اراءاهم الاخباررأي رئيسي

عشرون رمضان : فتح مكّة

لأيّ غرض قدّر الله سبحانه أن يحتضن رمضان في عهده عليه السّلام أحداثا ثلاثة كبرى (فرقان بدر الأعظم ـ فتح مكّة ـ تبوك)؟ لا أظنّ أنّه سوى لنعلم ـ علم العاملين لا ترفا ـ أنّ الصّوم دافع إلى العمارة والتّحرير. وليس إلى العبادة الفردية السّاكنة فحسب. كلاهما مطلوب. وهما صنوان متكافلان. وليس خصمين لدودين

نظرات في فتح مكّة

النّظرة الأولى : خزاعة هي كلمة السّر في ذلك الفتح

السّبب المباشر الذي جعله عليه السّلام يسير إلى مكّة في جيش عرمرم لم يكن بغرض فتحها إذ هو مازال إلى حدّ اليوم في حالة تعاهد مع قريش. تعاهد مدّته عقدا كاملا من الزّمن وأبرم في الحديبية قبل عامين فحسب. إنّما كان السّبب المباشر إلى ذلك هو الوفاء بعهد آخر نظمه في الحديبية نفسها مع قبيلة خزاعة المشركة. إذ إختارت تلك القبيلة جوار محمّد عليه السّلام حلفا سياسيا وعسكريا في أعقاب وثيقة صلحية إعترفت به ـ عليه السّلام ـ لأوّل مرّة. وفتحت أبواب الحرّية أمام النّاس لينتمي من شاء منهم إلى قريش أو إلى محمّد عليه السّلام ولا يخاف شيئا. ذلك أنّ خزاعة ـ حليفته ـ تعرّضت إلى عدوان في مكّة وشارك في العدوان رجال من قريش. فعّلت خزاعة عهدها مع محمّد عليه السّلام فلبّى عليه السّلام نداء حلفائه وسار بجيشه سرّا بعد أن كاد يكشف ممّا أتاه حاطب عليه الرّضوان. ولمّا رأت قريش قوّة الجيش وتنظيمه العسكريّ المحكم ومع ذلك عامل المفاجأة خارت قواها وأعلنت الإستسلام. وبذلك فتح الله سبحانه على نبيّه مكّة فتحا سلميّا. وأنزل سورة النّصر لتكون البنت البكر لسورة الفتح. كانت الحديبية فتحا لأسوار الحرّية وجاء فتح مكّة نصرا. فلا نصر إذن إلاّ من بعد فتح. فتح الحرّيات أوّلا ثمّ يليه النّصر وليس العكس. خزاعة كلمة السّر معناها أنّه عليه السّلام لمّا نزّل فوق الأرض قوله سبحانه (فما إستقاموا لكم فاستقيموا لهم إنّ الله يحبّ المتّقين) أكرمه الله سبحانه ـ جزاء وفاقا ـ بفتح مكّة الذي كان سيتأخّر عقدا كاملا من الزّمن بمقتضى عهده مع قريش. العبرة من هنا هي أنّ قربى التّقوى المتمثّلة في الوفاء بالعهود مع غير المسلمين والمحاربين جزاؤها قريب بل كبير وعظيم وما كان ليكون لولا ترك ذلك للتّدبير البشريّ. هل يقبل المسلمون اليوم أنّ التّقوى هي الوفاء بالعهود مع غير المسلمين؟ هل يقبل المسلمون اليوم أنّ نصر غير مسلم على غير مسلم إمّا عهدا أو وفاء لقيمة الحقّ هو تقوى؟ عندما نفيء إلى ذلك لنا أن ننتظر فتوحات مثل فتح مكّة وأكثر من ذلك

النّظرة الثّانية : السّابقة شرف ومظنّة مغفرة

تجلّى ذلك في حاطب إبن أبي بلتعة عليه الرّضوان. وأنزل فيه سبحانه سورة مدنية كاملة هي سورة الممتحنة. وقال في ذلك عليه السّلام معليا قيمة السّابقة التي عادة ما يزدريها الجدد إنتماء (لعلّ الله إطّلع إلى أهل بدر فقال إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). لم تكن السّابقة فحسب هي التي جلبت المغفرة. إنّما كذلك إخلاص حاطب فيما أتاه. إذ لم يكن يقصد خيانة لله أو لرسوله عليه السّلام أو تخابرا أمنيا عسكريا مع دولة أجنبية إنّما خانته الحكمة فحسب. لو كان سابقا فحسب ولكنّه إقترف الخيانة العظمى سيما في حالة حرب وعدوان فإنّه ما كان ليجني من الله ورسوله عليه السّلام ما جنى. السّابقة قيمة علينا رعايتها وتربية النّاشئة الجديدة عليها خاصّة. معرفة الفضل لأهله قيمة إسلامية. السّابق يظلّ سابقا مهما ضعف أو خار ما لم يرتدّ بالكلّية. وقد قالت العرب أنّ الفضل للمبتدي ولو أحسن المقتدي. سابقة حاطب كانت مضاعفة : فهي سابقة هجرة وسابقة البدرية. سابقة السنّ نفسها كذلك سابقة. ولذلك قال عليه السّلام (ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقّه). وسابقة العلم كذلك. وليس الإحسان إلى الوالدين إلاّ ترجمة لتلك السّابقات. إذ هما من ولدا وعلّما وأنشآ. ولذلك قال عليه السّلام (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم). كثير من المتّقين يجهلون هذا إذ تنصرف إقالاتهم وإحساناتهم إلى الضّعفة فحسب. الإقالات تشمل السّابقين والضّعفة وذوي الهيئات سواء بسواء. هي حكمة الحياة التي لا يستقيم فهم القرآن الكريم نفسه ولا تنزيله إلاّ بها. في بعض الأنظمة والحركات تنشأ لجان أو دواوين لشؤون المناضلين والسّابقين. وهذا فقه صحيح للحياة. وليس منظورا ممّن يتجاهل السّابقين أن يتزكّى ذرّيته والمنتمين الجدد بما يجعلهم للقيم الإسلامية حفّاظين. الإنسان يحتاج إلى التّكريم. وهذا لا ينافي تكريم الله إيّاه يوم القيامة. هذا إبراهيم الخليل ـ وهو من هو ـ أغدق الله بخير الدّنيا (وآتيناه أجره في الدّنيا). ولم يشغب ذلك على أجره في الآخرة (و إنّه في الآخرة لمن الصّالحين). ولذلك أكرم عليه السّلام أهل الفضل في كلّ فنّ ومهارة بكلمات حانية دافئة في حضرة النّاس. الذين يجتنبون ذلك بإسم الرّياء وقطع الأعناق لا يأمنون على أنفسهم من الرّياء كما قال حجّة الإسلام الغزاليّ في مشروعه الإحيائيّ الكبير. إذ المبالغة في نبذ الرّياء رياء. وللشّيطان مداخل لا يكشفها عدا الخلّص

النّظرة الثّالثة : قيمة العفو بين المقترين والمسرفين

قيمة القوامة ليست قيمة مقصورة على الإنفاق. إنّما هي قيمة تشقّ الحياة كلّها طولا وعرضا. ومن مشاهد الحياة التي لا مناص فيها من القوامة المعتدلة المتوازنة مشهد العفو. لماذا عفا عليه السّلام عن قريش في فتح مكّة ولم يفعل ذلك مع رجال بني قريظة ـ دون نسائهم وأطفالهم ـ؟ أذيال الإستشراق الخايب تعزو ذلك إلى إنحياز عصبيّ قذر. إذ هو عليه السّلام بزعمهم عفا عن الأوّلين لأنّهم أهله وعاقب الآخرين لأنّهم غرباء أو يهود. سذّج المسلمين ينساقون وراء هذا. ذلك حمق وطيش. إنّما عاقب أولئك لأنّهم خونة فحسب. لا علاقة لعرقهم ودينهم بذلك. عوقبوا كما يعاقب كلّ خوّان غدّار يتعاون مع العدوّ في حالة حرب ضارية. ماذا كان سيكون مصيره عليه السّلام ومن معه في المدينة لو إنتصرت قريش وغطفان بتدبير داخليّ من بني قريظة؟ أليس سحقا مسحوقا ومحقا ممحوقا وتنكيلا. بل محرقة لن تشهد الأرض مثلها؟ أمّا ذرف دموع التّماسيح بجهل أو نفاق فيحسنه كلّ ساذج أو مفسد. وما عفا عليه السّلام عن قريش الذين هجّروه وصحبه وقتلوا سميّة وصدّوا عن سبيل الكلمة الحرّة سوى لأنّهم كانوا شرفاء في تكذيبهم وأمناء في صدّهم. إذ عاش بينهم وهو نبيّ عقدا كاملا بل أزيد ولم تسجّل حادثة خيانة واحدة ضدّه أو غدر أو إغتيال. ذلك هو الفارق الكبير. الخوّان الغدّار وخاصّة عندما تكون معه متعاهدا ليس حقّه سوى القتل لأنّه حيّة رقطاء إن عفوت عنها عادت دون جدال. أمّا الشّهم في معارضته فيمكن أن تكون هناك شبهة فكرية بينك وبينه وربّما تحسمها الأيّام. الإسلام يقيم وزنا ثقيلا لقيمة الشّهامة والكرامة والمروءة. ويمقت المقت كلّه قيم الغدر والخيانة والنّكول عن العهود بغرض الطّعن الذي ليس بعده عدا الموت الزّؤام. طوائف المقترين منّا اليوم في بذل قيمة العفو أكثر بكثير من طوائف المعتدلين. ومثلهما طائفة المسرفين في ذلك. هذا تقدير إجتهاديّ سياسيّ تختلف الأنظار في تنزيله. فإن إختلفت في مبدإه فهو جهل. يظلّ مبدأ العفو وقيمة الصّفح شهامة إسلامية ومروءة دينية. السّداد هو نبذ كلّ تقتير فيها على من هو لها أهل. تقديرا لا نصّ فيه. ونبذ كلّ إسراف فيها على من ليس هو لها أهلا. من مبادئ تنزيل تلك القيمة : لا صفح عن خوّان غدّار مطلقا. وبعد ذلك عادة ما يكون الصّفح أولى. عدا أنّ هذا كذلك يعارض بما كان سيكون في بدر العظمى لولا أنّ تأخّر الوحي في معاملة الأسرى حال دون ذلك لحكم كبيرة وكثيرة ليس هنا محلّ بسطها

النّظرة الرّابعة : بسط الصّلح خير وطيّ الماضي أولى

هناك منتصرون في الدّنيا لا يعون أنّهم كذلك. فيفسدون إنتصاراتهم أن تستمثر لمزيد من فلاحات أخرى. وهناك منتصرون يحسنون إلتقاط اللّحظة. سيّد هؤلاء هو محمّد عليه السّلام. إذ بدأ بتوظيف نصره في فتح مكّة ومن أوّل طرفة عين بما يبسط الصّلح ويطوي الصّفحات السّوداء الكثيفة التي كانت بينه وبين قريش. أصحاب المشاريع الجادّة الكبرى هم من يشيّدون على إنتصاراتهم قابلات سعيدة. أمّا الطّائشون فإنّهم يبدّون ذلك بإنتقامات سرعان ما تحشد الغضب وتهدّد وجودهم. نعبّر نحن اليوم عن ذلك بالقول أنّ كسب القلوب أولى بكثر من كسب المواقف. هل تظنّ أنّ المرء عندما يخون لا يعلم أنّه خائن؟ أبدا. إيّاك أن تعتقد ذلك. إنّما هو الكبر الذي يؤزّ النّاس. من ذلك أنّه عليه السّلام عفا عن قريش في رسالة سياسية أنّي طويت صفحات الماضي وأمدّ يديّ لنتعاون على حدّ أدنى من الخير. ومن ذلك أنّه أعلى من شأن أبي سفيان وهو مشرك (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ومن ذلك أنّه أعاد مفتاح الكعبة للمشرك الذي إستؤمن عليه قبل ذلك وهو مازال مشركا. وأعمال أخرى كثيرة لا داعي لإحصائها. إنّما الدّاعي كله هو قراءتها ضمن أنّها إستثمار لنصره ورسالة سياسية إلى قريش ـ كبرى القبائل العربية ـ أنّ المستقبل أولى من الماضي. وأنّ الإنتقام خطاب الفاشلين. وأنّ السّلم خير من الإحتراب. وأنّ الأمن أدعى إلى العمارة وفعل الخير. كثير منّا اليوم يخلطون بين لحظتي النّصر والإخفاق. إذ يتصرّفون في الحالين تصرّفا واحدا. يظلّل الماضي قاتما أسود حتّى لو تغيّرت أشياء كثيرة. النّصر قيمة أخلاقية وليس هو قيمة ميدانية. لأنّ كلّ نصر يعقب ـ سنّة مسنونة ـ بإخفاق بعد سنوات أو عقود. المنتصر هو من يحتفظ بتلك القيمة حتّى وهو في يمّ الهزيمة العسكرية. نجح عليه السّلام في تفتيت الدّولة العميقة التي كانت ستثأر لفتح مكّة عنوة. كيف نجح؟ ليس بالخطاب السّياسيّ فحسب. على أهمّية ذلك. إنّما بإجراءات إدارية أخرى متدرّجة. منها أنّه أمّر على مكّة رجلا من عنده. ومنها أنّه لم يتردّد في التصدّي للطّائف في حنين. إذ همّوا بالإغارة عليه. وهم يعلمون حقّ العلم أنّ من ملك مكة أمّ القرى فهو مالك أحراشها وعواليها وضفافها وتخومها شرقا وغربا. ولكنّه بذل الرّسالة السّياسية ذاتها لثقيف. إذ ردّ إليهم غنائمهم التي فاءت إليه. ليس هناك دولة أعمق من قريش ومن ذا فإنّ التّذرع من لدنّا بصلابة الدّولة العميقة التي أجهزت كلّ الثّورات العربية المعاصرة هو كلام فارغ. نحن من لم نع كيف يكون التّعامل الأحكم مع تلك الدّولة العميقة ولا حتّى مع حلفائها (ثقيف بالنّسبة لقريش) أو لم نع لماذا أصلا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى