اراءاهم الاخباررأي رئيسي

عن الفشل التربوي في مقاومة الاستبداد

يقول الكواكبي: ” الاستبداد أعظم بلاء لأنه وباء دائم بالفتن، و جدب مستمر بتعطيل الأعمال، و حريق متواصل بالسلب و الغصب، و سيل جارف للعمران، و خوف يقطع القلوب، و ظلام يعمى الأبصار، و ألم لا يفتر، و صائل لا يرحم، و قصة سوء لا تنتهي”.
عندما نعود إلى (مقالة العبودية الطوعية) لإيتيان دو لا بويسي (1530-1563) و إلى (طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد) لعبد الرحمن الكواكبي ( 1854-1902)، تعلم كم من الوقت تم هدره من جميع التيارات التي تصدّرت المشهد و انتدبت نفسها لتنقذ الأمة مما تردّت فيه. فحالات الخنوع، و القابلية الطوعية للعبودية، و استصغار النفس و جعلها تقتات على فتات من اغتصب سلطة، و هنا نتحدّث عن جميع أنواع السلط: المال، الإعلام، العلم، الثقافة، الدين و الحكم..فهي مؤشر على فشل جماعي ذريع. فشل تربوي في صناعة الإنسان العربي و المسلم الذي يمتلك الإرادة الحرة، التي تحميه من كل وجوه الزيف التي يعجّ بها واقعنا اليوم. و إذا نقّبت و دقّقت ستجد إهمالا كبيرا في برامج التكوين و التربية لدى جميع الاتجاهات. فهي لم تُعر اهتماما لبرامج تكوينها الداخلية حتى تقي نفسها و الأوطان من سموم الاستبداد، التي إن نخرت وطنا، جعلته هباء منثورا. فالذي لا يحمي نفسه من الاستبداد الداخلي، لن يُفلح في مقاومته خارجه. فأين أثر (مقالة العبودية الطوعية) و ( طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد) في برامج التكوين للجماعات و الأحزاب. حتى أن من أُنيط به مقاومة العبودية و الاستبداد أصبح منتجا لها، فكيف سيكون الحال!..
و عندما نُرجع النظر إلى الأمم التي ملكت حريتها، ستجد مثلا في النرويج أن أبرز قيمة يتمسّك بها النرويجيون – مقارنة ببقية المجتمعات الأوروبية و ليس غيرها – هي قيمة الاستقلالية. فهي تربّي أبناءها على قيمة الحرية و أن الإستقلالية لا يُعلى عليها، و دونها لا معنى للحياة – بغض النظرعمّا نعتبره نحن من تشوّهات في نتائجها – فهذه القيمة التي تُغرس في النفوس، تكبح كل جنوح نحو التفرّد في قيادة شؤون الحياة مهما كان مصدرها.
و بالعودة إلى الكواكبي، نجده مقاوما لكل أنواع الاستبداد سوى كان مصدره: الدين أو السياسة أو المال أو العلم أو المجد.. ففي مسعاه إلى تحرير الدين من الأفهام المشوّهة التي لصقت به، و انحرفت بمظاهر التديّن يقرّر بأن هؤلاء ” جعلوا الناس ينسون لذة الاستقلال، و عزة الحرية”. و في علاقة الاستبداد بالعلم يقرّر بأن ” أخوف ما يخاف المستبدون.. من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، و أن يعرفوا النفس و عزها، و الشرف و عظمته، و الحقوق و كيف تُحفظ، و الظلم و كيف يُرفع، و الإنسانية و ما هي وظائفها، و الرحمة و ما هي لذاتها”. و في علاقته بالمال يقرر أن ” من طبائع الاستبداد أن الأغنياء أعداؤه فكرا و أوتاده عملا، فهم ربائط المستبد يذلهم فيئنون و يستدرهم فيحنون”.
” فالمستبدون يتولاهم مستبد، و الأحرار يتولاهم الأحرار، و هذا صريح معنى : ( كما تكونوا يولى عليكم) “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق