منوعات

عندما يبتهج نتنياهو بمكالمة عربية مصورة

يبدو نتنياهو في المقطع مبتهجاً للغاية، على غير عادته، فقد رَسَم ابتسامة عريضة للغاية رغم المتاعب السياسية والقضائية التي يواجهها، عندما أجرى بنفسه اتصالاً مصوّراً عبر هاتفه الذكي مع بلد عربي كبير، على هامش مؤتمر حزب الليكود يوم 26 ديسمبر/ كانون الثاني 2019.

لكنّ الذي يظهر على الجانب الآخر من الاتصال ليس قائد دولة ولا شخصية عربية بارزة أو رجل أعمال كبير مثلاً، فهو شاب من الرياض، ليس سوى ذلك الوجه العاطل عن العمل على ما يبدو، الذي يمقته الجمهور العربي ويحظى بكثير من الشتائم في مواقع التواصل الاجتماعي بسبب سلوكه الصادم وتعبيراته الفجّة.

 

عندما جرّب هذا الشاب الظهور بين العرب في الميدان مباشرة حظي بوابل من التعبيرات اللاذعة والبُصاق المقزِّز، كما جرى خلال زيارة أجراها إلى القدس سنة 2019. يُوصَف هذا الشاب في بعض التعليقات المحلية بالبلاهة، وتثور شكوك بشأن توازنه العاطفي، بينما يعدّه آخرون شخصاً مكلّفاً للقيام بهذا الدور الكريه بالوكالة، لأنّ المسؤولين في العواصم العربية لا يرغبون بتلطيخ سمعتهم.

إنه محمد سعود، الشاب السعودي العشريني الذي يحظى بحفاوة بالغة من المسؤولين الإسرائيليين لأنه يتملّقهم ويتجنّد طوعاً في خدمة دعاية الاحتلال. إنه النموذج المثالي للعربي المرغوب لدى المسؤولين الإسرائيليين؛ فهو يعلن أنه يحبّ إسرائيل، ويفضِّل التحدّث بالعبرية، ويمتدح حزب الليكود، ولا يأبه بالحقوق والعدالة في فلسطين بالطبع. قال الشاب لنتنياهو خلال الاتصال: “نحبك كثيراً”، وردّ رئيس الوزراء الإسرائيلي “من المؤسف أنك لا تستطيع التصويت (في انتخابات حزب الليكود)، لأنك ستكون ليكودياً رائعاً”.

في النهاية لم يجد نتنياهو من يتّصل به على الملأ من العرب سوى شاب طائش لا يجرؤ على إظهار اسمه الكامل، فظهور اسم العائلة مثلاً قد يدفع إلى التبرّؤ الاجتماعي في الشعب السعودي. لكنّ هذا الشاب تحديداً يحظى على ما يبدو بامتياز خاصّ من السلطات لإجراء اتصالات مستفزّة للجمهور من هذا النوع تحت عنوان “التطبيع” مع الجانب الإسرائيلي، إلى درجة استقبال إسرائيليين أيضاً في بيته، بصفة لا يتحمّل المستوى الرسمي مسؤوليتها، بينما يتحاشى المسؤولون والشخصيات العامة في المملكة العربية السعودية الظهور في مواقف كهذه من شأنها إزعاج مواطنيهم والعرب والمسلمين عموماً.

ظلّ نتنياهو يفاخر منذ سنوات بتطوّر الاتصالات التطبيعية مع دول خليجية، وهو اتجاه تؤيِّده مؤشرات عدّة في الواقع، ومنها الزيارات والملتقيات التي ترعاها إدارة دونالد ترمب كما جرى في وارسو والمنامة في سنة 2019.

 

لكنّ التعبير العلني عن ذلك كلِّه من الدول الخليجية المعنية بقي حَذِراً للغاية بسبب تصادمه مع الموقف الشعبي الراسخ في دول الخليج والعالم العربي عموماً الذي يأنف التقارب مع محتلي فلسطين، فيتقدّم التعبير عن “التطبيع” خطوة ويتراجع أخرى.

يدرك نتنياهو وفريقه أنّ “أصدقاءه العرب” لا يميلون إلى الإفصاح عن معظم الاتصالات وربما الزيارات التي تجري، فما زال كثير من “التطبيع” يأخذ طابع التسلّل في الخفاء على طريقة العلاقات الليلية المحرّمة، وما يتسرّب من أنبائها إلى الجمهور يقع عبر الصحافة الإسرائيلية غالباً وليست الخليجية، ولهذا كلّه معناه الواضح.

إنّ حالة محمد سعود أو غيره من الأشخاص غير المعروفين مسبقاً في مجتمعاتهم الخليجية، ليست تعبيراً عن تقدّم “التطبيع” كما قد يبدو للوهلة الأولى، فهي تكشف أساساً عن مأزقه الموضوعي مع محيط شعبي يرفضه، فالقبول الشعبي بالاحتلال الإسرائيلي في المنطقة لم يتحقّق بعد، ومن المؤكد أنّ الشعوب الخليجية والعربية تنبذ التواصل الدافئ مع نتنياهو أو غيره من سياسيي ربطات العنق أو جنرالات الحرب، وهو ما يفسِّر أنّ الكويت التي تميّزت بمنسوب عالٍ نسبياً من حرية التعبير والحياة البرلمانية تتصدّر موقف رفض التطبيع في المنطقة في المجالات المتعددة.

ابتهج نتنياهو بالمكالمة المصوّرة، وواصل – كعادته – التباهي بأصدقائه “الكثر” في السعودية ودول الخليج، لكنّ الذين يظهرون في الصور والاتصالات بعد كل هذه السنوات ليسوا سوى أشخاص هامشيين للغاية، وهؤلاء ليس لديهم ما يخشونه من تلطيخ السمعة أو الرصيد الشعبي.

 

ترجمة خاصة إلى العربية عن “ميدل إيست مونيتور

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق