أخباراراءاهم الاخباررأي رئيسي

عندما تغتال شيرين أبو عاقلة ثلاث مرّات

الإغتيال الأوّل : الإحتلال الصّهيونيّ

لم يكن إغتيال المقاومة الإعلامية الكبيرة ـ شيرين ـ من قبل الإحتلال الصّهيونيّ بأيّام قليلات قبل ذكرى نكبة 15 مايو 1948 صدفة عمياء. إنّما رسالة حربية جديدة مفعمة بالتحدّي والحقد والصّلف. أقرّ الإسرائيليّون أنفسهم رسميا بأنّ الإغتيال كان بأيديهم. ولا يحتاج المرء إلى ذكاء وقّاد ليعلم أنّ السّبب المباشر لإغتيال شيرين ـ وقبلها محاولة إغتيال زميلها في المكان ذاته وفي اللّحظات ذاتها ـ إنّما هو تحويل جنين إلى بركة دماء سيّالة في محرقة صهيونية جديدة تقترف في ظلام دامس من بعد إغتيال مقاومي قناة الجزيرة. لولا إغتيال شيرين لجاس الإحتلال في جنين جوسا لا يبقي منهم فيها إلاّ حطاما نخرة وأشلاء ممزّقة. إختارها القدر الإلهيّ لتكون حماية لأهل جنين كلّهم في ذلك اليوم من محرقة صهيونية لا تبقي ولا تذر. هؤلاء هم الذين وشوا عند الملك الرّومانيّ لقتل عيسى إبن مريم عليه السّلام بل صلبوه صلبا فيما شبّه لهم أنّه هو وما هو هو. هؤلاء هم الذين دهسوا بدبّابتهم الشّارونية الفاجرة ناشطة إعلامية أمريكية قبل سنوات. هؤلاء هم الذين قتلوا الأنبياء كما أخبر عنهم ربّهم وربّنا سبحانه. هؤلاء هم الذين تمرّدوا على ربّهم تمرّد الثّعالب إذ حرّم عليهم الشّحم فعصروه حتّى كان زيتا فشربوه. هؤلاء هم الذين قال فيهم الذي خلقهم خلقا فهو بهم أخبر وألطف (لتجدنّ أشدّ النّاس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا). أنّى لهم ألاّ يغتالوا شيرين ومليون مليون شيرين لأجل إستعادة هيكل سليمانيّ مزعوم وحيلة دينية ماكرة مازال السّذج فينا يصدّقونها؟

الإغتيال الثّاني : النّفاق الغربيّ الصّليبيّ

شيرين مسيحية بلا خلاف. وقتلتها غيلة شنيعة في رائعة النّهارـ وهي ملفوفة بكلّ أردية الإعلام والوقاية من أعلى هامتها حتّى إخمص قدميها ـ صهاينة يهود. فلم صمت الإعلام الغربيّ ـ إلاّ قليلا ـ عن هذه الجريمة مكتملة الأركان؟ ولم لاذ السّياسيّون الغربيّون بصمت القبور أو بتنديدات باردة؟ أقصى مطالبهم هو تحقيق نزيه. أيّ تحقيق وقد أقرّ الصّهانية أنفسهم ـ إعلاما رسميا وشعبيا ـ بأنّهم هم من إغتالوا شيرين؟ وهل ينتظر ـ عدا السّذج والمنافقون منّا ـ تحقيقا؟ أكذوبة التّحقيق يلوذ بها المنافقون من كلّ ملّة ونحلة. أليس هذا عدوان على إعلامية مسيحية في وضح النّهار؟ لو كانت مسلمة لعلت أصوات الكذب تدّعي أنّها من جنود حماس. مسيحية بمظهر غربيّ. هل تريدون إغتيال عقولنا كما إغتلتم شيرين؟ إغتيال الأجسام سهل يسير ولكنّ إغتيال العقول صعب عسير. إحتلّت العراق قبل سنوات طويلات بشبهة إمتلاك أسلحة كيميائية ثمّ ثبت بأنّها أحبولة كاذبة فحسب. ومثلها أفغانستان من الرّوس أوّلا ثمّ من الأمريكان. ويسّر الغرب الإنقلاب ضدّ الشّهيد محمّد مرسي لإزالة كلّ خطر على البنت الغربية المدلّلة جدّا (إسرائيل). أمّا عندما يكون القاتل صهيونيا يهوديا إسرائيليا فإنّ القذى كلّه تمتلأ به عيون الغربيين والصّليبيين الذين إتخذوا من منظومة حقوق الإنسان شرعية زائفة خادعة. لو لم يكن هذا إغتيالا غربيا صليبيا ـ إغتيالا معنويا أشدّ علينا من الإغتيال الجسديّ ذاته ـ لعوملت (إسرائيل) كما تعامل الدّول التي تعاقب بحصارات إقتصادية وسياسية وشطب من بعض المنتظمات الأممية بحسبانها معادية لحقوق الإنسان. كذلك فعل بالسّودان قبل سنوات. وكذلك طحنت الدّبابات الفرنسية صناديق الإقتراع في الجزائر عندما فاز بها إسلاميّون

الإغتيال الثّالث : الفقه الإسلاميّ الجامد

من خلاصات حياتي : لا يمكن أن نكون في حالة إحتلالين (إحتلال عسكريّ إسرائيليّ وإحتلال سياسيّ داخليّ) ثمّ يكون فقهنا في الآن نفسه وفيا لأصوله ولواقعه معا. حياتنا المعنوية مقيسة على حياتنا المادية بالكلّية. عندما يشتكي عضو ماديّ فإنّ الجسم كلّه بالجبلّة يتداعى له ألما. ذلك أنّ الوجود كلّه من مشكاة واحدة ومصدر واحد وهو من أدلّة أحادية الله سبحانه. ما برز الخوارج قديما حتّى كانوا قوّة عسكرية وعددية موازية لقوّة المسلمين بقيادة الإمام عليّ إلاّ من بعد فاجعات الجمل وحطّين. الفاجعات الميدانية تستقبلها العقول الجامدة بردّات فعل عنيفة في الإتّجاه المضادّ للإصلاح. نحن نعيش عصر الخوارج بكلّ ما في الكلمة من معنى. الأرض المقدّسة محتلّة والعرض منتهك حتّى النّخاع والثّروات منتهبة نهبا شنيعا وسيادتنا مسفوحة على قارعات الطّريق الغربيّ والعلمانية المتطرّفة معربدة فينا تمسكل بكلّ مفاتح التّأثير والتّوجيه والقرار والإستبداد السياسيّ العاري الوقح يجعل حياتنا جحيما لا يطاق ويصنع قوارب الموت في المتوسّط وحتّى المثلية الجنسية فينا لها ركز وصولات. هل هناك قيمة واحدة من قيمنا الإسلامية محفوظة اليوم؟ أنّى لنا في هذه المحرقة القيمية الشّاملة أنّ ننتظر تفكيرا دينيا وفيّا في الآن نفسه لأصولنا ولواقعنا المعاصر معا؟ ليس هناك إصلاح جزئيّ فينا يمكن له اليوم أن ينجح. إلاّ إصلاحا شاملا جامعا يبدأ من المنهاج التّفكيريّ وينتهي بالدّولة ويمرّ بكلّ القيم ومنظومة الأسرة والمال والإجتماع. إمتلأت مواقع التّواصل الإجتماعيّ إمتلاء عجيبا بتحريم الترحّم على شيرين وظلّت تستجلب من النّصوص الدينية ـ وهي صحيحة الورود ـ الذي تستجلب ظنّا من سلالات ذلك التفيقه الجامد أنّ إستجلاب مليون مليون نصّ دينيّ صحيح الثّبوت كفيل بحسم المسألة. تلك هي أولى مطبّات التّفكير الدّينيّ عندما يجمد ويأسن. فلا تمييز بين مشرك وكتابيّ ولا بين مقاوم في صفّنا ومقاوم ضدّنا ولا بين مكان وآخر وزمان وآخر. تماما كما يفتون في الرّدة وفي غيرها : كيلة غشيمة بالجملة. ولعمري فإنّ أعدى أعداء الفقه هو الكيل بالجملة وعدم رعاية موجبات تغيّر الفتوى كما حقّق فيها الأوائل من مثل أسفار القرافيّ. لست مسرورا بالدّيمقراطية إلاّ بحسبانها مناخا ينفي الحظر على التّفكير ويفتح مجالات الإجتهاد دون رقيب دينيّ ولا بوليسيّ. ولكن كيف تلتقط أنفاسك وأنت تختنق بأنفاس متفيقهين لا يميّزون بين وسيلة وغاية. يقدّمون بين يدي الله ورسوله تقديما عجيبا وفي الآن نفسه يتغنّون بحناجرهم بسورة الحجرات التي أفتتحت بالنّهي عن ذلك التّقديم. لم يكن عليه السّلام ليحذّر من هؤلاء لو لم يكونوا الخطر الأكبر في الحديث الصّحيح الذي عدّ حديثا عن الخوارج. عدا أنّ خوارجنا (المعاصرين) يشربون من أبوال أمراء الخليج الذين نجحوا بأموالهم في تهميش مؤسّسة عظمى مثل الأزهر الشّريف. أما آن لنا أن نعلم أنّ الدّين سلاح ذو حدّين؟ أما لنا أن نعي أنّ النّظام السياسيّ الفاسد عندما يتقمّص الدّين فإنّه يجيّش به خوارج جددا جامدين فارغين يجنّدهم لخدمة مشروعيته وتأصيل شرعيته؟ ألم تنجح دولة الإمارات (العبرية) في إحتلال عقل إسلاميّ من أكبر عقول الإسلام (الدّكتور الشّيخ بن بية)؟ لم تسجن المملكة السّعودية وبدون أيّ وجه حقّ الشّيخ سلمان العودة؟ البوصلة يا حبيبي أجلى من النّجم في سمائه. هي بوصلة غربية صليبية صهيونية ماضية في طريق تأبيد إحتلالنا إحتلالا فكريا وذهنيا يوطّئ أكناف الإحتلال السّياديّ والماليّ والسياسيّ والعسكريّ. أما آن لنا أن نعي حقّ الوعي أنّ القرآن الكريم كلّه وحده لا يكفي لإستنباط إفتاء؟ أما آن لنا أن نطيع القرآن الكريم نفسه فنجمع إليه الميزان (الحكمة) حتّى نكون مطيعين لله سبحانه ولرسوله عليه السّلام؟ أليس ضلّ كثير من المسلمين (الخوارج مثلا وغيرهم) عندما ظنّوا أنّ القرآن الكريم وحده كاف؟ أليس الميزان(الحكمة) منزّلا من منزلات الله سبحانه جنبا إلى جنب مع منزّل القرآن الكريم؟ إلى متى يظلّ باب الفقه موصدا نتلهّى عنه بالعلم الذي لا ينشئ وعيا إنّما يملأ رأسا فحسب؟ أيّهما أفقه : أبو هريرة أم الفاروق؟ هذا أفقه وذاك أحفظ. هل تجرّأ ذاك يوما على الإفتاء؟ لا. لم؟ لأنّه لزم حدود حفظه وله به كلّ الثّواب. مصيبتنا في تفكيرنا وداؤنا الألدّ في منهاجنا التّفكيريّ. لو إنصلح هذا هدمت كلّ الحواجز دون النّهضة

خلاصة ألقى بها ربّي الذي أدلف إليه إدلافا

أنا مؤمن مسلم بحمده وحده سبحانه لا بعلم عندي. أنا إنسان لم يلغ الإسلام جبلّتي العاطفية التي تجعلني ألهج بالترحّم على شيرين بتلقائية الإنسان لا بتكلّف المسلم الشقيّ. الإسلام الذي تعلّمت منه أنّه يرحم بغيّا إسرائيلية لأجل سقياها رحمة لكلب ظامئ بموقها هو نفسه الذي يجعلني ألهج بالعاطفة ذاتها على شيرين بحسبانها حاملة للواء المقاومة الإعلامية ضدّ أعدى أعدائي في الوجود (الإحتلال الإسرائيليّ ) ولربع قرن كامل. لم أتعلّم من الإسلام أن أسأل عن دين الشّهم الكريم صاحب المروءة وهو يقاتل نيابة عنّي. أنا قاعد مع القاعدين وشيرين مجاهدة من المجاهدين. تلك هي الحقيقة التي لا يفلح متديّن في الأرض إقناعي بغيرها. الإسلام الذي علّمني أنّ الله عذّب إمرأة مسلمة في هرّة هو الذي يعلّمني اليوم أنّ أترحّم على شيرين والقلب يخفق لمقتلها والعين تذرف دموعا حرّى. بئس إسلاميّ إن حبست التّعاطف مع المقاوم الذي يجود بمهجته فداء لقدسي الحبيب. ذلك هو ديني الذي أدين به ربّي. وبهذه العاطفة ألقاه. لست من الذين يسيلون مدادا كمثل ماء البحر تصيّدا لنصوص تحرّم الترحّم على شيرين ولكنّهم يلوذون بالصّمت المخزي عندما يتعلّق الأمر بجريمة الدّولة العربية المتصهينة. لا. أنا بحمد الله عدوّ لهما معا كلّ العداوة : عدوّ الدّولة العربية المتصهينة وعدوّ الإحتلال ذاته. وخصم لمن يصمت عن جريمة تلك الدّولة وخصم لمن يصمت عن جريمة ذلك الإحتلال

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى