اراءاهم الاخباررأي رئيسي

عندما ترتدي السوق ثوب القيم وعباءة الإصلاح

يتبادل الجمهور عبر الشّبكات الاجتماعيّة وتطبيقات التّواصل مقاطع مرئيّة مكرّسة للإرشاد الاجتماعي والدعم القيَمي والحثّ على الفضائل، منها ما يحمل توقيع شركات تجاريّة تتحرّى تعظيم الأرباح في الأساس، وبعض هذه الشّركات تطاردها اتِّهامات بالاستغلال وانتهاك معايير التّشغيل وأخلاقيّات العمل أيضاً. يتعقّب هذا المقال اتجاهات مستجدّة تظهر بها السُّوق في أثواب قيميّة، عطفاً على مقاليْن سابقيْن “السوق وشعاراتها المضلّلة”، و“مجتمعات في قبضة السوق”.

شحن رموز الاستهلاك بالمعاني

لا غنى للسُّوق عن علامات تجاريّة وهويّات بصريّة تتمايز بها السِّلَع والخدمات بعضها عن بعض، ويُشَبَّع كلّ منها بمفاهيم مخصوصة وقيَم معيّنة تُحبَك مُقدِّماتُها وتُنسَج أحابيلُها في أذهان المجتمعات ووجدانها؛ بما يتجاوز حدود المنفعة المُتوخّاة من السِّلْعة أو الخدمة على نحو مجرّد. ترغِّب السُّوق جمهورَها بعلاماتٍ تجاريّة تُضَخّم في الأذهان وتُشحَن بمفاهيم ومعانٍ وقيم، وقد تدفع مجاراةُ هذه العلامات إلى المبالغة في شراء منتجات محدّدة ولو كانت مزيّفة؛ طلباً لألقِها دون منفعتها.

تصير العلامةُ التجارية قيمةً بحيالها بعد أن تُسخّر لها ارتباطاتٌ شَرطيّة في الثّقافة الإعلانيّة والمسالك الترويجيّة، بما يفسِّر اقتناءَ بؤساءِ الأرض بعض السِّلَع الرّديئة لأجل علاماتٍ مزيّفة تحملها. فقيمة العلامة تتجاوز عند جمهورها جدوى الاستعمال أو الوظيفة المجرّدة. تمنح القيمةُ المعنويّةُ للعلامات التِّجاريّة فرصَ التّفاوتِ السِّعريِّ الجسيم بين مُنتجات أو خدمات مُتماثلة تقريياً؛ على أساس ما تكتنزه من رسائل وما تفيض به من إيحاءات، وهو ما يُتاحُ اختبارُه في قوارير المياه المُعبّأة مثلاً وإنْ تفاوتت في جوْدتها أو مكوِّناتها المعدنيّة نسبيّاً.

توظيف القيم في السوق

تحرص السُّوق على الظهور في أثواب قيميّة وعباءات إصلاحيّة؛ عندما تجد مصلحتها في ذلك، فتتمسّح الشّركاتُ الربحيّة ببعض القيَم التي تحظى باهتمامٍ صاعد في مرحلة معيّنة سعياً إلى زيادة قيمة الشّركات المعنويّة مثلاً، ولهذه قيمة مادِّيّة مُقدّرة أيضاً في المؤشِّرات السُّوقية.

اختمرت في ثنايا السُّوق خبراتٌ مستجدّة تقضي بالترويج غير المباشر للعلامات التّجارية، وللسِّلع والخدمات ضمناً، عبر قنطرة تبدو من ظاهرها أحياناً أنها مبدئيّة صِرفَة ولا صلة لها بأيِّ ترويج أو دعاية

تتملّق السُّوقُ في هذا المقام نزعاتٍ صاعدةً بين الجمهور؛ لإدراكها أنّ الوعيَ الجماهيريّ ما عادت تنطلي عليه رسائلُ ساذجةٌ ومباشِرة كالتي دأبت على ترويجها في السّابق على طريقة “مشروب السعادة” أو “قهوة النجاح”، فالمنحى الذي استجدّ من بعد يقضي بربط العلامات التجاريّة بالقيَم والمفاهيم من مداخل أكثر عمقاً وذكاء؛ فيجوز الافتراض بأنّ المنطق الاستعماليّ للقيَم لم يختلف في جوهره عمّا سبق لكنّه جدّد أثوابه وبدّل طرائقه.

اعتادت السُّوق أن تُقدِّم ذاتها في لبوس القيَم، كما تجلّى في خطاباتٍ إعلانيّة وترويجيّة في مراحل خلت صارت موضوعاً للتندُّر من بعد؛ لكنّ السُّوق تستشعر اليوم بعناية فائقة ما يتفاعل لدى الجماهير من نزعات فتُجاريها وتدغدغها وقد تحاول أن تتمثّلها إنْ وَجدت في ذلك مصلحة لها، وقد تُراهِن أحياناً على الظُّهور في مواقف طليعيّة في التعبير عنها، ضمن عملية إعادة تَموضُع مدروسة في الحضور الجماهيري. لا يقضي هذا بتأثيم المادّة الدعائية المُفرَدة في السوق أو بالتشكيك في حقيقة مقصدها لمجرّد أنها تعبِّر في ظاهرها عن رسالة قيميّة أو اتجاه تصحيحي؛ فالنّقد موجّه في هذا المقام إلى المغزى الإجمالي لما تُبديه السُّوق من موسم إلى آخر من تكيُّف مع تحوّلات الذّائقة الجماهيريّة وتنامي الوعي الاستهلاكيِّ النّقديِّ في بعض وجوهه؛ عبر محاولات تملُّق ومجاراة لا يكافئها ترشيدٌ جوهريّ أحياناً.

الإعلانات القيمية مثالا

اختمرت في ثنايا السُّوق خبراتٌ مستجدّة تقضي بالترويج غير المباشر للعلامات التّجارية، وللسِّلع والخدمات ضمناً، عبر قنطرة تبدو من ظاهرها أحياناً أنها مبدئيّة صِرفَة ولا صلة لها بأيِّ ترويج أو دعاية. تُعبِّر المقاطعُ الإعلانية القيميّة المستجدّة بصفة واضحة عن هذا المنحى، فبعض الشّركات صارت تلجأ إلى التّصرّف على منوال هيئات النّفْع العامّ أو الجماعات الأخلاقيّة أو منظّمات المجتمع المدنيّ؛ كما تعبِّر عن هذا المنحى مقاطعُ مرئيّة تدفع بها إلى الجمهور؛ تضع الفكرةَ القيميّة، التي تبدو إصلاحيّة أو نقديّة أحياناً، في مركز العرض؛ بينما تُواري العلامة التجاريّة في الثنايا أو تتأخّر بها مع التوقيع الختاميّ للعمل المرئيّ.

اعلان

من شواهد هذا الاتجاه أنّ “موموندو” momondo وهي شركة دانمركيّة المنشأ تدير محرِّكات بحث للسِّياحة والسّفر؛ أنتجت مقطعاً ترويجيّاً شهيراً من دقائق خمس (2016) اتّخذته مادّةً لحملة تفشّت في الشّبكات. اشتهر مقطع “رحلة الحمض النوويّ” أو The DNA Journey الذي عُدّ دراسةً وإن لم تَسْتَوْفِ المواصفات العلمية علاوة على ثغرات مهمّة فيها حسب الناقدين. اعتُبر المقطع مادّة مناهِضة للعنصريّة السُّلاليّة والقومية الذميمة من خلال فحص علميّ مخبريّ ينقض تصوّرات النّقاء العرقيّ، لكنّ المادّة لم تُفهَم من قطاعاتٍ واسعة من الجمهور على أنها ذات غرض ترويجيّ لشركة ربحيّة، بما عزّز فرصها في الانتشار.

نجحت الحملة الترويجيّة في التفشِّي على نطاق واسع، لكنّ أسلوبها تنافى مع معايير البحوث والتّجارب العلميّة من وجوه عدّة؛ مثل الافتعال العاطفيّ وطبيعة المبحوثين وطريقة الإخراج. رُصِدت مآخذ كثيرة على هذه “التّجربة”؛ مثل طريقة حشد “المتطوِّعين المبحوثين” فجاء أنّ من بينهم ممثِّلين، وأنّ المشاركين اجتُذِبوا بمكافآت تَعِدُهم بالسّفر حول العالم وغير ذلك، وهو ما دفع الشّركة إلى إصدار بلاغ توضيحيّ للدِّفاع عن أسلوبها “العلميّ” المزعوم.

يبدو هذا المثال شاهداً على مَناحٍ تسلكها الإعلانات القيميّة التي لا يبدو من ظاهرها أنها مُكرّسة لترويج علامات تجاريّة أساساً. فالعِظَة الرِّساليّة النّبيلة التي تخرج بها هذه الشركات على الجمهور من شأنها تعظيم القيمة المعنويّة لعلاماتها التجاريّة، حتى صارت تُقدِّم ذاتها شريكاً مجتمعيّاً لتعزيز القيَم ودعم المبادئ وإنجاز الإصلاح؛ وهي تمارس ذلك بصفة انتقائيّة بطبيعة الحال تتخيّر بها بعض القيم دون بعض؛ بما ينسجم مع مصالحها.

سعي السوق إلى دور أوسع

يجوز الافتراض بأنّ السُّوق تتطلّع إلى تجاوُز دورها النمطيّ كي تصير موجِّهاً قيميّاً أيضاً. يرقى الأمر إلى محاولة مصادرة بعض القيَم والمفاهيم والأفكار أو السّطو عليها أحياناً بقصد أو بدون قصد، عبر تقديم العلامات التِّجاريّة في هيئة معبِّرة عنها أو دالّة عليها، فيُرجَى من ذلك أن يشحن وَهْجَها الرّمزيّ وأن يُكسِبها تقديراً إضافيّاً علاوة على تثبيت حضورها في أذهان المستهلكين المُحتمَلين. يصير اقتناءُ سيّارة من علامة معيّنة كنايةً عن التزام قيميّ ومسلك أخلاقيّ وتعبيراً عن حرص على إنقاذ الأرواح عبر ما يُقتطع من أرباح مبيعاتها لصالح مشروعات إنسانيّة مثلاً، كما يُوحِي بذلك مقطع إعلانيّ لشركة “هيونداي” Hyundai (2018).

تتملّص شركات إنتاج السّيّارات بهذا الخطاب الترويجيّ من أعباء أخلاقيّة تطاردها جراء مساهمتها في تلويث البيئة المتدهورة في الكوكب وارتباط السّيّارات بحوادث الطُّرُق التي تفتك بالأحياء، فيتأتّى لها الارتباط بدلالة مجيدة عبر تكثيف الرّسائل القيميّة من خلالها على نحو مُؤَثِّر قد تبتلّ معه المُقَل. يصير الإمساك بمفتاح السّيارة الذي تعلوه علامة تجاريّة مخصوصة، وهو ما يُشاهَد في المقطع الإعلانيِّ القيميِّ ذاته؛ مانحاً لانطباعات الامتياز الأخلاقيِّ والعطاء النّبيل؛ في منحى يخدم أنسنة السُّلوك الاستهلاكيّ وتزيينه في الأذهان والوجدان. أي أنّ الشركة الكورية الجنوبية انتقلت بهذا المقطع الذّكيّ من فكرة أنّ اقتناء السّيّارة يُفيد مشتريها إلى الإقناع بأنّ شراءها يعود بفوائد على آخرين أيضاً يستحقّون ذلك. تحاول العلامة التجاريّة بهذا المسلك تطويق ذاتها بهالة طيِّبة من الالتزام الإنسانيِّ والأخلاقيِّ والمبدئيِّ؛ وقد يخال المُشاهد أنّ “هيونداي” أو غيرها مبرّة خيريّة وليست شركة ربحيّة.

على هذا المنوال أيضاً؛ تعيد شركةٌ للطُّرود البريديّة تعريفَ ذاتها وإظهارَ خدماتها من زاوية الحرص على ربط الجمهور بعضه ببعض، كما في مقطع إعلاني (2016) يدور حول التّسامح والمودّة والسّلام، من خلال إظهار التآخي بين الطوائف والتعاطف المتبادل في زمن تتفاقم فيه الأحقاد والعنصريّة والإسلاموفوبيا. لا تتّضح الرِّسالة الترويجيّة الكامنة في إعلان “أمازون برايْم” Amazon Prime إلاً في مشهدها الختاميِّ، من خلال الإهداء المُتبادل بين إمامِ مسجدٍ وقسِّيسِ كنيسة عبر شركة الطُّرود التي تأتي بالهديّتيْن سريعاً إلى العنوانيْن في وقت مُتماثل. يُشار في هذا المقام إلى المنحى الواقعيّ في المقطع، فالشّخصيّتان حقيقيّتان ولهما حضورهما المحليّ في إنجلترا، وهو ما يُضفي مزيداً من المصداقيّة ويمنح الانطباع بارتباط الشّركة بالواقع. يصحّ اعتبار هذا الإعلان مساهمة محترمة وجديرة بالتأسِّي في مواجهة حمّى الكراهية، لكنّ ذلك لا ينبغي له أن يغفل عن الاتجاه العام لتوظيف القيَم والمفاهيم في التّرويج.

اختارت شركة أخرى للطُّرود البريديّة مدخلاً آخر؛ أوحت من خلاله بحرصها على مزيج من قيَم التّرابط والوفاء وروح المبادرة ومواكبة اهتمامات الجمهور في الزمن الشّبكي؛ مع اتِّخاذ شخصيّة شهيرة محوراً للحبكة. هذا ما فعلته “دي إتش إل” DHL تحديداً في عام 2019 مع نجم الملاعب محمد صلاح في مقطع محبوك بعناية معزّز بتشويق مُسبَق في مواقع التّواصل الاجتماعيّ.

يُظهِر مثالا شركتيْ الطُّرود كيفيّة اللُّجوء إلى القيَم النبيلة والمفاهيم الإيجابيّة في تنافس العلامات التِّجاريّة ضمن القطاع الواحد، وهو ما يتجلّى بوضوح في المنافسة الدؤوبة بين العلامتيْن الأشهر في المشروبات الغازيّة المُعولَمة “كوكا كولا” و”بيبسي كولا”، فلكلّ منهما مفاهيم محدّدة تدور حولها وإيحاءات قيميّة تبعث بها في مسالك الإعلان والتّرويج،

ثم إنّ هذه الموادّ الإعلانيّة والتّرويجيّة ذات الطّابع القيميّ تكتسب قسطاً مهمّاً من قيمتها التّسويقيّة ممّا يُحدِثه تلقُّفُها على نطاقٍ واسع من الجماهير، وهي مع الجدل الذي تتسبّب به أحياناً تصعد بمنسوب تداولها الشّبكي ومعدلات المُشاهدة إلى درجات مُذهِلة؛ كما تُساعِد على تثبيت العلامة التِّجاريّة وتعميق وَقعِها لدى الجمهور بتكرار المُشاهََدة وإطالة أمد الاشتغال والتّفكُّر بها.

من شأن هذه المواد الإعلانيّة أن تمنح علاماتها التِّجارية فرصاً أفضل للتكيّف مع خصوصيّة بعض المواسم ذات الطّابع الرِّياضيِّ أو الدِّينيِّ أو التّقليديِّ علاوة على مناسبات سنويّة متعدِّدة. من شواهد الحالة عربيّاً أنّ موسم رمضان من كلِّ عام صار موعداً مع موجة جدل عربيّة بشأن المقطع الإعلانيِّ لشركة “زين” للاتصالات مثلاً، بين مؤيِّد لمضمونه ومُعارِض. ممّا يُذكي الجدل أن تُلامس المضامينُ شواغلَ سياسيّة ساخنة في الإقليم العربيِّ، ويشتدّ الجدل مع افتراق تأويلات هذه المقاطع الإعلانيّة بين بيئة عربيّة وأخرى حسب خصوصيّاتها والتعبيرات المألوفة فيها، وفي النِّهاية يُرَسِّخ هذا الجدل مكانة المقطع ضمن أبرز المقاطع الإعلانيّة العربيّة رغم ما يلقاه من نَقْد.

النساء في البؤرة مجددا

ظلّت السُّوق ضالعةً في استخدام المرأة وتسليعها، لكنّ ذلك جرى من قبل بصفة فجّة للغاية مع نزعة ذكوريّة طاغية أحياناً استعملت المرأة واسطةَ ترويجٍ مظهريّة لإطارات السيّارات وشفرات الحلاقة وربطات العُنُق، وهو ما طرأت عليه معالجات نسبيّة دون التخلِّي عنه بالكامل.

انتهى الموقف ببعض أوساط السُّوق إلى تملُّق اتجاهات فيمنستيّة (فيمنيّة) أو الانخراط في ترويج العقيدة الجندريّة بصفةٍ ظاهِرة أو مُستَتِرة. يأتي في هذا الاتجاه، مثلاً، مقطع إعلانيّ بعنوان “مِثل فتاة” أو like a girl دفعت به شركة “أولْويز” Always للمنتجات الصِّحِّيّة النِّسائيّة سنة 2014، التي تتبع كبرى شركات الصِّناعات الاستهلاكيّة في العالم؛ “بروكتر وغامبل” P&G. يحاول المقطع كسر الصُّورة النّمطيّة عن افتراق الخصوصيّات بين الإناث والذُّكور وقد يُعَدّ مشبّعاً بنزعة جندريّة أيضاً. جاء المقطع على منوال حملة كبرى دفعت بها العلامة التِّجارية “دوف” Dove لمرطِّبات البشرة (2004) التي تتبع شركة “يونيليفر” Unilever كُرِّست لإظهار ثقة نساء أكبر سنّاً بتراجُع نضارة البشرة وظهور التّجاعيد وتجاوُز انطباعات سلبيّة في هذا الشّأن.

اعلان

وبعد عقود من النّقد الموجّه إلى الشّركات المُنتِجة لشفرات الحلاقة الرِّجالية بأنها تستعمل النِّساء لأهداف ترويجيّة في إعلاناتها؛ دفعت “جيليت” Gillette التي تتبع “بروكتر وغامبل” P&G أيضاً بمقطع إعلاني (2019) أثار جدلاً واسعاً بين مؤيِّد ومُعارِض، على خلفية ما عُدّ تعميماً لصفات سيِّئة على الرِّجال بما يتّصل بجدل أثارته موجة MeToo المكرّسة للإفصاح غير المسبوق عن التّحرُّشات الجنسيّة واستغلال النِّساء في المجتمعات. يبدو أنّ المقطع الذي حمل عنوان “نحن نعتقد” أو We Believe تناغَم مع نزعة تذكير الشرّ وتأنيث الضحية. انظر مقال سابق: رقصة “المغتصب أنت” وسرديات تذكير الشرور

    

   

تميل مزيد من المواد الإعلانية الترويجية إلى إظهار النساء بصفة مُغايِرة لمناحٍ نمطية سادت من قبل؛ فبعض الإعلانات صارت تُظهر نساءً أكثر ثقة بالذّات واعتداداً بها. قد يُعبِّر ذلك في جانب منه عن اتجاه تصحيحيّ مبدئي، وقد يشي في جانب آخر منه بتأثير العنصر النِّسائيّ في خطوط إنتاج بعض هذه المواد ضمن الوكالات الإعلانية؛ لكنّ الاتجاه العامّ يشير بوضوح إلى قدرة السُّوق على مجاراة التّحوّلات الثّقافية وتملُّق النّزعات الجماهيريّة، وهو ما يتجلّى في سوق الأزياء مثلاً المشبّع أساساً بطرائق تسليع المرأة واستعراضها جسدياً وتحويل تبختُرها على المنصّات إلى مادة فُرجة وتلصّص تقتنصها الالتقاطات المصوّرة. تقمَصت السُّوق شعاراتٍ فيمنستيّة (فيمنيّة) بما أثار جدلاً في الأوساط المؤدلجة في النّظر إلى هذا المسلك الذي جاء واضحاً على منصّات الأزياء والغناء الجماهيريّة، فصار من المألوف إبراز مقولات وتعبيرات صريحة مستلّة من هذا المشرب على تصاميم تخرج بها دور الأزياء ومتاجر الملابس الشهيرة.

يمضي المنحى إلى مصادرة مفهوم صاعد لصالح علامة تجاريّة تتأهّل بقوّة الضخّ الدِّعائيّ للتأثير في الدلالات المفاهيميّة للمصطلح وممارسة أقدار من الإضاءة والإعتام على القيَم والمفاهيم والأفكار والدلالات حسب ما ترتئيه السُّوق من مصالح مركّبة. أي أنّ هذه المواد الدعائية ليست مجرّد انعكاس للواقع الذي تخاطبه بما فيه من تحوّلات؛ فهي تؤثِّر في هذا الواقع أيضاً من وجوه عدّة؛ وقد تنجح في المساهمة في توجيهه أو مصادرته نسبياً؛ دون أن تغيب السُّوق ومصالحها عن ذلك في عاجل الأمر أو آجله.

لم يبلغ التّطواف منتهاه، فالمقال التالي يواصل الجولة في السُّوق بمنظور ناقد وعين فاحصة.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق