اراءاهم الاخباررأي رئيسي

عندما يستخدم الإجتهاد ضدّ الإسلام

محمّد هداية مثالا

قبل البداية أؤمن بوعدين عظيمين : أوّلهما أنّ الإسلام ـ من حيث أنّه دين ـ محفوظ بإرادة إلهية قد نعلم بعض مظاهرها. ولا نعلم بعضها الآخر. وأنّه ـ من حيث أنّه دين كذلك ـ موعود بالظّهور على الدّين كلّه. ثاني الوعدين هو أنّ الإسلام ـ من حيث أنّه دين ومن حيث أنّه أوسع من ذلك ـ يظلّ يسيل لعاب كلّ مستكبر ومن يوظّفه في أحابيله. من أدلّة الوعد الأوّل (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه) وقد تكرّر هذا الوعد مرّتين في الكتاب العزيز. ومن أدلّة الوعد الثّاني (ولا يزالون يقاتلونكم حتّى يردّوكم عن دينكم إن إستطاعوا). مقتضى ذلك أنّ من يعي هذا من المسلمين يساعده على الثّبات وعلى المقاومة معا. ومن ذلك كذلك أنّ أعداء الإسلام ينجحون كثيرا في تعويق المسلمين أن يشيّدوا حضارتهم على قواعد دينهم فيكونون مرهوبي الجانب هداة مغداقة شجرتهم. ولكنّهم لن ينالوا شيئا من ذلك النّجاح عندما يتعلّق الأمر بإلغاء الدّين ذاته من حيث أنّه عقائد ستّ معلومة أو عبادات معروفة أو قيم أخرى تحتضنها الأسرة خاصّة وبيئاتهم الدنيا

هل نتفهّم غلق باب الإجتهاد؟

لا. قطعا. ومنذ البداية. ودون أيّ تحفّظ. الإجتهاد المعروف (من أهله وفي محلّه) هو رئة الإسلام ومحلّ تحرّر المسلمين. وكلّ دعوة إلى إيصاده هو قطع لشرايين الإسلام نفسه ومحاولة لوأده. ولا يسعف الدّاعين حسن طوية إن وجدت. كلّ ما شرعه الإسلام نفسه لا يوصد بالدّعوى السّقيمة القديمة (سدّ الذّرائع) إلاّ إلجامات طفيفة. ولا يصلح دواء لكلّ غلواء عدا فتح الإتّجاه المضادّ. أي فتح الذّرائع ليكون من ذا توازن منشود. لمّا أغلق الإجتهاد قديما إستبدّ الإنحطاط بالأمّة حتّى آل المآل إلى غزو فكريّ لا قبل لهم به ثمّ إلى إحتلالات عسكرية ثمّ إقتصادية ثمّ سلبت السّيادة بالكلّية. اليوم لم يعد ذلك ممكنا حتّى لو دعا له الدّاعون. إذ تحرّرت الكلمة بأثير هادر ألغى الحدود. وبالخلاصة فإنّ مقاومة الآخر المعتدي لا تكون إلاّ بولوج كلّ أبواب الإجتهاد الممكنة. بل إنّ الإجتهاد اليوم هو جهاد العصر. ولا نهضة لأمّة إلاّ بإجتهاد وجهاد معا

مراجعة لشروط الإجتهاد

قال الأوّلون أنّ الإجتهاد له شرطان : أن يكون من أهله أوّلا وأن يكون في محلّه ثانيا. هذا الكلام كان صحيحا عندما كانت للأمّة دولة واحدة ورأس واحد ومنظومة أصولية واحدة. وقليل منّا من يدرك لحظة 1923 وتداعياتها وما بعدها. تلك لحظة يغفل عنها أكثر الدّعاة والخطباء والمفتين والعلماء ومن حكمهم. هي لحظة إنهيار السّقف الإسلاميّ السياسيّ بالكلّية. وما جاء بعدها عمّدها في دمائنا تعميدا. من يحكم اليوم بأنّ هذا الإجتهاد من أهله وأنّ ذاك ليس كذلك؟ المجامع العلمية؟ هي نفسها إخترمتها بعض تلك التّعدّديات في المنظومة الأصولية التي نصّ عليها القرآن الكريم نصّا (أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم).والجدل قائم حول توحيد الفتوى. ولكنّه جدل عقيم لأنّه يطرح في غياب الرّأس الواحد أو السّقف السياسيّ الواحد. سقط الشّرط القديم في نظري ـ أي أن يكون الإجتهاد من أهله ـ بسبب لحظة 1923 التي لم نستوعبها حقّ الإستيعاب أوّلا وبسبب أنّ الأثير الهادر فرض العولمة فرضا. أهل الإجتهاد في نظري اليوم هم الأمّة الإسلامية نفسها فهي التي تقبل هذا الإجتهاد في مجموعها وليس في آحادها أو ترفضه. الأمّة هي من تختم لهذا الإجتهاد بالقبول أو لذاك بالرّفض. ومن ذا جاء الخطاب الإسلاميّ كلّه موجّها إليها هي وليس إلى أحد سواها. الأمّة هي القيمة الوحيدة التي لا تموت مهما تماوتت ولا ترتدّ مهما وقع. الشّرط الثّاني : أن يكون الإجتهاد في محلّه. هذا الشّرط منوط اليوم بمن بقي من حرّاس الإسلام وعلمائه المقاومين حتّى يذبّوا العابثين أو الموظّفين من لدن غيرهم. الشّرطان صحيحان صحّة نظرية. ولكن ليس لهما صحّة عملية بسبب تلك اللّحظة الفارقة وبسبب تحرّر الكلمة وهو تحرّر سعى له الإسلام طويلا. إذ الحقيقة عنده لا تخشى البحث حتّى لو كان البحث في وجود الله نفسه سبحانه. فكيف بما دون ذلك؟ ولكن تظلّ الأمّة وعلماؤها هم من يحرسون الإجتهاد بذينك الشّرطين ويفتحون له كلّ الذّرائع بدل سدّها مهما بدا لهم من إرهاصات فساد يعزوها الغافلون إلى فتح أبواب الإجتهاد. فليجتهد اليوم كلّ من هبّ ودبّ وفي كلّ شيء. والأمّة وعلماؤها هم من يرعون ذلك. فما قبلته الأمّة فهو إجتهاد إسلاميّ مقبول حتّى لو كان مرجوحا. وما رفضته فهو المرفوض. إذ الأمّة هي المعيار. وهي كذلك لأنّها معصومة من الضّلال

هدم البخاري ثمّ السنّة : خطّة القرآنيين الجديدة

ظهر تيّار جديد قديم عنوانه : القرآنيّون. هوية هذا التّيار ـ الذي حذّر منه عليه السّلام نفسه في حديث صحيح ـ هو الإقتصار على القرآن الكريم لأنّه صحيح متواتر لا ريب فيه وما عداه ـ سيما السّنة النّبوية ـ لا عبرة به. ويدجّج هؤلاء هويتهم هذه بآيات كثيرة من مثل قوله سبحانه (ما فرّطنا في الكتاب من شيء). والمؤلم الذي جرّبته بنفسي إذ كتبت ضدّ دعوة هؤلاء أنّ ملايين مملينة من المسلمين إنخدعوا بهذه الدّعوة التي تحمل في رحمها السمّ الزّعاف. حذّر عليه السّلام من هذا التّيار إذ قال : لا ألفينّ أحدكم متّكئا على أريكته يبلغه الأمر عنّي فيقول : لم أجد هذا في كتاب الله. ألا إنّي أوتيت الكتاب ومثله معه (رواه إبن أبي رافع وأخرجه بعض أهل السنن والحاكم وغيرهم وهو صحيح على شرطي الإمامين). ألم ينصّ الله نفسه في الكتاب الذي يزعمون أنّه يقتصر عليه على طاعة مستقلّة للرّسول عليه السّلام؟ بل كيف نعبد الله سبحانه بدون سنّة؟

ضلالات محمّد هداية لضرب الصّلاة أمّ الإسلام

لمن شاء التحقّق من ذلك عليه البحث في محرّكات التّواصل عن إسم هذا الرّجل وأشرطته حتّى يعلم خطورة الهجوم على الإسلام بنفسه فيتجنّد حارسا لدينه. ممّا قاله هذا الرّجل بالصّوت والصّورة أنّ البخاري مؤسّسة يهودية. برّر ذلك بقوله أنّ أعداء الإسلام لمّا أرادوا صرف النّاس عن القرآن الكريم أنشؤوا لهم الحديث النّبويّ ومنه مؤسّسة البخاري. قال ذلك وربّ العزّة الأعظم صوتا وصورة والتّسجيل متوفّر لمن أراد. بل تقدّم خطوة أخرى إذ قال أنّ الصّلاة ليست على صورتها التي نصلّيها اليوم إنّما هي بالغداة والعشيّ فحسب وأنّ القرآن الكريم أرشدنا إلى أوقات الصّلاة ولسنا بحاجة إلى السنّة وليس هناك صلاة إسمها صلاة ظهر أو عصر أو غير ذلك. لم أعرف من قبله أكثر جسارة على الدّين نفسه وعلى الصّلاة عموده الأعظم. ولم يقترف أحد من قبله ـ من داخل الدّائرة الإسلامية ـ ليقول أنّ البخاري هو مؤسّسة يهودية. ولست أدري هل يقصد الرّجل نفسه أم صحيحه. هي خطّة واضحة المعالم وقد بلغت أعلى درجات الجسارة إذ تقدّمت لأوّل مرّة على حدّ علمي لتبطل السنّة بإبطال عاصمتها أي صحيح البخاري. فإذا بطل البخاري بطلت شروطه التي بها صحّت أحاديث بالمئات وسهل إبطال بقية كتب الحديث. وعندما يلغى الحديث جملة ـ وليس تفصيلا كما كان الأمر في السّابق ـ ظلّ القرآن الكريم وحده. ولا معنى بعد ذلك لنبيّ يبيّنه. وعندما تلغى الصّلاة من الدّين ماذا بقي منه؟ لم يدّع البخاري نفسه لصحيحه عصمة. ولم يدّع له ذلك أحد. وما ينبغي له. إنّما هي مقاييس علمية معروفة تنسحب على كلّ حديث. ولكنّ الهجوم في الحقيقة هو على السنّة برمّتها. أي جملة. وليس تفصيلا يعالج هذا الحديث أو ذاك. وذلك هو هدف أعداء الإسلام ليظلّ الإسلام تعويذات غامضة كتعويذات النّصارى ينفّسون بها في الكنيسة وبين يدي رجل الدّين عمّا أصابهم في أسبوع منصرم أصابهم فيه من الكآبة الذي أصابهم

تجاوز الأمر الإسلام إلى الدّين

سمعنا بمن يتّهم الإسلام بظلم المرأة ونعت نظامه بالتيوقراطية وشريعته الجزائية بمعاداة حقوق الإنسان وأنّ كثيرا من تعاليمه الإقتصادية حائلة دون رغد العيش من مثل أكل الرّبا وغير ذلك ممّا لا يزال يملأ الأرض وتتمحّض لها منظمة الأمم المتّحدة نفسها من خلال إتّفاقية (سيداو) مثلا. كلّ هذا مفهوم وخاصّة من الغربيين أو من عبيدهم الأوفياء. ولكن لأوّل مرّة فيما علمت تنال هذه الرّماح المسمومة الدّين ذاته. أي الصّلاة نفسها وعاصمة الحديث أي مؤسسة البخاري كما عبّر عنها أحد هؤلاء. لازلت عند قناعتي القديمة التي لا تعجب كثيرين وهي أنّ عدوّ الإسلام أذكى دهاء وأمضى خبثا من أكثر المسلمين اليوم. من ذلك أنّه يجرّد الإنسان من أقوى دفاعاته القيمية ومناعاته الرّوحية. وهي الصّلاة. ومن بعد ذلك يكون حملا وديعا يذبحه الغربيّ بمديته ويسلخه ويفترسه. وأهل الحمل يتفرّجون فرحين كمن يقدّم كبش فداء لمعبد هندوسيّ إرضاء للرّب. ومعلوم كذلك أنّ الهجوم على البخاري ـ عاصمة السنّة كما أسمّيه ـ كفيل بإلغاء السنّة التي يحاولون الإيقاع بها أنّها دوّنت في زمن متأخّر وأنّ فيها الضّعيف والموضوع وما لا تقبله كثير من العقول التي صاغها الغرب الفاجر سواء ممّا هو مثل ذلك أو هو من حديث الغيب الذي لا سبيل للعقل عليه. فإذا ألغيت السنّة خلا الجوّ لهؤلاء. لأنّ القرآن الكريم حمّال أوجه كما قيل. وهو كذلك بمعنى ما. حتّى قال العلماء : القرآن أحوج إلى السنّة بأكثر من حاجة السنّة إلى القرآن. ولا غرو فهي مذكّرته التّفسيرية أو مبيّنته بالتّعبير القرآنيّ المتوارد هنا مرّات

أوفى المعالجات : مقاومة علمية مؤسّسة وحركة دعوية

كذلك أراد الله سبحانه بقانون التّدافع أن يظلّ المسلمون في حال إبتلاء مزدوج : إبتلاء من لدن بني جلدتهم ممّن إستبدّ بهم الكبر والتّعالم أو ممّن وقعوا في حبائل العدوّ بثمن أو بغير ثمن. وإبتلاء من عدوّهم نفسه. الله سبحانه يريد الآخرة. ومعنى ذلك هو ألاّ يمهّد للمسلمين سبل العيش المريح عفوا من السّهام والنّبال. وما ذلك سوى ليستحقّ الخلود في الجنّة بجدارة ـ بعد رحمة الله سبحانه ـ من ثبت على دينه رغم العاتيــــــــات. ومن يرتدّ عن دينه بصورة أو بأخرى. شاء الله أن نظلّ مثل القارب الشّراعيّ الذي تتقاذفه الأنواء والعواصف الهوجاء ليبتلى ربّانه ومن معه هل يصمد فيموت واقفا أم يستسلم. عدوّ الإسلام يعلم علم اليقين أنّ الهجوم على الأرض رغم أهمّيته وما فيها لا يكفي. فلا مناص من هجوم مواز على العقل المسلم. وهو أكثر إدراكا منّا أنّ من يملك العقل يملك صاحبه ويملك ما يملك صاحبه. فإذا ظلّ العقل سليما مستقلاّ فإنّ الأرض ستحرّر اليوم أو غدا. لا مناص لنا من مقاومات علمية ودعوية في الآن نفسه. مقاومات مؤسّسة متكافلة فرادى وجماعات يكون دأبها نشر الوعي بالقرآن وعلاقته بالسنّة ودحض هذه الشّبهات التي وقع في حبائلها ملايين مملينة من المسلمين والمسلمات الذين لم يتلقّوا التّعليم الإسلاميّ الصّحيح. وأنّى لهم والدّولة الإسلامية نفسها حيثما فررت غير بعيدة من تلك الهجومات؟ أنّى لهم والمجامع العلمية مازالت عاكفة على تعليمهم العقيدة الكلامية الباردة الجامدة أيّام الهجوم اليونانيّ؟ لا مناص لنا من التعبّؤ لمقاومة علمية ودعوية معا. والأثير الذي بين أيديهم هو نفسه بين أيدينا. لست خائفا على الإسلام من حيث أنّه دين. إذ الخوف عليه من حيث أنّه دين هو عدم إيمان بآية سورة الحجر وغيرها. ولكنّي خائف على ملايين مملينة من المسلمين الذين يوقعهم محمّد هداية ـ والله وحده أعلم بمن خلفه ـ في شراكهم فيموتون مرتدّين. أو شبه مرتدّين. وأيّ ردّة وسوء خاتمة أشنع من أن يموت المسلم وهو يعتقد أنّ السنّة كلّها ـ بإطلاق ـ كلام فارغ. أو أنّ الصّلاة حسم أمرها القرآن الكريم وحده. الدّور آت لا محالة على الزكاة ثمّ على الصّيام ثمّ على الحجّ ثمّ على الأضحية ثمّ على الكفّارات. هذا جهاد عصركم يا حملة القلم وحرّاس الإسلام. لا تظنّوا أنّ الله كلّف بالجهاد غيركم فحسب. هذه ساحة جهاد حامية الوطيس. فلا تتخلّفوا

خلاصة

لم يكن العيب يوما في الإجتهاد الذي هو رئة الإسلام والتي بدونها يختنق المسلمون. ولكنّ العيب كله في رجلين : فيمن يزعم أنّه مسلم وهو يوظّف الإجتهاد بالأيلولة لضرب الدّين ذاته. سواء لجهله أنّ الإجتهاد مقيّد بمحلّه الظنّيّ فحسب وهو محلّ واسع شاسع يسع العالمين لمن شاء. أو لغير ذلك. وفيمن يزعم أنّه مسلم كذلك ولكن لا يؤرّقه هجوم كاسح ضدّ دينه. فلا ينشئ منبرا يدفع به أذناب العدوّ. وليس مطلوب منه أن يكون عالما. إنّما مطلوب منه أن يتحرّك في نطاقه ومن محلّ تخصّصه

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى