اراءاهم الاخباررأي رئيسي

عاشوراء.. بين غفلة أهل السّنة وتزوير أهل الشيعة

يوم السبت 29 أغسطس آب من هذا العام الميلادي 2020 هو يوم عاشوراء أي العاشر من محرّم الحرام من العام الهجري الجديد 1442. ما هي عاشوراء وما معناها وكيف نحيي ذكراها؟

المشروعية الدينية

أخرج الإمامان البخاري ومسلم عليهما الرضوان عن إبن عبّاس أنه عليه السلام لمّا قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسأل عن ذلك فأخبر أنه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى عليه السلام ومن معه من بني إسرائيل من فرعون. فصامه عليه السلام وأمر بصيامه وقال : نحن أحقّ منهم بموسى عليه السلام. كما ثبت أنه عليه السلام قال في العام الذي قبض فيه : لئن حييت إلى قابل ( أي إلى عام آخر) لصمت تاسوعاء. عدا أنه قبض قبل ذلك. وبذلك أضحت السنة ـ لمن أراد إستحبابا وليس إيجابا ـ صيام عاشوراء إذ أخبر عليه السلام أن صيامه يغفر ذنب عام مضى ـ أي على النصف من أجر صيام يوم عرفة ـ وصيام تاسوعاء كذلك

لم نصوم عاشوراء؟

ما تأخر المسلمون في العهود الغابرة سوى لأنهم شغلوا أنفسهم بهذا السؤال : كيف؟ وأهملوا هذا السؤال : لم؟ أي لماذا؟ ذلك أنّ مسلمي العهود المتأخرة عكفوا على الأشكال والصور فظلّوا يرهقون أنفسهم ومن يسألون عن الكيفيات وإمتلأت الشفاه شقشقات عن : كيف أؤمن وكيف أصلي وكيف أتطهر وكيف أصوم وكيف أتصدق وأزكي وكيف أحج وأعتمر وكيف وكيف وكيف. في حين أنهم غفلوا عن السؤال الأولى من هذا وهو : لم؟ أي لماذا أؤمن ولماذا أصلي ولماذا أتطهر ولماذا أتصدق ولماذا أحج وغير ذلك؟ ذلك أنهم غفلوا عن أنّ الإسلام : حكم وحكمة معا. الإسلام حكم يبيّن الصورة والهيئة والكيفية وحكمة تبيّن المقصد والمعنى والدلالة والسرّ والغاية. لو كانت الكيفيات والصور تستغرق من الإنسان زمنا أو جهدا لعذر المسلمون ولكن ناكية النواكي أنّ سؤال : كيف؟ لا يستغرق بيانه إلاّ دقائق أو سويعات ثم يجد المرء نفسه وقد تعلّم كيف يعبد ربّه. تلك هي الحال التي على العدول الرواحل الذين يبحث عنهم عليه السلام التصدي لإصلاحها قبل أن يتحول المسلمون إلى كومة من الأشياء المتراكمة يفعل بها العدوّ ما أراد وهي تظنّ أنها تحسن صنعا

نصوم عاشوراء لإحياء فقه المقاومة

ليس هناك من جواب آخر يتوافق مع الإسلام سوى أننا نصوم عاشوراء لأجل إستنباط العبرة من أصلها الأوّل أي التفكر في سببها الذي لأجلها صامها عليه السلام وأمر بصومها إستحبابا. حتى الذي لا يصومها عليه أن يلتقط العبرة من هذا العيد الكبير الذي نحن عنه غافلون. ناكية النواكي هي أنّ حتى الذين يصومون تاسوعاء وعاشوراء معا غافلون عن الحكمة من ذلك الصيام. هل تظنّ أنّ الصيام هنا أبلغ أجرا من فقه الحكمة؟ أنا لا أظنّ. أجل. لا أظنّ. لا أظنّ ذلك لأنّ الله يريد منا عبادته بالعقل أوّلا تفكرا وتدبرا وإستنباطا للعبرة من كلّ قصة. ومن بعد ذلك ـ وليس قبله ـ ترويض النفس على العبادة العملية. عقلي يقودني إلى أنّ الله تعالى محاسبي يوم القيامة عمّا حمل رأسي من عقائد وأفكار ومعارف وعلوم وقيم أوّلا فإذا إستقام ذلك مني في الحدّ الأدنى جاء دور الحساب مع عملي وفعلي وما إقترفت جارحتي. أمّا قلب هذا السلّم فليس من الإسلام في شيء. عدد كبير من المسلمين اليوم يصومون ذينك اليومين أي التاسوعاء والعاشوراء معا وبسبب جهلهم وغفلتهم عن سبب ذلك الصيام فإنهم يقفون مع فرعون العصر أو فراعنة العصر دوليا وإقليميا ومحليا ضد أحفاد موسى عليه السلام أي ضد المستضعفين والمقهورين. أقولها دون مواربة : من يصوم عاشوراء بل الدهر كلّه وهو إلى جانب الظالم في أيّ مشهد في حياته فبئس الصيام وبئس القيام إذ لا يشفع ذلك له في شيء. عندما أمرنا عليه السلام بصيام عاشوراء إستحبابا فهو لا يريد منا سوى أن نظلّ مع كلّ ما يرمز إلى موسى عليه السلام ومن معه من مستضعفين مقهورين مدحورين و ضدّ كلّ من يرمز إلى الفرعونية والهامانية والقارونية وسائر المشهد الظالم بما فيه السامرية ـ نسبة إلى السامريّ ـ وغيره. تلك هي العبرة الأولى من صيام عاشوراء لمن أراد فقه الإسلام وتنفيذ دينه ويستقيم كما أمره الله وليس كما يريد هو. ولبئس صيام يجوع فيه الإنسان ويظمأ في عاشوراء خاصة ولا يذكر تلك الملحمة الجهادية العظمى التي سجّلها الكتاب العزيز وبثّها فيه بثّا عجيبا. بئس الصيام الذي لا يحمل الصائم على ربطه بمناسبته وبئس الصيام الذي يجعل الصائم في أيّ مشهد حياتي جديد واقفا مع سليل فرعون ضدّ سليل موسى عليه السلام. لا أجد كلمة أخرى أعبّر بها عن الحكمة من صيام عاشوراء سوى أنّنا أمرنا بصومه لأجل ملازمة قيمة المقاومة ومعانقة قيمة الجهاد في أيّ مشهد ظلم جديد لنكون مع المظلوم من دون أن نسأل عن قرابته منّا ولنكون ضد الظالم من دون أن نسأل عن بعده عنّا

التزوير الشيعي التعيس

وفي مقابل أكثر ما يقوم به من سمّوا بأهل السنة نجد الشيعة في أغلبهم طبعا وليس كلّهم يزورون التاريخ. إذ يغضون الطرف عن سبب عاشوراء الرئيس كما بيّنه سيد المرسلين عليه السلام. أي الإلتحام نفسيا وعمليا قدر الإمكان بمشهد فرعون مع موسى عليه السلام. ويظلّون يحيون الذكرى نسبة إلى مقتل السبط الأكبر الحسين عليه الرضوان في كربلاء من بعد إستيلاء الأمويين على الحكم بطشا. لا أحد ينكر أهل البيت وفضلهم في الكتاب العزيز ولا أحد ينكر فضل الحسين ومن معه منهم ولكنّ التزوير خسّة وسوء ومنكر. لا أجد عذرا للشيعة الذين يحيون عاشوراء نسبة إلى مقتل ذلك السبط الكريم عليه الرضوان وهم في غفلة عن السبب الأوّل أي المشهد الفرعوني الموسوي الذي لأجله أمر عليه السلام بصيام عاشوراء. يمكن الربط بين الحدثين بسبب أنهما ينتميان إلى مشهد ظلم واحد وإلى مشهد مقاومة واحد وبسبب أنهما يتزامنان في التاريخ أي العاشر من محرّم الحرام. يمكن ذلك بل يجب. ولكن إهمال الحدث الأوّل الذي لنا فيه وحي صحيح من المعصوم عليه السلام وإهالة التراب عليه كأنه لم يكن وفي اليوم نفسه نعلي من شأن مقتل السبط عليه الرضوان ذلك هو الذي لا أقبله وأقف ضدّه لسبب بسيط هو أنّنا أمرنا بإتباع الجدّ عليه السلام أي محمد عليه السلام وليس بإتباع السبط عليه الرضوان مع تقديمنا لذلك السبط ولأهل البيت أجمعين وللصحابة كلهم. لا أهوّن من مقاومة السبط الحسين عليه الرضوان بغضّ النظر عمّا إذا كانت حركته السياسية تلك مستكملة لأركان نجاحها أم لا. ذلك شأن آخر. ولكنّي لا أدع سيدي رسول الله عليه السلام لأيّ شيء آخر أو أيّ أمر آخر أو لأيّ إنسان آخر كائنا من كان. فهو الأولى وهو المتبع الأوّل وهو المقدّم سيما أنّ الأمر هنا يتعلق بالدين إذ فيه عبادة هي الصيام. يمكن الجمع بين الحدثين إذ تزامنا وكيف لا يجتمعان ومقاومة موسى عليه السلام هي من جنس مقاومة السبط الحسين عليه الرضوان. كيف لا يجتمعان إحياء في يوم واحد وهما من جنس المقاومة ضد الظلم والقهر كلاهما؟ أي غضاضة في إجتماع الإحتفاء بهما؟ لا شيء عدا التزوير الشيعي الطائفي التعيس

من هو فرعون العصر؟

لو كانت الفرعونية تاريخا مضى وإنقضى لما إحتفى بها الكتاب العزيز كلّ ذلك الإحتفاء لتظلّ قصة تتلى تعبدا حتى يوم الدين. ولو كانت المقاومة ملحمة مضت وولّت لما صام عليه السلام عاشوراء وأمر بصومه إستحبابا. أيّ علاقة لنا بموسى عليه السلام؟ ليس هو نبّينا فحسب نؤمن به كما نؤمن بكلّ نبي وبمحمد عليه السلام. هو فوق ذلك قائد تلك الملحمة الجهادية العظمى التي ضمّخ القرآن الكريم بها نفسه حتى الثمالة. هو بطل ذلك المشهد الجهادي الذي ختمه الله سبحانه بإنجائه ومن معه من فرعون وبطشه. لو كان كلّ ذلك تاريخا ولّى لما صام عليه السلام ولما حفل بالذكرى ولما أمر بصيامه. كذلك أفكر أنا. ألتقط العبرة ولا تعنيني الصورة ولا مكانها ولا تاريخها. يعنيني من الحدث كله أنه عليه السلام يريد أن يعانق المسلم مشهد مقاومة الظلم في كلّ مشهد ظلم جديد يحياه. نصوم إذن لأجل مقاومة الفرعونية المعاصرة ومنها على المستوى الدولي الغطرسة الأمريكية التي تستخدم مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة نفسها لأجل طمس قضايا الحقّ وعلى رأسها قضية القدس السليب. ومنها على المستوى الإقليمي العدوّ الصهيوني الذي يحتل الأرض ويغري العرب للتطبيع قهرا ومنها العصابات العربية الخائنة التي تهرول إلى إرضاء ذلك المحتل. هل هناك أشدّ عليك اليوم من تنامي وتيرة التطبيع والإعتراف بالعدوّ وإحتلاله؟ أليست هي عدوى أشدّ عليك من عدوى وباء ( كورونا ) تفتك بالناس؟ وعلى المستوى المحلّي فإنه يكاد يكون لنا في كلّ دولة عربية أو إسلامية فرعون جديد وهامان جديد وقارون جديد. وفي كلّ منها طبقة من الأئمة الذين يقومون بدور السامريّ. لأجل ألاّ تنقطع روح المقاومة فإنه عليه السلام إلتقط ذكرى إنتصار موسى عليه السلام على الفرعونية القديمة ولأجل أن يظلّ المؤمن الذي يؤمن بالله سبحانه واليوم الآخر إيمانا حقيقيا وليس إيمان المنافقين صام وأمر بالصيام. أمّا عبادة الصيام نفسها ووحدها في هذه المناسبة وليس في غيرها فلا تعني شيئا. ذلك هو المقصود الأكبر من صيام عاشوراء. بل إنه عليه السلام أراد لنا أن نتميز عن غيرنا فأمر بصيام تاسوعاء. نتميز عنهم ليس بالصيام فحسب بل نتميز عنهم بأننا نقاوم دون أرضنا وعرضنا بدون أيّ عدوان على أحد في حين أنهم قد يصومون ولكنهم يعتدون

والله أعلم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق