اراءاهم الاخباررأي رئيسي

ضيقوا أسباب الطلاق وإحفظوا حصونكم

إستنباطات من تشوفات الشريعة

الشريعة الإسلامية كما يستقرئها القارئ بعقل موضوعي لا موضعي و جامع لا مبتسر ومقاصدي لا وسائلي وإجتهادي لا إجتراري تخبرك أنها متشوفة فيما يتعلق بالأسرة إلى تيسير أسباب النكاح وتوسيع وسائل الزواج حتى تنفذ إرادة الله سبحانه ويستمر النسل ويمضي الإبتلاء الذي لأجله هو فحسب خلقنا من جهة وأنها متشوفة بالقدر ذاته إلى تضييق أسباب الطلاق وتعويق وسائل دكّ حصن الأسرة المنيع حفظا للنشء من التيه والضياع وإنعاما عليه بأغلى لبن : لبن رحمة الأمومة وحلم الأبوة من جهة أخرى. ولا يعني ذلك أن الطلاق محرم كما هو الحال في الكاطوليكية ولا أن الزواج فريضة دينية من تخلف عنها عوقب ولكن ذلك يعني أن الأصل فطرة هو الزواج وأن الأصل جبلة هو عدم التعدد ( فعل محمد الإنسان وليس محمد النبي عليه السلام ) وأن الأصل هو تواصل الود والرحمة والتساكن والتلابس بين الزوجين حتى مع وجود المشكلات إذ أن كلاهما للآخر سكن وملبس وأن الكره ليس سببا كافيا للطلاق : فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا

كيف ضيقت الشريعة أسباب الطلاق؟

أوّلا : تيسير أسباب الزواج

أي أن الرسالة التشريعية للناكحين قوامها أن هذا اليسر في أسباب الزواج مقصوده حفظ الحد الأدنى من الحياة الزوجية ودّا ورحمة وتساكنا وتلابسا وصونا للميثاق الغليظ ومن تلك الأسباب التي بسطت في مقال سابق : إعتبار أن الركن الأعظم الذي لا نكاح إلا به ويجري الطلاق بسبب عدم توفره حتى بعد قرن كامل من الإرتباط ومئات من الولد والحفيد هو ركن التراضي بين الناكحين . ومن تلك الأسباب كذلك رمزية المهر الذي سمي نحلة أي هدية ودية وليس ثمنا للمرأة أو لبضعها كما تورط في ذلك بعض الفقهاء قديما وهو المهر نفسه الذي لا حدّ لأدناه ولا حدّ لأقصاه ولو كان قنطارا ولكن المشروط فيه هو حفاظه على هوية النحلة وطابع الهدية وبذلك لا ينقم الزوج على زوجه بسببه ولا تحتقره هي بسبب تواضعه كذلك وغير ذلك من الأسباب التي لا مجال هنا لمزيد من الإنبساط فيها إذ سبق ذلك. وبذلك تكون أول أسباب التضييق في الطلاق هو تيسير أسباب الزواج فكلما كان الزواج مبناه الحب والتوافق واليسر كان ذلك أدعى إلى الديمومة والإستمرار

ثانيا : التكاره ليس سببا للفراق

وذلك واضح في قوله سبحانه ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ). وما يلفت نباهة كل مستقرئ هو تواتر الإيصاء بالمعروف إذ غشي هذا الخلق العلاقات كلها بدءا بالعلاقات الزوجية حتى إذا كان فراق فلا بدّ أن يكون بالإحسان والمعروف. المقصود بالتكاره هنا ليس في تأسيس عش الزوجية ولكن المقصود به هو حدوثه بعد ذلك فإذا كان تكارها في بداية التأسيس فهو نكاح باطل إذ لا نكاح إلا بتوافق وتراض منهما معا. وفي ذلك قال عليه السلام ( لا يفرك ـ أي لا يبغض ـ مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر). وهو لمسلم عن أبي هريرة

ثالثا : لا طلاق في إغلاق

وهو حديث صحيح ( عن عائشة في مسند أحمد وعند إبن ماجة غيرهما) ومعناه أن الإنسان عندما يفقد صوابه الذي به يميّز فإن تصرفاته تقاس على المجنون والسكران وفي حالات التواجد العالية لفرح أو غضب أو جوع أو حزن أو خوف فإن الإنسان لا يليق به أن يتصرف تصرف العاقل ولذلك قال عليه السلام ( لا يقضي القاضي وهو غضبان ـ عن أبي بكرة وأخرجه البخاري وغيره ) وعلى الغضب تقاس كل حالات الغريزة التي تغشى الإنسان فتصرفه عن صوابه وتفسق به عن رشده ومن ذا أنه لا طلاق في إغلاق أي إستغلاق أسباب التمييز العقلي. الذي لا يحسن المنسوبون إلى الإفتاء معالجته هنا هو أن أكثرهم بالنتيجة العملية لا يعير لهذا التعليم النبوي بالا فيفتي بالطلاق في كل حالات الغضب متذرعا بأن كل الرجال يعلقون طلاقهم المتسرع على حالات الإغلاق. هؤلاء خلطوا بين أمرين من يخلط بينهما لا يتأهل للإفتاء وهما الدليل وتنزيله أو المناط وتحقيقه بلغة الأصوليين. حتى لو كان حقا أن الرجال كلهم عند رقّة التدين يغضبون ويتسرعون تعجّلا فيطلقون كلمة الطلاق فإن المفتي عليه إعتبار أن ذلك حالة عامة تؤخذ بعين الإعتبار ولكن لا تعمّم على كل حالف بالطلاق أو متفوه به لأن تنزيل الحكم الشرعي يحتاج من بعد بيانه تخريجا وتشذيبا إلى تحقيق والتحقيق عملية دقيقة وفردية كما يفعل الطبيب بمرضاه فلا ينيل كل مرضى الإسهال مثلا دواء واحد حتى لو تناولوا طعاما واحدا سبب لهم الإسهال أو كانوا في سنّ واحدة أو خرجوا من رحم واحدة. الفقيه يحتاج إلى منهاج الطبيب في تنزيل الحكم كما ينزل هذا الدواء. والقول هنا هو قول الزوج وليس قول الفقيه أي الذي يقول أني طلقت في حالة غضب شديدة هو من يعدّ عاقلا وأفعال العقلاء تنزه عن العبث وليس للمفتي المتشوف جهلا ونكالة إلى تمزيق نسيج الأمة أن يتقمص هو دور الضحية فيعمد إلى تطليقهما

رابعا : لا يمضى الطلاق البدعي

سمّاه الفقهاء طلاقا بدعيا لأنه منهي عنه في الشريعة بالحديث النبوي وهو الطلاق الذي يقع إما في طهر حصل فيه مسيس أو في حيض أو نفاس والعلة من ذلك هي أن الرحم لا بدّ أن يستبرأ أوّلا إذ قد يكون ذلك المسيس أثمر ولدا والشريعة متشددة غاية التشدد في نسبة الولد إلى أبيه مهما كانت مشاكل الزوجية مستعصية وليس ذلك هو العلة الوحيدة التي يهرف بها أدعياء العلم والمفتونون بتقدم الطب من الذين يقولون أن العلم أتاح لنا معرفة محتوى الرحم في الأيام الأولى فليسقط هذا الأمر ولكن التحقيق أعمق من ذلك إذ أن هناك علة أخرى قوامها أن المرحلة التي جرى فيها مسيس جنسي من شأنها ظاهرا وغالبا والعبرة بهما لا بالشاذ أن تكون مرحلة حب وتوادد وتراحم وإلا ما وقع بها مسيس وبذلك تنأى الشريعة بها عن الطلاق لأن الشريعة متشوفة إلى أبعد آماد التشوف إلى تضييق أسباب الطلاق. ومثلها الطلاق في حالة حيض أو نفاس إذ أن المرأة تعتريها في الحالين ما قد يكدر مزاجها ولذلك عفيت من أم الدين بعد الإيمان أي الصلاة ومن الصيام وكلنا يدرك أن نزول الدم من الجسم يثمر ضعفا فيه من الناحية البدنية. والشريعة التي رحمت المرأة يسرا بها فلم تكلفها بالصلاة والصيام في تلك المرحلة هي أقمن بأن تعفيها من تبعات الطلاق الأرعن الذي يسلط عليها في تلك المرحلة إذ الشريعة معقولة المعنى منسجمة التكاليف التي تمضي في إتجاه اليسر دوما إعترافا بضعف الإنسان وجور الزمان. الفقهاء الذين أمضوا الطلاق البدعي يلزمون أنفسهم وفي أحسن الحالات يلزمون عصورهم وأجيالهم وليس لهم ما يؤيد كلامهم عندما يحاكم إلى الشريعة وليس إلى التعصب المذهبي البغيض. وإخوانهم الذين لم يمضوه هم أولى بمقاصد الشريعة وأدنى وفاء إلى روحها وأهدافها. وفي أسوإ الأحوال فإنه على المفتين اليوم الإلتزام بما هو أليق بعصرنا الذي يعمل فيه من قبل قوى العدوان ضد الإسلام على حصد لبنة الأسرة

خامسا : الحلف بالطلاق ليس قسما شرعيا

أكثر الذين يجلسون بين المفتين يحلفون بالطلاق والحقيقة أن الحلف بالطلاق ليس قسما شرعيا فلا عبرة بقسم نهى عنه النبي عليه السلام القائل ( من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ـ عن إبن عمر عند البخاري). ومن معاني ذلك أن أي حلف بغيره سبحانه لا عداد به ولا عبرة له وكل ذلك يساق في إتجاه تضييق أسباب الطلاق. أما توخي سبيل توسيع الطلاق لكل ناعق وإعتبار أن الحلف بالطلاق أو بغير الطلاق مما لا يجوز القسم به أو يستكره فهو إتجاه يضادد توجه الشريعة ويوادد إتجاه مؤتمرات الصليبية في القاهرة سنة 1994 وبيجين بعدها بعام واحد أو سنوات قليلات وهي مؤتمرات يراد لها تمزيق الأسرة أحد أكبر أعمدة الأمة والمفتي الذي لا يعي بذلك وخاصة بإسم الدين والورع وإتباع السنة فهو الذي إستجمع كل أسباب الحماقة والبلاهة إذ الدين مقصد معلل معقول مفهوم له أبعاد وأعماق ومعان يريد تحققها وليس هو أشكال ميكانيكية وصور تركيبية مثل لعب الأطفال. ويستعاض عن إمضاء الطلاق المحلوف به طلاقا بدعوة الحالف إلى كفارة اليمين المنعقدة أي صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين من أوسط ما نطعم به أهلينا. هذا أليق بالشريعة وأوفى لها وأدنى إلى تحقق مقاصد الأسرة. الأسرة تلك المؤسسة التي قدسها القدوس سبحانه وفصلها في كتابه تفصيلا. الأسرة تلك القوة العظمى التي نحسد علينا نحن اليوم في عصر تحللت فيه المجتمعات الغربية من حولنا بسبب الأسرة

سادسا : الطلاق عزم ونية وليس طيشة شاغبة

لا يمضى الطلاق حتى يكون نية معقودة وعزما معزوما من المطلق وليس غضبة كما أنف أو كلمة عابرة لم يلق لها بالا أو تهديدا به أو غير ذلك ما لم يكن في الأمر نية عازمة إذ أن أصل الدين كله ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل إمرئ ما نوى ). هذا الأصل الديني الأعظم هو الذي يقود الأعمال ومنها عمل الطلاق فلا يجنى على أسرة ونشء وزوج وعش هادئ بسبب نزوة شيطانية شغبت على الزوج لأمر أو لآخر. زلات اللسان لا عبرة بها ولا أدل على ذلك من الرجل الذي لفرط فرحه بعودة دابته إليه وعليها طعامه وشرابه وهو في بيداء مقفرة ينتظر المنية قال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك. الكلمة في الحالات العادية كفر بواح ما بعده من كفر ولكنها في غمرات الفرح الشديد ـ وعلى الفرح الشديد يقاس الغضب الشديد ـ تستحيل أمرا ضحك الله منه أو له سبحانه والدليل هنا أن الله لا يؤاخذ الناس بزلات اللسان وبالغضبات والفرحات وما يعرض للإنسان من ذلك لأنه بشر ولكن يؤاخذ الله الإنسان بالمعقودات القلبية فمن لم ينو الطلاق لا يمضى طلاقه ولو ردده مليون مرة ومن لم يعزم الطلاق لا يهدم بيته ومن زل لسانه يدعى إلى الضبط وليس يعاقب بالتطليق

سابعا : الطلاق مرة من بعد مرة وليس عبثا بالدين والأسرة

هذا هو الأمر الذي ضل فيه اليوم أكثر المفتين وهو إمضاؤهم الطلاق في مجلس واحد أو بكلمة واحدة تثليثا طلاقا بائنا وهي كارثة من الكارثات التي شيبتني والله. الحاكم القائد المتبوع هنا هو القرآن الكريم وليس غيره وهو الذي قال بصريح العبارة ( الطلاق مرتان … فإن طلقها .. فإن طلقها ). أي أنه يعطي الزوج فرصتين إثنتين متتابعتين واحدة في إثر الأخرى ولذلك يبين أن الطلاق مرتان والثالثة هي البائنة. هل بعد هذا التوضيح من توضيح في لسان العرب؟ بعض المفتين يتبعون الفاروق عمر هنا وهو الذي أمضى الطلاق المثلث في بعض مراحل حكمه ـ وليس فيها كلها ـ في جلسة واحدة طلقة بائنة وفعل ذلك تأديبا للناس وهم في تلك الأيام صحابة وتابعون أي أنه عاملهم بحسب قربهم وفقههم ومن ناحية أخرى هو لم يغير الدين ولا سنة الرسول عليه السلام ولكنه أجرى ما نسميه نحن اليوم منشورا إستثنائيا لا يلغي الدستور ولكنه يصلح بعض جوانب الحياة فيما بدا للدولة. عمر هنا لا يشرع ولكنه فعل ذلك بمقام الولاية والإمارة والسياسة كما يقول المحققون في فقه المقامات. الحمقى والأغبياء جعلو من ذلك المنشور الفاروقي الذي إقتضته ظروف خاصة وهو إستثناء من الحكم حكما شرعيا باتا وظلوا يفتون به فمزقوا الأسر وقطعوا العائلات ويتموا الأطفال ورملوا النساء وأساؤوا إلى الدين بجهلهم. لم يكن هذا من سنته أبدا مطلقا عليه السلام. ولا يجوز الإفتاء لمن لا يعلم عن القرآن الكريم شيئا ولا عن السنة شيئا ولا عن مقاصد الشرع شيئا ولا عن واقع الناس اليوم شيئا ولا عن قيمة الأسرة وعمل الأعداء شيئا فإن تولى هؤلاء الإفتاء تكون فتنة وهي كذلك في مجال الأسرة. ومن جراء ذلك الغباء جاءت فضيحة المحلل الذي نهى عنه عليه السلام نهيا متشددا جدا لما فيه من هوان بالمرأة وعبث بالأسرة إذ قال عليه السلام ( لعن الله المحلل والمحلل له). كنت وأنا طفل يافع أسمع هذا العبث الذي يسمى تياسا في الفقه البائيس التعيس وفي واقعنا في الجنوب التونسي في سنوات الخمسينات فلما كبرت ورشدت وتعلمت أدركت النكبة الناكبة. التحليل الفظيع ثمرة من ثمرات التعجل من بعض المفتين إلى إعلان البينونة في الطلاق الثلاثي في جلسة واحدة أو بلفظ واحد إذ أن بعض الناس يتحيلون على الدين عندما يجدون الناطقين بإسم الدين مثلهم مثل الكهنة أي يقدمون للناس دينا لا رحمة فيه بل هو نقمة سوداء شنعاء

ثامنا : الطلاق مسؤولية المجتمع والدولة وليس شأنا فرديا خالصا

عندما قال سبحانه ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء …) لم يكن يعني محمدا عليه السلام إذ أن محمدا عليه السلام ما طلق وما فكر في الطلاق ولكن جاء النداء إليه بمقام الولاية السياسية على الأمة كمثل رئيس عندما يصدر أمرا خطيرا فإنه يمرره عبر وزيره أو مؤسسة حكومية حتى يأخذ طابعه الأعظم وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا سبحانه. ذلك يعني أن الطلاق ليس شأنا فرديا خاصا خالصا لا شأن للمجتمع والأمة والدولة به. ذلك يعني أن الطلاق قرار خطير رغم إباحته والإعتراف بضرورته عندما تستحيل الحياة الزوجية عذابا من بعد ودّ وجحيما من بعد تراحم. ولمّا تراجعت الدولة عن مهامها بل إستبدلت بالشريعة الإسلامية شريعة غربية جزئيا أو كليا وعمّ الجهل بين الناس ظن الناس أن الطلاق مسألة فردية شخصية خالصة لا شأن للبعد الجماعي بها. ولذلك جاء التعليم في السورة نفسها يؤكد خطورة الطلاق إذ أوجب عليه الإشهاد فقال ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) ومعنى ذلك هو أن الحاضنة الإجتماعية عليها دور الإشهاد على ذلك الطلاق سواء كانت قبيلة أو مجتمعا أو عائلة أو دولة أو مؤسسة أو وجودا مسلما في الغرب أو أروبا إذ لا يطيق الإسلام لفرد من الأمة أن يحيا من دون حاضنة أناط بها السعي لتحقيق مصالح الناس ودرإ الفساد عنهم. ولكن تراجع الفقه نفسه في ظل تراجع الدولة في القرون الخالية فحمل ذلك بعض الفقهاء على القول أن الإشهاد على الطلاق مستحب بل مباح ومن لا يعرف التاريخ لا يعرف الدين قطعا ومن لا يعلم كيف تكونت الأمة وكيف نزل التشريع وما هي مقاصده ومقاماته ومستوياته وكيف جرت الرياح بالأمة ومتى قامت ومتى إنحطت وإندكت لا يعلم من الإسلام وتشريعه شيئا كبيرا لأن التاريخ مرآة عاكسة لذلك المسار الطويل وعندما يستبد التقليد بالناس يظنون أن التاريخ ملزم وأن الفقه مثل الشريعة ملزم والفرق بينهما شاسع واسع ورغم ذلك يحشر كثير منا أنوفهم في الدين إفتاء وقولا على الله بغير حق في قضايا تعم بها البلوى فتنزل بالأمة البلايا. المقصود من هذه الفقرة هو أن الطلاق لا يمضى شرعا لو كنا نفقه إلا بإمضاء مؤسسة رسمية كقبيلة أو عائلة أو دولة أو وجود مسلم في غرب ولذلك أوجب سبحانه التحكيم العائلي ( حكما من أهله وحكما من أهلها ) وذلك دليل كاف وضاف وشاف على أن الطلاق والمشاكل الزوجية عندما يعجز الزوجان عن العلاج المناسب لم يعد مشكلة فردية شخصية بل يرتقي إلى أن يكون واجبا جماعيا وفريضة تكافلية وأمرا تعاونيا لأن إندكاك أسرة يعني نقصان مجتمع وبداية موت أمة وذهاب ريح. عندما قال بذلك بعض حكامنا في بعض البلدان إستنكره المنسوبون إلى الدين إذ دعا إلى تولي المحاكم الطلاق وهو جهل بهم وما حملهم عليه إلا أن ذلك الداعي نفسه ألغى القضاء الشرعي وبدأ في دك الدين فكان الجهل منهما جميعا. هذا يظن أن القضاء الشرعي لا يناسب العصر وأولئك ليسوا أدنى جهلا إذ ظنوا أن الطلاق مسألة شخصية فردية لا شأن للدولة بها. ما قول الذين يقيمون في أوروبا ويحتكمون في زواجهم وطلاقهم إلى محاكم لا شرعية ولكنها مدنية؟ الجواب عن ذلك بكلمة واحدة : الزواج ليس عقدا دينيا بل هو عقد مدني والطلاق مثله عمل لا ديني بل هو عمل مدني والإسلام نظم الأمرين معا بقيم أخلاقية ترعى حرمة الإنسان وتقدس الاسرة وتحفظ المصنع الذي فيه يصنع الإنسان صنعا أي الأسرة

لماذا يكون التضييق في أسباب الطلاق إتجاها شرعيا؟

ضمنت ما أنف كثيرا من تلك المعاني والقيم وأزيد عليها تلخيصا مركزا أن الشريعة التي لم تفصل في شيء أبدا إلا في مجال الأسرة هي التي تشوفت إلى توسيع أسباب النكاح إعترافا بخطورة الغريزة الجنسية عندما تشتعل وتحتدم وتورى بالإثارة فلا بد من إطفائها ولذلك أباح الإسلام في البداية نكاح المتعة التي لا يحقق مقصد الزواج مطلقا ولكن لأجل تلك الغريزة وإلى تضييق أسباب الطلاق إعترافا كذلك مرة أخرى بالضعف البشري الذي قد ينطق بكلمة الكفر أصلا ( إلا من أكره وقلبه بالإيمان ) فما بالك بكلمة الطلاق أو يحلف به أو يقوله غير عازم ولكن مكرها من غضبة شيطانية شغبت عليه. المقصود من تشوف الشريعة إلى تضييق أسباب الطلاق هو حفظ الأسرة التي هي مصنع الإنسان والشريعة أكبر من أن تعبث بسبب كلمة طائشة أو قسما غير عازم بأكبر مؤسسة تحفظ الإسلام ( الأسرة ) وأظن أننا نحن أبناء هذا العصرـ وقد رأينا بأم أعيننا تربص النزعات الصهيونية والصليبية والعلمانية والإستبدادية بتلك المؤسسة المقدسة حسدا ونكالاـ أجدر من يسير في إتجاه الشريعة وإتجاه تضييقها في أسباب الطلاق والإجتهاد الإنتقائي في المدونة الفقهية السالفة فلا نأخذ ما كان يناسب عصرا ومصرا لكل عصر ولكل مصر بل نجتهد ولو إنتقائيا إن عجزنا عنه إنشائيا وقبلتنا الدوران مع مقاصد الشريعة ومراداتها سيما أن النصوص كلها قرآنا وسنة تسير في ذلك الإتجاه. الآخرون يحسدونكم في تماسك أسركم وكثرة نسلكم لأن المستقبل لمن له أسرة ونسل وهم أضاعوا ذلك بفلسفة غربية فردانية مادية تقوم على إعدام الإنسان والأسرة تقوم على إنشاء الإنسان وصنع الإنسان وتغذيته بألبان الرحمة والعطف بإذن
رب الإنسان سبحانه

دعوة إلى المفتين ومن يسأل

دعوتي إليهم جميعا بكل ود وحرمة أن يلزموا النص ومقصده ومآله لا تقليدا لسلف ولا إنسحارا بخلف ولا إنبهارا بفلان أو علان إذ الحق أحق أن يتبع وأن يعملوا على توسيع أسباب النكاح حفظا للشباب وعلى تضييق أسباب الطلاق حفظا للأسرة والناشئة وألا يتصرفوا من منطلق الخوف على الدين فالدين مرعي لا يموت فإن فعلوا ذلك فلا يلوموا من يتصرف من منطلق الخائف من الدين إذ لكل فعل رد فعل

والله أعلم
الهادي بريك ـ المانيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى