء.
فكلما حفظت المسافات سلمت العلاقات … هذا عن العلاقات مع الخلائق، وحدها العلاقة ما الخالق عزّ وجلّ، التي وصفها سبحانه وتعالى بقوله :” و نحن أقرب إليه من حبل الوريد ”
أخرج الناس من قلبك، حافظ على المسافات معهم، و زدّ قربا و حبّا و تفكرا بعلاقتك مع خالقك سبحانه تنل السعادة الأبدية.
(صورة لاصق على سجادة الصلاة كتب عليها حافظ على مسافات الأمان)
س. ب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق