اراءاهم الاخبار

عقدة الغرب: قابعون في القفص الذهني الغربي

سطع “الغرب” فأخذ بالألباب، وصَعَدت في أوساط العرب والمسلمين خطاباتٌ تنعى على الأمّة ضمورها الحضاريّ أو تُذكي حسرتها الغامرة إزاء ما ترَى من مراتب الرقيّ والتقدّم التي بلغها “الآخرون”. ليس هؤلاء “الآخرون” سوى “الغرب” غالباً، وهل من “اتجاه إحداثيّ” آخر سواه يشغل الوعي؟ هيْمنت ثنائية “الغرب ونحن” على محاولات إصلاحية عبر قرنين من الزمن، وبدت مبرّرة مع الفجوة الماثلة في الوعي كما يعبِّر عنها سؤال الحسرة الحضارية: “أين صاروا .. وأين صِرنا!”.

ليس “الغرب” غرباً

تنتمي مفردة “الغرب” إلى قائمة التعبيرات الملتبسة والمضطربة والفضفاضة المتداولة. فليس الغرب غرباً بالمعنى الجغرافي الدقيق، لأنه يشمل رقاعاً واقعة في أقصى الشرق أيضاً مثل أستراليا مثلاً، ويستبعد أخرى واقعة في مغرب الأرض. وهو ليس محدّد الدلالة على أقاليم مخصوصة دون سواها، وقد يُوحي بتقسيم العالم إلى فسطاطيْن متقابليْن؛ إن كان لا بدّ للغرب من شرق يقابله. ثمّ إنّ تصنيف المعمورة على غرب وشرق ليس الخيار الأوْحَد في خطابات عالمنا، التي تعرف “الشمال” و”الجنوب” مثلاً، وهذا الأخير تصنيفٌ نهض في القرن العشرين على أسس اقتصادية/ اجتماعية بين أمم متصدِّرة “تملك” وأخرى متراخية “تحتاج”. وعبّر “الغرب” في منطق الحرب الباردة عن كتلة رأسمالية مقابلة للكتلة “الشرقية” ذات المنزع الاشتراكي.

يبقى هذا في مجموعه غيْضاً من فيْض التصنيفات السابغة التي بلغت مبلغها من التعسّف في بعض الخطابات المحسوبة على أهل النظر الأكاديمي؛ برسم خطوط صَدْع بين الدوائر الحضارية في عالمنا، كما فعل صموئيل هنتنغتون في مقاربته المثيرة للجدل “صدام الحضارات”. وإن تحدّثت خطاباتٌ محسوبة على العالم العربي والإسلامي عن “الغرب”؛ فإنّها ستضع أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية في مركزه، وقد ينفتح التصنيف في التصوّر ليشمل أمماً وأقاليم محسوبة على “الغرب” ذاته أو ينغلق دونها. من شأن مفردة “الغرب” الهلامية هذه أن تنعكس على طبيعة التصوّرات المتعلقة بها أيضاً فتنزع إلى صيغ تعميمية ومقاربات تعسّفية وتخمينات متضاربة، بما يفرض الحَذِر في تناول مفهوم “الغرب” وقد تقتضي الإشارة إلى دلالته المُتصوّرة أو المفترضة.

عقدة الغرب
يتلبّس “الغرب” خطاباتنا على تَفَرُّق مشاربها وتنازع أهوائها؛ فإن باشر أحدُنا شرحَه في أيِّ موضوع كان؛ انتُظِر منه أن تتّخذ إشاراتُه إلى “الغرب” سبيلها في حديثه عجباً

تُطِلّ كلمة “الغرب” -أو ما يشي بالكناية عنها- بكثافة ظاهرة في مقامات المخاطبة المتعددة الرائجة في الواقع العربي؛ كما يعبِّر عنها طبيبٌ وواعظ، وإداريٌّ ومعلِّم، ومستثمرٌ وأجير، وبائعٌ ومُشترٍ، وحاكم ومحكوم، وصحفي وفيلسوف، وكاتب ومدوِّن، وغيرهم آخرون. شاع التعبير عن نزعة تقابلية أو تفاضلية، مثلاً، بأساليب رائجة، كأن يُقال إنّ “لدينا هذا وذاك قبل أن يكتشفه الغرب بمئات السنين”، أو “أنهم في الغرب بلغوا من التقدّم مبلغه، ونحن عالقون في دركات التخلّف”. يمضي آخرون إلى استبطان “الغرب” نموذجاً مرجعياً في الوجهة والفحوى والتفاصيل، كما يتجلّى في ثنايا المنطوق وشواهد المفعول، فلا يكون النِّتاج المتوقّع من المنجرفين مع النزعة، في أفضل حالاته؛ سوى تقليد لأصل لم يَحصُل التحقّق من ملاءمته أو جدواه.

نادراً ما اكترث القوم بثقافات الصين أو الهند، أو بالثقافات الآسيوية عموماً، كما غابت أفريقيا جنوب الصحراء برمّتها، وتوارت أمريكا اللاتينية في ظلال الوعي. وإنْ نالت هذه الثقافات أقساطاً من الاكتراث الانتقائي بها من قبل؛ فربّما حصل هذا عبر قنطرة  غربية، أو لعلّها وجدت سبيلها إلى الاهتمام والقبول بعد اجتيازها مشروعيةً ذهنية تجود بها المرجعيةُ الغربيةُ المُستبطَنة في وعينا الجمعي. ظلّ الوعي بالدوائر الثقافية المتنوعة؛ يمرّ غالباً عبر مُرَشِّحٍ غربي، وتسبّبت النظرة “المستوردة” نحو أمم أخرى، في تمرير أحكام مُسبَقة وقوالب نمطية رائجة في بيئات غربية عن شركاء العالم، فوجدت شُحنَة السذاجة سبيلها إلى الوعي دونما تمحيص.

ينتصب الاستدعاءُ الغربي على هذا النحو عنواناً لعقدة مُزمِنة طمَست وَعْيَ بعضنا بالعالم الذي لم نعترف به كما ينبغي، فالعالم في هذه الأذهان لا يُطابِق جغرافيا الأمم والثقافات ولا تقاسيم البلدان والقارّات، وتصوُّره الزائف لا يُطابق المُتصوّر في واقعه، وهي علّة حاضرة لدى الأمم جميعاً في إدراكها القاصر للعالم. وإنْ حاول بعضُنا كبْحَ الانجراف وسَعَوا إلى اكتشاف الأمم وثقافاتها؛ من مغرب الشمس إلى مشرقها؛ فقد يباشرون معاينتَها بمنطقٍ أوروبي – غربي أُشرِبُوه في قلوبهم، أو قد يتحرّون إدراكَها عبر نظّارة غربية غفلوا عمّا سواها، بما يُسقِط تأويلاتٍ متحيِّزة وظِلالاً مستورَدة تُعيق تشكيل مفاهيم مستقلّة عن هذه الأمم والثقافات؛ وربّما عن الذّات أيضاً، بما يعبِّر عن نزعة استشراق ذاتي لها شواهدها المبثوثة في الأفق العربيّ.

هيمنة المعيار الغربي
ينتصب المعيارُ الغربيّ – القائم في الواقع أو المتصوّر في الأذهان – في الوعي الجمعي في مقامٍ مرجعيةٍ ثقافية أو ذهنية تُشِعّ بتأثيراتها وتفرض سطوتها وإن لم تقع المصارحةُ بذلك

يتجلّى هذا، مثلاً، عندما يعزِّز أحدُهم فكرَته أو مقترحه بأنّ الأمر الذي ينادي به “مُجرّب في الغرب”؛ حتى يكتسب من فَوْرِه مصداقيةً أو يحوز من تِلقائه أهميةً، فيجتاز القنطرة. ولا يُقال مثلُ تصريحاً فقط؛ فقد يُدفَع بتعبيرات محسوبة على البيئات الغربية لتشفع للقائل قوله وتتحقّق له بها المشروعية المعنوية المنشودة، وهو ما يُساهم، مع متلازمات أخرى، في تفسير إقحام مفردات أوروبية على سياق حديث أحدهم بتكلّف ظاهر. فللمعيار الغربي المُتصَوّر سطوَتُه على الأذهان، ومن ذلك أن يكتسب الفعلُ مشروعيّته من سابق تجريبٍ غربيّ، وقد لا يصير الإبداعُ إبداعاً عند بعضهم إن لم يوافق منحى غربياً متقدِّماً عليه؛ بما لا يُخرجه بالتالي من مسالك التقمّص والمحاكاة وإنْ عُدّ ابتكاراً ناجزاً في بابِه.

ما لم تتحرّر مجتمعاتُ العرب والمسلمين وما يسمّى “العالم الثالث” عموماًَ؛ من هذه السطوة المهيْمنة على الأذهان والوجدان؛ فستواصل قياس تَقدُّمِها بمعيار غيرها؛ ليتجلّى الإنجازُ في أفضل حالاته نسخةً مقلّدة؛ ما إنْ يُقتدَرَ عليها حتى يُلحَظ أنّ الأصل قد تجاوزها بأشواط، فتطارد المجتمعاتُ ذاتُها نسختَه الجديدة التي قد تبلغها بتقليدٍ يحاكي الأصل ولا يجرؤ على تجاوزه. فالنجاح لدى بعض القوم يكتسب مشروعيّته من أسبقية التجريب الغربي ولا يقوى على التفكير بتخطِّي المعيار النموذجي قيْد أنملة وإلاّ دبّ الشكّ في جدواه؛ وقد يأتي بعض التجاوز في مقام الاستشراف لما سيكون عليه “الغرب” المُتصوّر في اليوم التالي لا أكثر. كيف لِنهوضٍ أن يتأتّى مع ارتهانٍ أعمى لنمطيّاتٍ في التفكير تُهَيْمن على الوعي الجمعي بتأثير المألوف والمُتواطَأ عليه ممّا لا يصحّ تبريره؟ لا غنى عن تجريد الأذهان من قوالبها وانفكاك التفكير عن أحكامه المُسبَقة، والتحرّر من نفسية القابعين في ذيْل المقطورات؛ الخاضعين في نظرتهم الى العالم والأشياء لمعايير غيرهم الذين يُحسَب استفرادُهم بالقاطرة، فيصير تقدّمهم المنشود، إن تحقّق، نسخةً مقلّدة وحالةً ملفّقة.

يُغوي التقمّصُ بتضليلِ الذات، عبر انتحالِ مظاهر “التقدّم” دون جوهره والاكتساء بغلاف “التطوّر” دون فحواه، فيُسرِف القوم في تشييد ناطحات السّحاب كنايةً عن بلوغ المَجد، في محاكاةٍ للنموذج التأسيسي الأمريكي؛ مع زُّهْدهم في المَجد ذاته وتنكُّرهم لأسبابه وخذلانهم لشروطه. وقد يستزرعون فروعاً لأفضل الأكاديميات الغربية التي يطلبون بريقها في تضليل للذات لن يزيدهم إلاّ رهقاً؛ إن لم يُفارقوا القفص الذهني الذي استطابوا المكوث فيه.

ومن هيمنة النموذج الغربي على الأذهان والوجدان أنْ تُستبطَنَ صورةُ الإنسانِ المحسوبِ على “الغرب” المُتصوَّر؛ معياراً للهيئة والتصرّف تعبيراً عن العقدة ذاتها أو انصياعاً لآصِرة شرطية تربط التقدّم بالشكل، حتى يصير الأسمرُ الناجحُ مَن يبدو في عيونهم شبيهاً بالأبيض، أو أنْ يُعَدّ “الشرقيَّ” المتقدِّمَ مَن تأهّل للتصرّف على منوال “الغربي”؛ تبعاً لقوالب نمطية وأحكام مسبقة لها سلطانها على الوعي وما يترتب عليه من السلوك والاختيار. في هذا -وغيره من المتلازمات- ما يُعين على تفسير انجرافِ شعوبٍ وأقوام إلى تغييرٍ مخصوصٍ في ملامحها بما يقترب من هيئة النموذج المتصوّر ذاته، بإحداث تحويرات شكلية باستخدام مساحيق وأصباغ وبإعمال مبضع الجرّاح في تضاريس الوجه، طلباً للتماهي مع الإنسان المعياري كما تتصوّره الأذهان.

“العالم” .. أو “الغرب” بالأحرى

يَسطع “الغرب” مستحوذاً على موقع “العالم” بحياله في الوعي الجمعي لأوساطٍ عريضة من مجتمعاتنا، ومن الشائع أن يكون “الغرب” هو المغزى المُستبطَن من مفردة “العالم” التي تستحضرها بعض الخطابات، فإنْ أُسبِغ وصفٌ “عالميّ” على أمرٍ ما؛ فإنّ “عالميّته” هذه لا تعني في حالات شتى سوى أنه “غربيّ” بالأحرى. تشي الحالةُ بإعراضٍ جسيم عن بيئات واسعة في المسكونة الفسيحة؛ وبتجاهلٍ ذميم يُمارَس إدراكياً مع أممٍ وثقافاتٍ ومجتمعاتٍ متنوِّعة من رقاع شتى؛ وقد تكون عالقةً – مثلنا – في القفص الذهني ذاته.

يجسِّد الموقف من أفريقيا جنوب الصحراء هذه المعضلة بوضوح، فهي مُعتِمة في وعينا الجمعي كما وَعْي العالم بأسْره تقريباً، وإن أُضيئت جزئياً فإنّ الأنظار تنصرف نحو بُؤَر معدودة تُختزَل فيها قارّةٌ عظيمة، مع سطوةِ قوالب نمطية تتفرّع عنها أحكامٌ مُسبَقة تعميمية جائرة بحقِّ أمم وشعوب وقبائل. يتجلّى مثالُ الوعي الجمعي بأفريقيا صريحاً في كشفه عن قصور رؤى جادلت وأكثر الجدال في ضرورة “الإقلاع الحضاري” والانفتاح على العالم؛ لكنّها ظلّت أسيرة أقفاص ذهنية لم تجرؤ على تجاوزها، رغم أنّ أبوابَ الأقفاص مُشرَعةٌ لمن اجترأ على استراق النّظر من حوله. يقتضي الانعتاقُ الفكري والانطلاق الإصلاحي مفارقةَ القفص الذهني، غربياً كان أم غير غربيّ، بما يُتيح التحرّر الوجداني من قضبانٍ تُحاصِر الوعي؛ وبما يحفِّز النظرَ المتوازن إلى التجارب الإنسانية المتعدّدة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها؛ بمعزل عن سذاجة الانبهار أو سقطة الازدراء.

تُنتِج عقليةُ اللِّحاق بالغرب، في أفضل حالاتها، نسخةً رديئة مُقلّدة عن الأصل، ستضطر إلى اللِّحاق المستمرّ بالغرب كما تتصوّره لا كما هو عليه في الواقع على الأرجح، ولن تنفكّ في اعتماديّتها التبعية هذه على غيرها عن إحساس عميق بالعجز عن مجرّد تكوينِ نظرةٍ مستقلّة إلى العالم

لا ينفكّ عن هذا المنحى بعضُ الاهتمام الذي انصرف إلى أفريقيا، مثلاً، باسم العمل “الإنساني” أو “الخيري”، فكثير منه اقتات أساساً على القوالب النمطية عينها بما تنضح به من أحكامٍ سابغة، واستَبْطَن انتفاءَ الشراكة التفاعلية المتبادلة باكتفائه بمنطق “العطاء” من يَد عُليا إلى يَد دُنيا. ثمة خطاب “دعويّ” رائج لازَم هذا المنحى وتواطأ معه، لم يَرَ في أفريقيا سوى مساحاتٍ للبلاغ الذي ينهض على مفهوم إسماعيّ أحاديّ الوجهة لا يَكترث بتفاعلية مُتبادَلة، في ما صعدت خطاباتٌ من الأوساط ذاتها حثّت على “الأخذ من الغرب ما ينفع”؛ وكأنّ الأخذ لا يكون إلاّ من “الغرب” دون سواه. ليست المعضلة في أعمال البرّ ولا في حمل نبراس الهداية بين الأمم؛ وإنما في حصر التفاعل مع أمم شتى في مجاليْ العطاء والتعريف بوجهتهما الأحادية، أو حتى باكتفاء الأخذ منها في استقدام عاملين وعاملات من بيئات “العالم الثالث” للاستخدام العضلي والخدمي في أعمال شاقّة أو مُستحقَرة في مفهوم بعض المجتمعات؛ وقد تكون عندها إلى العبودية أقرب.

لم تكترث خطابات عربية رفعت لواء “العلاقات العامة” و”تحسين الصورة” و”الدبلوماسية الشعبية” بأفريقيا بأسرها، باستثناء نقاط منها في أحسن الأحوال؛ مثل جوهانسبرغ وكيب تاون المحسوبتيْن على “الغرب الأبيض” أحياناً. وإنْ تحدّث القوم عن جهود وحملات تخاطب “الرأي العام العالمي”؛ يكون مفهوماً أنّها تتوجّه إلى مخاطبة “الغرب” على الأرجح، فهو الذي يفترش وعيَنا ونختزل به عالمَنا ونطلب انطباعاتِه الحسنة عنّا، فالعالميّ عند بعضنا هو الغربيّ بالأحرى وإن تَعَوْلَمت مظاهره. في الخلفية النفسية لهذا المسلك؛ أنّ بعضاً من قوْمنا يطمعون بظهورٍ أفضل في مرآة غربية تُلتَمس منها شهادات الجدارة المعنوية؛ أمّا الأقاليم غير المحظية فمحجوبة عن هذه الأمانيِّ بما تستثيره من جهود ومن مساعٍ يطارد بعضها السّرابَ تحت عنوان “تحسين الصورة” أو غيره.

حوار الحضارات أم مجالسة الغرب؟

تُسفِر المعضلة عن ذاتها في “حوار الحضارات وتلاقُح الثقافات” أيضاً. فالجهود المبذولة في هذا المسعى تكاثرت دون أن تتجاوزَ معظم وجهاتِها واشنطن ونيويورك ولندن وباريس وحواضر أوروبية معدودة، وكأنّ “الحضارات” المقصودة و”الثقافات” المعنيّة هي ما تُنسَب إلى “الغرب” أو به تتّصل. لا تكمن المعضلة -في هذا السياق- في حوار مُفترَض مع “الغرب” وإن نهضت بعض خطاباته وتطبيقاته على فرضيّات ساذجة ومضامين سطحية ومبادرات شكلية واستعمال دعائيّ؛ وإنّما في تجاهل ما سواه من الثقافات والأمم، أو أنْ لا يبدو في العالم سوى “الغرب ونحن”. إنّ حَصْر “حوار الحضارات” في قطبية ثنائية على هذا النحو لم يعبِّر عن نضوج تجربة الحوار هذه. فالإقرار بالتنوّع الثقافي، بمفهومه الشامل، ودعمه وتشجيعه واقعاً عملياً لا تملّقاً لفظياً؛ ممّا لا غنى عنه لحوار راشد بين المحسوبين على الحضارات والثقافات والأمم والمجتمعات؛ إن كان التوجّه إلى مثل ذلك جادّاً بحقّ. ينبغي أن تتحوّل العملية، على افتراض اشتغالها، إلى فرصة تلاقٍ وتلاقُحٍ فعّالة بين المحسوبين على خلفيات حضارية وثقافية متعددة. وينبغي أن يضمن ذلك تكافؤ الفرص في المشاركة والتحاور وكسب التضامن والتفاعل النقدي الصريح دون الارتهان إلى معيار أحادي المنشأ أو الوجهة، فتكون طاولة مستديرة تتحاشى التمركز والاستقطاب أو تعطيل بعض القيم الإصلاحية في سبيل مداهنة أرباب النفوذ ومراكز القوى في عالم واحد.

دون الانفتاح على خرائط التنوّع البشري والتعدّد الثقافي على رقعة العالم؛ ودون الاعتراف بأمم وشعوب وقبائل وألسُن وألوان تتشاطر الكوكب وتتشارك وحدة الأصل وتتقاسم المصائر بمفهومها الإنساني الجامع؛ سيبقى “حوار الحضارات” في نسخه النمطية التي مضى بها تعبيراً عن عقدة “الغرب” من جانب؛ ومسعى عاجزاً لاحتواء هواجس الصِّدام المتذرِّع بخطابات ثقافية من جانب آخر، بينما سيواصل آخرون تصعيدَ حروب الأفكار تحت ستار الحوار الحضاري والديني أحياناً أو “مكافحة التطرّف” أحياناً أخرى؛ وغيرها من شعارات المرحلة التي تتستّر بها أهواء متفرِّقة.

عجز عن نظر مستقل إلى العالم
يفرض المعيارُ الغربي المُتصَوَّر هيْمنتَه على الأذهان والوجدان بسطوة المركزية الغربية، فيَقصُر التفكيرُ عن تجاوز نمطيّاتٍ تحظى بالتمجيد لسلطان المألوف عليها ولاتِّصالها بالمعيار الغربيّ المفترض، وقد تستثير محاولات التجاوُز نقداً وتأنيباً بلغة صريحة أو إيحائية مدجّجة بتعبيرات عن العقل والعلم والعصر والحداثة أو ما بعدها. من شأن هذه العقدة أن تتصرّف مع أفكار عالمها بمنطق يرى فيها نهايةَ التاريخ أو شيئاً من هذا القبيل، وأن لا تمنح طرفاً سوى “الغرب” المتصوّر حقّ تجديد هذه الأفكار والأساليب والطرائق، بما يُعَطِّل الاشتغالَ النقديّ فيها ومعها أيضاً؛ وكأنّ ما كان في الإمكان أبدع منها في حاضر البشر ومستقبلهم. وإن استعمل القومُ تعبيراتِ النّقد والمراجعة والتجديد فإنهم يعكفون بهذا، غالباً، على حصر اشتغالها في ما يُحسَب على الذات، وقد يأتون ذلك بمنطق يتّهم أنفسهم أو بخطاب يزدريها، دون أن يجرؤوا على مراجعة أفكار “عالمهم”؛ الذي هو الغرب تقريباً ثمّ يغيِّر بعضهم موقفهم إن عَلَت من المنابت الغربية عينها خطاباتُ المراجعة الناقدة للأفكار المحصّنة في الوعي.

إنها وصفة مثالية للقعود والتخلّف إذ تَطلُب المُنتَجَ النهائيَّ للأفكار والطرائق والأساليب من مركزيةٍ غربية تتقمّص مظاهرَها وتتحرّى إفرازاتها وتتلقّف مفاهيمها وتستنسخ مصطلحاتها نسخةً بعد نسخة؛ حتى دون أن تجرؤ على محاكاتها في أساليب الاجتراح المتجدِّد؛ لاكتفائها بعقلية تتحرّى انتظارَ ما يجود به المصدر؛ بدل التهيّؤ للإبداع المستقلّ في مظّانه. واهِمٌ من يَرقُب نهوضاً ناجزاً أو يتوقّع تقدّماً راشداً من القابعين في قفص ذهنيّ؛ العاجزين عن استيعاب ما هُم فيه وإدراك ما هُم عليه، ممّن لا يعترفون بواقعهم ولا يُبصرون عالمهم، وقد ينشغل بعضهم في التنظير لإطالة المكوث بين قضبان تُحاصِر وَعيَهم جيلاً بعد جيل.

اظهر المزيد

حسام شاكر

باحث متخصِّص في الشؤون الأوروبية باحث ومؤلف، استشاري إعلامي، كاتب ومحلل في الشؤون الأوروبية والدولية وقضايا الاجتماع والمسائل الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق