اراءرأي رئيسي

فقه العدد في الشّريعة الإسلاميّة

حدود لغويّة

العدد ـ بضمّ العين ـ جمع عدّة ـ بكسر العين. وهي عدد الأيّام التي تلزمها المرأة متربّصة بنفسها فلا تنكح فيها. وهي نسبة إلى العدد الذي يمكن عدّه وضبطه فهو معلوم معروف. قال سبحانه في قضاء رمضان (فعدّة من أيّام أخر). أي فصيام لعدد من الأيّام الأخرى في زمان قابل بمثل عدد الأيّام التي وقع الإفطار فيها. وقال في موضع آخر (إنّ عدّة الشّهور). ومنها كلمة العدّة ـ بضمّ العين ـ وهي ما يعدّ من وسائل تجهّزا للقيام بشيء. قال فيها سبحانه (ولو أرادو الخروج لأعدّوا له عدّة). العدّة ـ بكسر العين ـ من فعل : عدّ المجرّد وإعتدّ المزيد. والعدّة ـ بضمّ العين ـ من فعل : أعدّ. أيّ علاقة بينهما؟ هي علاقة الضّبط والحزم والدّقّة والتجّهز بالعلم والمعرفة. فلا مناص لأيّ معدود من الأشياء والأمور من علم ومعرفة وضبط ودقّة لقوله سبحانه (وأحصوا العدّة). أي إضبطوها ضبطا دقيقا. ولا مناص لأيّ معدّ من الأشياء والأمور من حزم مثله وضبط مثله حتى يكون متكافئا مع المعركة المراد خوضها

أنواع العدد والتّربّصات

عدّة اليائسة من المحيض والتي لم تحض بعد

تشترك اليائسة من المحيض والتي لم تحض بعد في عدّة واحدة قدرها ثلاثة أشهر قمرية لقوله سبحانه في سورة الطّلاق المدنيّة (واللاّئي يئسن من المحيض من نسائكم إن إرتبم فعدّتهن ثلاثة أشهر واللاّئي لم يحضن). حكمة الإشتراك في العدّة هي الإشتراك في عدم حصول الحيض حتّى لو إختلف السّبب. كما إرتبط زمن العدّة هنا بالشهّر القمريّ وليس بالقرء ـ كما سيأتي في نوع آخر من العدد ـ بسبب تخلّف علامة الحيض. إذ الحديث هنا عن التي يئست منه لأيّ سبب ـ مرض أو كبر ـ وعن التي لم يغشها الحيض بعد. ولكنّ المدّة الزمنية هي نفسها. إذ أنّ المعتدّة التي تحيض تعتدّ ثلاثة قروء. وهي ثلاثة أشهر قمرية في الحالات العادية. حتى مع الأخذ بعين الإعتبار إختلاف العلماء في معنى القرء. هل هو زمن الحيض أو زمن الطّهر الذي ليس فيه إتّصال جنسيّ أو مسيس بلسانهم هم

عدّة المطلّقة التي تحيض

إرتبطت العدّة هنا بالقرء بسبب وجود الحيض ومن بعد الحيض لا مناص من طهر. قال سبحانه في هذه العدّة في سورة البقرة (والمطلّقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء). عبّر هنا بالتّربّص ولم يأت بكلمة العدّة. وإشترك هذا الضّرب من العدّة في قيمة التّربّص مع عدّة المتوفّى عنها زوجها. ونأتي إليه إن شاء الله. التّربّص فعل يقوم به الفاعل بنفسه لنفسه. فهو متفعّل لتربّصه. ولا يقوم به نيابة عنه أو له عداه. التّربّص معناه الإنتظار والرّصد. مثل العدوّ الذي يتربّص بعدوّه. فهو ينتظر منه غفلة. وهو يرصده يوما بيوم. وهو يرصد له إرصادا ليوقعه. المطلّقة تتربّص بنفسها ـ وليس معناه بطبيعة الحال أنّها ترصد نفسها لتوقع نفسها ـ بمعنى أنّها هي من تتولّى هذا الفعل ولا يوقعه عليها أحد. إذ هي مكلفّة من الله سبحانه بلزوم زمن العدّة فلا تتزوّج. هي هنا لا تتزوّج لأنّها مازالت زوجا لزوجها الذي طلّقها. التّربّص بنفسها هنا معناه أنّها تنتظر إمّا عودة لزوجها قبل إنتهاء العدّة أو زواجا بآخر إن رضيت بذلك. هي تتربّص

بنفسها لأنّها ترصد الأيّام واللّيالي وتحصيها إحصاء حتّى لا يضيع حقّها. ولا تظلّ معلّقة. فلا هي زوج ولا هي مسرّحة. تنكح من تشاء إن شاءت نكاحا جديدا. لم يذكر التّربّص في شأن التي يئست من المحيض أو التي لم تحض بعد بسبب أنّ اليائسة من المحيض لا تنتظر زواجا في العادة ـ والحكم مناطه العادة وليس الإستثناء ـ ومثلها التي لم تحض بعد سواء بسبب مرض فهي مثلها في عدم الإنتظار أو بسبب صغر سنّ أو تأخّر حيض. إنّما وقع التّشديد في المطلّقة التي تحيض حتّى لا يضيع حقّها عضلا وضرارا

عدّة الحامل

عدّة الحامل المذكورة في القرآن الكريم هي وضع الحمل لقوله سبحانه في سورة الطّلاق التي تضمّنت أكثر أنواع العدد (وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ). وجاء الإجتهاد الفقهيّ بما أسمي : أدنى الأجلين. أي إذا طلّقت المرأة الحامل في بداية أسابيع حملها. فهل تعدّ مطلّقة بالكامل حتّى تستوفي الأجل البعيد هنا. أي وضع الحمل الذي يكون شهورا؟ أو تقاس على المطلّقة التي تحيض؟ أي تعتدّ بثلاثة قروء ـ حيضا أو طهرا ـ ومن ذا تنفكّ عن عدّتها قبل وضع حملها بشهور؟ إختلف الفقهاء في الأمر شأنهم في مثل هذا. وليس غرضنا هنا إختلافهم

عدّة المطلّقة غير المدخول بها

إختصّت سورة الأحزاب المدنيّة بعدّة المطلّقة غير المدخول بها وذلك في قوله سبحانه (يا أيّها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثمّ طلّقتموهن من قبل أن تمسّوهن فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدّونها). إذ لا عدّة هنا البتّة. وتكاد تكون هذه الآية هي الوحيدة التي جاءت بحكمة العدّة. إضافة إلى سورة الطّلاق التي جاءت بمثل ذلك في قوله سبحانه : لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا

عدّة المتوفّى عنها زوجها

قال سبحانه في سورة البقرة (والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجا يتربّصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا). وهي أطول عدّة

الحكمة من الإعتداد والتّربص

كما أنف ذكره فإنّ آيتي الأحزاب والطّلاق هي الآيات التي ذكرت لنا الحكمة من العدّة والتّربّص. الحكمة من إعتداد المرأة سواء كانت مطلّقة أو متوفّى عنها هي رعاية الإرتباط الزّوجيّ القديم أو الرّاهن. وهو إرتباط يختلف من عدّة لأخرى. إذ يكون ذلك الإرتباط مرعيّا رعاية عاطفية في حالة المتوفّى عنها زوجها. العادات العربية السّيئة تنيط ذلك بالحزن على الزّوج المتوفّى. ذلك حنين جاهليّ عربيّ معروف. القول الصّحيح هو وفاء لإرتباط تلك المرأة بأصهارها من زوجها. إذ أنّ الإسلام يسعى دوما إلى رصّ الصّفوف. ولا يليق بصفّ حقّه الرّصّ أن تنكح المرأة المتوفّى عنها زوجها وأصهارها مازالوا يتجرّعون الحزن حتى لو كانت في خصام مع زوجها. أو كانت لا تحبّه أو غير ذلك. حزنها لا تأمر به الشّريعة. لأنّه غريزة. والشّريعة لا تأمر بالغرائز والعواطف. ولكن لا مناص من رعاية أهل الزّوج. وقد يكون بعضهم من أصحاب الفضل على تلك المرأة ذاتها. فإذا نكحت المتوفّى عنها زوجها سريعا ـ بحسب العرف طبعا فلا إخسار ولا طغيان ـ فإنّ صفّ المسلمين آئل إلى التّمزّق. كما أنّ الحكمة هنا هي أن تتربّص بنفسها. وقد ورد فعل التّربّص نفسه تفكيرا ونظرا وتقليبا للأمر. هل تنكح من جديد أو لا تنكح؟ وإذا نكحت من تنكح؟ كلّ تفكير في ذلك في الصّدور لا حرج فيه لقوله سبحانه في سورة البقرة ذاتها (ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النّساء أو أكننتم في أنفسكم). ورفع الجناح يشمل الرّجال والنّساء معا. عدا أنّ العادة جرت أن يخطب الرّجل المرأة. وأنّه ربّما يذكرها زوجا يرجوها لنفسها أكثر من ذكرها هي له زوجا تأمله. سنّة الله في خلقه سبحانه. حكمة العدد إذن والتّربصّات تنسحب بالكلّية على المتوفّى عنها زوجها. إذ الحكمة هنا هي رعاية وضع قديم. ولا وجود لوضع قديم للمطلّقة غير المدخول بها. ولذلك أعفيت من العدّة بالكامل. والحكمة ذاتها تنسحب على كلّ ضروب العدد الأخرى. تلك هي الحكمة : أي رعاية وضع قديم ليس بمعنى الحزن. ولكن بمعنى عدم الإساءة إلى ذلك الوضع القديم. ولا يعني ذلك حرمانا من إستشراف وضع جديد. يرعى ذلك الوضع القديم رعاية للحكمة العامّة في شأن اليائسة من المحيض وفي شأن التي لم تحض بعد وفي شأن المطلّقة التي تحيض ولمدّة ثلاثة شهور قمريّة كاملات. إذ لعلّ الوضع القديم ينصلح ويعود. ولذلك قال سبحانه حكمة جزئية هنا في سورة الطّلاق (لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمرا). إحداث الله أمرا ـ وهو أمر عودة من بعد خلاف ـ هو حكمة جزئية من الحكمة الكبرى العامّة وهي حكمة رعاية وضع قديم قبل مفارقته بالكلّية وقبل تأسيس وضع جديد. أليس ذلك هو معنى التّربّص في اللّسان العربيّ؟ أجل. تربّص معناها إنتظر وفكّر ولبث ورصد وقلّب الأمر ولم يستعجله وأعدّ له عدّته. ذلك أنّ أمر الأسرة أمر مقدّس في الإسلام تقديسا حقيقيّا. ومن ذا أحيط من كلّ جوانبه بآلات التّفكير والتّدبير والتّقليب والتّربّص فلا يظلم أحد الزوجين. ولا يختار أيّ منهما طريقا جديدا حتى يستنفد كلّ مجالات الإصلاح. ومن ذا كانت عدّة المتوفّى عنها زوجها هي الأطول بسبب أنّ الحياة الجديدة لا مناص منها. لأنّ الزّوج مات. وذلك يعني أنّ الأرملة بحاجة إلى تفكير طويل وتدبير عميق لتقرّر بعد ذلك هل تظلّ بلا زوج أو تتزوّج. وهذا يتطلّب وقتا أطول من العدد الأخرى. أمّا قصّة الحزن على زوج فهي من عاهات العقل العربيّ الجاهليّ الأوّل الذي لم يتحرّر بالكلّية بالإسلام. وليس ذلك يعني إنتفاء الحزن. إذ حزن عليه السّلام على عمّه وهو مشرك أبى الإسلام. ويحزن المرء على قطّة قضت وكلب. فكيف لا يحزن على زوج؟ ولكنّ الإسلام لا يشرّع للغرائز. إنّما يحقننا الله سبحانه بها حقنا فهو تشريع غريزيّ كما يسمّى بحقّ

جاهلية عربيّة حيّة : عدّة الأرملة

لم يكن غرضي بادئ ذي بدء الحديث عن العدد كلّها. إنّما كان غرضي الأوّل هو الحديث عن عدّة المتوفّى عنها زوجها. أي الأرملة. وذلك بسبب جاهليات عربيّة مازالت تغمر حياتنا الدينيّة بسخاء لئيم. لست مجازفا أبدا البتّة حبّة خردل لو كتبت هنا الآن أنّ حياتنا الدينيّة علاقة بعدّة الأرملة لا علاقة لها بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد. بل هي من طينة الجاهلية العربيّة الأولى سوداء كالحة قاحلة. أنظر بنفسك ما الذي يفرض على أيّ أرملة في أيّ بلاد عربيّة أو إسلاميّة في القرون الأخيرة حتى تقف على الأمر بنفسك. هناك مشتركات عربيّة جاهلية هنا. منها إخضاع الأرملة على إمتداد أطول عدّة أي أربعة أشهر وعشرا إلى إيقاف تحفّظيّ. عدا أنّه في بيتها. وكأنّها جاءت بجريمة نكراء. لا تبرح بيتها حتّى لتعزية أو تهنئة بل ربّما حتى لمداواة وعلاج. تختلف التّشديدات هنا من بلاد لأخرى. ولكنّها تشترك في هذه الجاهليّة. كما يفرض عليها إرتداء السّواد. كيف لا وقد أوحى إلينا الشّيطان أنّ الحكمة العظمى من العدّة هي إعلان الحزن على زوج مات؟ بل إنّ بعضنا يفرض عليها ـ وبإسم الدّين الذي تتلعثم به ألسنة أئمة وخطباء جهلة وقحين ـ قطع العلاقة مع الماء تطهّرا وإغتسالا. ويفرض عليها بعضنا أساطير أخرى كثيرة وخرافات تشترك في الجاهلية ولكن تختلف في الوسائل. إذ يفرض عليها أن تذهب إلى البحر أو تقوم ببعض الحركات المشعوذة. كما يحرم عليها الطّيب حتّى وهي جاثية في بيتها وحيدة. أي تعامل كأنّها محرمة بحجّ أو عمرة. يا للجهل القبيح؟ الخلاصة أنّها تتعرّض لحصار رهيب وسجن شديد كما لو أنّها أجرمت في حقّ البشريّة جمعاء قاطبة. ولا شكّ أنّ أمّ الجرائم هنا هي ألسنة كثير ممّن نسب نفسه إلى الدين. فهو يقول على الله ودينه بغير حقّ ولا علم. وهو الذنب الأعظم لمن قرأ الكتاب العزيز مرّة واحدة

الهدي الإسلاميّ في عدّة الأرملة

القرآن الكريم

أقصى ما قاله القرآن الكريم الذي هو المرجع الأكبر الذي تخضع له حتّى السنّة ذاتها إلاّ تبيينا هو أنّ المتوفّى عنها زوجها تتربّص بنفسها ـ وليس يفرض عليها أيّ فعل للتّربّص من أيّ كان ـ أربعة شهور وعشرا. أكثر من هذا لم يرد أيّ شيء مطلقا. لن أعود هنا إلى معنى التّربّص. إذ تعرّض هذا إلى إيضاح فيما أنف. التّربّص هو إنتظار ولبث بغاية التّفكير لتدبير جديد. وهو تربّص من المطلّقة بنفسها لنفسها كما ورد جليّا. هذا ما تجود به اللّغة العربيّة التي هي الحكم على الفهم والفقه

السنّة النّبويّة

لم يرد أوّلا أيّ تبيين من السنّة لهذا التّربّص. لا بالقول ولا بالعمل. ومعنى هذا هو أنّ العودة إلى المعنى اللّسانيّ للتّربّص هي المعالجة الإسلاميّة. أي أنّه عليه السّلام لم يثبت ولو بضعف ـ لهواة التّعلّق حتّى بالضّعيف والموضوع تلبية لحنين الجاهلية العربية الأولى ـ أنّه ألزم أرملة بالحظر التّامّ في البيت كما نفعل نحن اليوم. كان عدد المتوفّى عنهنّ أزواجهنّ بالعشرات في تلك الأيام وبعضهم بسبب الحروب والعدوان. بل إنّه أقرّ عليه السّلام ـ والإقرار هو ثالث وجوه السنّة ـ خروج المتوفّى عنها زوجها من بيتها لقضاء شأنها حتّى لو كان شأنا دنيويّا لكسب عيش. إذ ثبت أنّه أقرّ إمرأة ترمّلت وخرجت لجذّ نخلها أي إصلاحه وقال لها إقرارا صحيحا صريحا : جذّي نخلك لعلّك تتصدّقين أو تفعلين خيرا. ورد هذا في صحيح مسلم ومسند أحمد وعند بعض أهل السّنن .معنى ذلك هو أنّه يقرّ خروج المعتدّة لوفاة زوج حتى لغرض دنيويّ. بل شجّعها على ذلك. إذ قد يكون ذلك مصدر خير لها إذ تتصدّق. وإذ لم يرد أيّ نهي إذن من جهة ولو ضعيفا موضوعا وإذ ورد الإقرار ـ بل التّشجيع ـ منه عليه السّلام فإنّ السنّة صحيحة صريحة في إقرار خروج الأرملة في عدّتها

الخلاصة

الخلاصة هي لمن يؤمن بالله وكتابه الذي أمرنا بالإحتكام إلى الله ورسوله عليه السّلام. الخلاصة التي لا ريب فيها هي أنّ الأرملة تتربّص بنفسها في عدّتها بمعنى أنّها لا تتزوّج فحسب. بل إنّه أباح ـ كما أنف قوله ـ للرّجل أن يعرّض لها بالخطبة. وهي تسمعه وتقرّه. ولكن لا يقع بذلك مواعدة. أين تلتقي الأرملة هذا الخاطب؟ أليس خارج بيتها في العادة؟ وحتّى في بيتها فهل تستقبله سوداء قذرة كأنّها خرجت للتّوّ من قبرها؟ ذلك هو معنى التّربّص إذن . أي عدم الزّواج وعدم إثارة الرّجال بما يدعو إلى الزّواج من ريح غامرة تطير أو لون جذّاب أو أيّ حركة لسان أو نغم أو جسد تدعو فيه إلى الزّواج. ولكن لو أوحى إليها هو بذلك وفهمت قصده ووافقته بحركة خفيفة أو صمتا فلا حرج. أمّا ما إخترعناه نحن ومن قبلنا من أحباب الجاهلية العربية الأولى فلا أصل له. إنّما هو حنيننا إلى الجاهلية العربية الأولى التي حرمنا فيه الإسلام من العبث بالمرأة عقودا قصيرات فحسب. ثم عادت المياه الفاسدة إلى مجاريها الآسنة. في عصرنا هذا ماذا لو فرضنا الرّقابة المنزليّة الصّارمة على طبيبة أو معلّمة أو أستاذة أو موظّفة أو سائقة طائرة أو حافلة أو تاجرة أو أيّ عاملة خارج بيتها وهنّ اليوم بالملايين المملينة؟ أليس ذلك يعني أنّ حركة العمل عندنا زادت سوء على سوئها؟ أليس ذلك يعني أنّنا حكمنا على المرضى بالموت. إذ أنّ الأرملة طبيبة لا تبرح بيتها بإسم الدين؟ ومثل ذلك نزداد جهلا إذا عضلنا المعلّمة عن وظيفتها. وعوّقنا مصالح النّاس مع الموظّفة وغير ذلك

العدد : حدود الله. ويا ويل العابثين بحدود الله

لو لم يأت هذا الدّين من محامده وجمائله ومكارمه ومحاسنه عدا أنّه عدّ العدد حدودا لله سبحانه لكفاه فخرا. أجل. والله. حدود الله معناها حماه الذي لا يوطأ كما لا يوطأ حمى الملك إلاّ بإذنه. وإلاّ تعرّض الواطئ لحمى الملك للعذاب. أيّ ملك هو أشدّ ملكا؟ الله أم ملوك الدنيا؟ يا حسرة على العباد. قال سبحانه في سورة الطّلاق المدنيّة وهو يعلّمنا أنّ رعاية العدّة وإحصاءها وحفظها أن تداس من لدن الزّوج هي حدّ من حدوده سبحانه وأنّ الذي لا يحصيها ليدوسها هو متعدّ لحدود الله سبحانه (وتلك حدود الله. ومن يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه). أي أنّ من أغمض في مدّة العدّة فأخّرها عضلا للزّوجة وتنكيلا بها وتشفّيا منها أن تنكح زوجا غيره إن شاءت فقد إعتدى على القانون العامّ الذي أنزله الله سبحانه لعباده. ما هو مصير من يتعدّى اليوم على القانون العامّ؟ أليس العذاب؟ أيّ القانونين أولى ؟ أقانون الله أم قانون النّاس؟ يا حسرة على العباد

شبهة الخروج من البيت

الفقه القديم نفسه تورّط في هذا كثيرا. ليس كلّه. ولكن جزء مهمّا ممّا وصلنا منه إمتلأ بتزوير معنى التّربّص في البيت. وفهم ـ بسبب حالة الإنحطاط التي دوّن فيها الفقه ـ أنّ التّربّص يعني فرض حالة حصار شامل على المطلّقة. ومع الأيّام وتقدّم حالة الإنحطاط وعودة العرب بالتّدريج حنينا إلى الجاهلية العربية الأولى يضيف كلّ جيل عربيّ جديد خرافة أخرى جديدة تفرض على المطلقّة. ليظلّ التّعامل معها في نهاية المطاف على أنّها هي المجرمة التي قتلت زوجها. ذلك هو تفسيري للأمر. بعض الفقهاء تلبّس عندهم الأمر في قوله سبحانه في أوّل سورة الطّلاق (لا تخرجوهنّ من بيوتهن ولا يخرجن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبيّنة). موضع التّلبّس هو أنّ النّهي عن الخروج هنا لا يعني أمرا به. بل يعني تحذير الزّوج ـ وهو الطّرف القويّ الذي قام بفعل التّطليق ـ أن يجرّه غضبه على مطلّقته إلى إخراجها من البيت. ألا ترى أنّه نسب البيت إليها هي؟ أما نهيه سبحانه المطلّقة من الخروج (ولا يخرجن) فليس معناه نهيا عن الخروج لقضاء حاجة. إنّما هو نهي علّته أنّ خروجها بالكامل طيلة مدّة العدّة وإقامتها خارج بيت زوجها يخرق العلّة التي لأجلها فرضت العدّة. وهي أن يعيش الزّوجان جنبا لجنب لعلّ الله يجعل من بعد ذلك أمرا. كما قال هو سبحانه. والأمر ليس هو سوى إعادة الحبّ بينهما والعودة إلى الحياة السّالفة. فليس إذن معنى النّهي عن الإخراج والخروج هنا الحكم على المطلّقة بعدم الخروج . والذي لا مناص منه هنا تقريرا علميّا هو أنّ كلّ هذا المتعلّق بالإخراج والخروج خاصّ بالمطلقّة. وليس بالأرملة. ولكن تلبّس الأمر على الفقه بسبب دخوله في مرحلة الإنحطاط وبداية إنقطاع صلته بالمصدرين الأوليين المعصومين وتسلّل مصائب التّحشيات والتّحشيات على التّحشيات ونكبات التّفسيرات والتّفسيرات على التّفسيرات. ثم إزداد الأمر نكاية عندما إختزل الفقه كلّه في مدوّنات مطلسمة تحكي الشّعر ولقّنها النّاس تلقينا أعمى

دعوة إلى أهل العلم الذين يفكّرون

العلم وحده لا يكفي. إذ لا بدّ من حركة فكر تتقحّمه نظرا وتدبّرا. وخاصّة لحكمة أيّ حكم. إذ الأحكام معلّلة مقصّدة في شريعة الإسلام العظمى. دعوتي لأهل العلم الذين يفكّرون ويخشون أنّهم يحشرون إليه ويسألون هل بلّغوا العلم للنّاس كما ورد إليهم حقّا محقوقا أم زادوا عليه أو أنقصوا منه رعاية لأعراف وعادات وتقاليد؟ دعوتي لهؤلاء جميعا أن يحفظوا دينهم إذ أنّ الأمر جلل. وهل أجلّ من أمر عدّه الله سبحانه نفسه حدّا من حدوده؟ دعوتي لهؤلاء سيما في زمان يتفصّى منه بعض النّاس من الإسلام ظنّا أنّه دين تجاوزه الزّمن. وكيف لا يتفصّى عاقل من شريعة تحكم على الأرملة بالإقامة الجبريّة في بيتها كأنّها هي من قتلت زوجها. وليس هي محلّ تعاطف لعلّ مصيبة فقد الزّوج تخفّ عنها؟ الإسلام اليوم محلّ مراقبة شديدة من سكّان الأرض كلّهم تقريبا وهو محلّ إمتحان وإختبار. وأنتم معيار الإسلام في عيون النّاس ومقياس شريعته. فإن تحرّيتم الحقّ في كلّ أحكامه منوطة بحكمها فإنّ النّاس يهتدون بإذن الله سبحانه. وإن كانت الأخرى حمّلتم يوم القيامة أشدّ الأوزار. بل وأوزار الذين تضلّونهم بغير علم. والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق